فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 2431

لذا تعددت النصوص القرآنية التي تحذر من عداوة هذا الخبيث، ودعت عباد الله إلى عدم الخوف من كيده ومكره، كما دعتهم إلى عدم الاستجابة لوساوسه التي يلقيها عبر أوليائه من الكافرين والمنافقين لتوهين عزيمة المؤمنين وتثبيطهم عن الدعوة والجهاد، كما صور القرآن الكريم حال المؤمنين بعد غزوة أحد وهم في طريقهم إلى حمراء الأسد حيث أثخنتهم الجراح وأنهكهم القتال.

فاستغل الشيطان هذه الفرصة ليلقي بالوهن في قلوبهم ويخوفهم من عدوهم ويوهمهم بأنهم عدد كثير وأولو قوة وبأس شديد، وأن من مصلحة المؤمنين أن يقعدوا عن لقائهم، ويجبنوا عن مدافعتهم، وذلك في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [آل عمران:173 - 175] .

«وفي تخويف أوليائه قولان:

أحدهما: أنه يخوف المؤمنين من أوليائه المشركين، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.

والثاني: أنه يخوف أولياءه المنافقين ليقعدوا عن قتال المشركين، وهذا قول الحسن، والسدي» 50.

والقول الأول أولى بالصواب، فالشيطان يسعى لتثبيط المؤمنين عن قتال عدوهم بما يقذفه في قلوبهم من الخوف من كثرة أعدادهم وقوة أسلحتهم.

(ٹ ٹ ٹ ? ? ?) «أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته. وفي هذه الآية وجوب الخوف من الله وحده، وأنه من لوازم الإيمان، فعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله» 51.

ومن المخاوف التي يثيرها الشيطان في قلوب العباد الخوف من الفقر، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:268] .

(? ? ?) «أي: يخوّفكم منه، وينذركم به، إذا أنتم أنفقتم في سبيل اللّه، والأصل في الوعد أن يكون بالخير، والإيعاد بالشرّ، ووعد الشيطان هنا لمن يوسوس له بالشحّ والإمساك مخافة الفقر وعده له بالفقر، إنما هو في صورة الخير، إذ يحذره ويريه عاقبة أمره، فهو وعد الناصح الأمين الحريص على مصلحة من ينصحه. هكذا يزين الشيطان للناس الشر ويلبسه وجه النفع والخير» 52.

وفي مقابل وعد الشيطان بالفقر، هناك وعد الله بالمغفرة والفضل وسعة العطاء ووفرته لمن أعطى وبذل وأنفق في سبيل اللّه .. فمن استجاب لوعد الشيطان قاده إلى الهلاك والخسران، ومن استجاب لدعوة الرحمن نال الرحمة والرضوان .. وقد قدمت الآية السابقة الدواء الناجع لعلاج وساوس الشيطان في تخويف العباد بالفقر، وذلك بتذكيرهم بأن الله تعالى بيده خزائن السماوات والأرض، يرزق عباده من حيث يحتسبون ومن حيث لا يحتسبون، ويعوّض عليهم من واسع فضله أضعاف ما أنفقوه، كما أنه سبحانه يجعل إنفاقهم سببًا في مغفرة سيئاتهم والعفو عن ذنوبهم مع أنه غني عنهم ولا تنفعه طاعتهم أو تضره معصيتهم.

فهل يبقى مع وعد الله عز وجل لعباده أي وساوس أو مخاوف من الفقر؟!

وهكذا يستغل الشيطان خوف كثير من الناس من الفقر ليمنعهم من الإنفاق في سبيل الله ومرضاته، ويغريهم بالبخل، ويصيبهم بالهم والقلق الدائمين، فينغص عليهم عيشهم، ويحرمهم من السكينة والطمأنينة.

فأي جريمة يرتكبها المرء في حق نفسه عندما يستجيب لوعود الشيطان بالفقر وينسى أن ربه عز وجل واسع العطاء عظيم الفضل والإنعام!

إن القلب المؤمن لا يطرقه خوف الشيطان؛ لأنه يسجد في محراب الخشية لله عز وجل، فإذا اقترب منه الشيطان يغريه بالأوهام ويوسوس له بما يخيفه عاد سريعًا إلى حصن مولاه خائفًا ذاكرًا عابدًا، كما قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ) [الأعراف:201] .

فيا لسعادة المؤمن بقوة صلته بمولاه وحسن توكله عليه يمنحانه الثقة والطمأنينة في معركته مع الشيطان!

2.الخوف من الأعداء.

اقتضت سنة الله تعالى أن يواجه المجرمون دعوات الأنبياء والدعاة -على مر العصور- بالصد والتكذيب تارة، وبتدبير المكائد والمؤامرات تارة أخرى، واتخذ أعداء الإسلام في سبيل ذلك كافة الوسائل والتدابير التي من شأنها بث الخوف في قلوب المؤمنين وتثبيطهم، وإضعاف روحهم المعنوية. لذا كان الخوف من الأعداء من صور الخوف المذموم التي حذر الله عزوجل منها في أكثر من آية؛ كقوله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ?) [آل عمران:175] .

وقوله تعالى: ( ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:13] .

وقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:3] .

وكيف يخاف المؤمن من أعدائه وهو يوقن بأن الله عز وجل وليه وناصره، صاحب القدرة النافذة والعزة الحقيقية، بيده الآجال والأرزاق، بيده وحده الأمر كله من خير وشر، كما قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ?) [يونس:107] ؟!

نعم .. إن الخوف من العدو أمر طبيعي إذا دفع المؤمن إلى الاستعداد والتجهز لهذا العدو، أما إذا تجاوز الخوف الحدود ودعا أصحابه إلى الجبن والفرار أو الاستسلام فهذا هو الخوف المذموم الذي يعاقب عليه صاحبه. وقد مدح الله عز وجل عباده المؤمنين ووصفهم بأنهم (ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:54] .

قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «أي: لا يردّهم عمّا هم فيه من طاعة اللّه، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، لا يردّهم عن ذلك رادٌّ، ولا يصدّهم عنه صادٌّ، ولا يحيك فيهم لوم لائمٍ ولا عذل عاذلٍ» 53.

فهم «يظهرون الشّدّة والغلظة والتّرفّع على الكافرين، ويجمعون بين المجاهدة في سبيل اللّه وعدم خوف الملامة في الدّين، بل هم متصلّبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحقّ وحزب الشّيطان من الإزراء بأهل الدّين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب، حسدًا وبغضًا وكراهةً للحقّ وأهله» 54.

وقد قص القرآن علينا موقف بني إسرائيل لما أصابهم الخوف من عدوهم وجبنوا عن مقاتلتهم، ورفضوا دخول الأرض المقدسة، فاستحقوا الخزي والهوان.

قال تعالى: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:21 - 22] .

وهكذا تصور هذه الآيات مدى الخوف الذي تمكن من قلوب بني إسرائيل حتى أصابهم بضعف الهمة وخور العزيمة والجبن عن ملاقاة عدوهم رغم وعد الله عز وجل لهم بالغلبة والنصر.

«وهذا الجبن والخوف والوهن هو أساس الداء عند أية أمة تسلك ما سلكه أولئك اليهود، حيث ترفض طريق القتال والجهاد والاستشهاد، وتؤثر عليه طريق الذل والضعف والاستسلام، وخداع النفوس بأوهام وخيالات، تتوهم فيها الانتصار على الأعداء عن طرق الضغط السلمي أو المفاوضات المباشرة وغير المباشرة. أو تنتظر خروج أعدائها من البلاد، وانسحابهم من الميدان بكرم وأريحية، وتعتبر هذا المنطق هو قمة الوعي والفطنة والدهاء والواقعية والاعتدال!» 55.

وقد نجح أعداء الإسلام في استخدام سلاح بث الشائعات ونشر الأكاذيب والأراجيف عبر وسائل الإعلام التي تصور قوة العدو بأنها لا تقهر، وأنهم يمتلكون من الأسلحة الحديثة الفتاكة ووسائل القتال المتطورة والتي لا يمكن مواجهتها، وذلك من أجل بث الخوف والرعب في قلوب المسلمين، وهو ما يعرف بالحرب النفسية. ولا بديل أمام المسلمين حيال ذلك إلا الاعتصام بالله والتوكل عليه وإعداد القوة واتخاذ الأسباب، ولتكن لهم عبرة في أسلافهم الأبرار عندما مدحهم الله عز وجل في كتابه بقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران:173] .

فلم يزدهم إرجاف المرجفين وتثبيط المخذّلين إلا إيمانًا وتسليمًا.

3.الخوف من الموت المؤدي للنكوص عن الجهاد والفرار من التكاليف.

إن الخوف من الموت خوف طبيعي أو فطري لا يلام عليه العبد إلا إذا كان سببًا لترك واجب، أو فعل محرم. فالخوف من الموت محفز قوي لأصحاب القلوب الحية يدفعها للمسارعة إلى الخيرات والبعد عن المعاصي والسيئات، كما يسوقها إلى التوبة كلما حادت عن الصراط المستقيم.

أما إذا أدى الخوف من الموت إلى الجبن والخور، وترك تكاليف الجهاد، فهو خوف مذموم.

ولقد قص علينا القرآن الكريم قصة قوم خرجوا من ديارهم على كثرتهم واتفاق مقاصدهم خوفًا من الموت.

قال تعالى: (? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:243] .

يقص الله تعالى علينا قصة الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، إما بسبب الخوف من العدو، أو بسبب وباء عام كالطاعون ونحوه، فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم، ليروا هم وكل من خلف بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف، ولا لاغترار مغتر.

«وفي هذه القصّة عبرةٌ ودليلٌ على أنّه لن يغني حذرٌ من قدرٍ وأنّه، لا ملجأ من اللّه إلّا إليه، فإنّ هؤلاء فرّوا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آنٍ واحدٍ» 56.

«إن الحذر من الموت لا يجدي، وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة، ولا يمدان أجلًا، ولا يردان قضاءً، وإن الله هو واهب الحياة، وهو آخذ الحياة، وإنه متفضل في الحالتين: حين يهب، وحين يسترد، والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد. وإن مصلحة الناس متحققة في هذا وذاك، وإن فضل الله عليهم متحقق في الأخذ والمنح سواء.

إن تجمع هؤلاء القوم (? ?) وخروجهم من ديارهم (? ?) لا يكون إلا في حالة هلع وجزع، سواء كان هذا الخروج خوفًا من عدو مهاجم، أو من وباء حائم، إن هذا كله لم يغن عنهم من الموت شيئًا» 57.

4.الخوف المجاوز لليأس والقنوط.

ذكرنا أن الخوف المحمود ما حجز عن محارم الله، فإذا زاد عن حده، وأورث اليأس والقنوط، دفع المرء إلى استمراء المعاصي والذنوب نتيجة قوة يأسه.

لذا فالواجب على المؤمن ألا «يدع الخوف يفضي به إلى حد يوقعه في القنوط واليأس من رحمة الله، فإن هذا الخوف مذموم، وهذا الخوف الموقع في الإياس: إساءة أدب على رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه وجهل بها» 58.

لذا تنوعت النصوص القرآنية التي تدعو المؤمن إلى الجمع بين الخوف والرجاء، مثل قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء:90] .

وقوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) } [الزمر:9] .

كما جمع تعالى بين مغفرته وعذابه في قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) } [الحجر:49 - 50] .

«فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائمًا بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة، فإذا نظر إلى رحمة ربه ومغفرته وجوده وإحسانه، أحدث له ذلك الرجاء والرغبة، وإذا نظر إلى ذنوبه وتقصيره في حقوق ربه، أحدث له الخوف والرهبة والإقلاع عنها» 59.

كما حذر تعالى عباده من اليأس من روحه والقنوط من رحمته.

قال تعالى: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87] .

وقال سبحانه: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) } [الحجر:56] .

«إنه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون؛ الضالون عن طريق الله الذين لا يستروحون روحه، ولا يحسون رحمته، ولا يستشعرون رأفته وبره ورعايته؛ فأما القلب الندي بالإيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط مهما أحاطت به الشدائد، ومهما ادلهمت حوله الخطوب، ومهما غام الجو وتلبد، وغاب وجه الأمل في ظلام الحاضر وثقل هذا الواقع الظاهر؛ فإن رحمة الله قريب من قلوب المؤمنين المهتدين، وقدرة الله تنشئ الأسباب كما تنشئ النتائج، وتغير الواقع كما تغير الموعود» 60.

«وللقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران:

أحدهما: أن يسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم، فيصر عليها ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة، فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفًا وخلقًا لازمًا، وهذا غاية ما يريده الشيطان من العبد، ومتى وصل إلى هذا الحد لم يرج له خير إلا بتوبة نصوح وإقلاع قوي.

الثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته، فييأس من الرحمة، وهذا من المحاذير الضارة الناشئ من ضعف علم العبد بربه، وما له من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها. فلو عرف هذا ربه ولم يخلد إلى الكسل: لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه وإلى رحمته وجوده وكرمه» 61.

وهناك صور أخرى للخوف المذموم تشمل: خوف المرء من وثن، أو طاغوت، أو ميت، أو غائب من جن أو إنس أن يصيبه بما يكره؛ كما قال الله عن قوم هود عليه السلام أنهم قالوا له: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) } [هود:54] .

«أي: ما نقول إلّا أنّه أصابك بعض آلهتنا الّتي تعيبها وتسفّه رأينا في عبادتها بسوءٍ: بجنونٍ، حتّى نشأ عن جنونك ما تقوله لنا وتكرّره علينا من التّنفير عنها، فأجابهم بما يدلّ على عدم مبالاته بهم وعلى وثوقه بربّه وتوكّله عليه، وأنّهم لا يقدرون على شيء مما يريده الكفّار به، بل اللّه سبحانه هو الضّارّ النّافع، فقال: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ} أي: من إشراككم من دون اللّه من غير أن ينزّل به سلطانًا فكيدوني جميعًا أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنّها تقدر على الإضرار بي وأنّها اعترتني بسوء ثمّ لا تنظرون، أي: لا تمهلوني، بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم. وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم الّتي يعبدونها ما يصكّ مسامعهم، ويوضّح عجزهم وعدم قدرتهم على شيءٍ إنّي توكّلت على اللّه ربّي وربّكم فهو يعصمني من كيدكم، وإن بلغتم في تطلّب وجوه الإضرار بي كلّ مبلغٍ، فمن توكّل على اللّه كفاه» 62.

وقد خوّف المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوثانهم؛ كما قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) } [الزمر:36] .

وهذا من ضلال المشركين إذ يحسبون أن آلهتهم الزائفة تلك تملك ضرًّا أو نفعًا، وتستطيع أن تلحق الأذى والسوء بمن يريدون .. فالله عز وجل هو الذي يتولى رعاية نبيه وحفظه كما يتولى رعاية عباده الصالحين، فمن ذا الذي يجرؤ أن يمس أولياء الله بسوء وهم في كنفه وعنايته؟

ومن ذا الذي يصيبه القلق أو الخوف من أوثان المشركين على اختلاف صورها وأشكالها وهو يتوكل على من بيده ملكوت السماوات والأرض؟

وقد أعلن إبراهيم عليه السلام هذه الحقيقة في وجه المشركين في يقين جازم وحسم قاطع، في قوله تعالى: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) } [الأنعام:81] .

من لوازم الإيمان بالله: الإيمان بأسمائه وبصفاته، والإيمان بهذه الصفات يشمل إثبات كل صفات الكمال والجلال والجمال لله عز وجل، وتنزيهه عن كل صفات النقص وعن مشابهته شيئًا من مخلوقاته، وقد وصف الله تعالى نفسه بأنه له المثل الأعلى، فقال تعالى: {لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) } [النحل:60] .

وقال تعالى في موضع آخر: {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم:27] .

يقول الشوكاني: «وللّه المثل الأعلى وهو أضداد صفة المخلوقين من الغنى الكامل والجود الشّامل والعلم الواسع، أو التّوحيد وإخلاص العبادة، أو أنّه خالقٌ رازقٌ قادرٌ مجازٍ» 63.

وأضاف الشيخ السعدي رحمه الله: « {وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة والمحبة والإنابة التامة الكاملة في قلوب عباده المخلصين والذكر الجليل والعبادة منهم. فالمثل الأعلى هو وصفه الأعلى وما ترتب عليه» 64.

ومن الصفات المنفية عن الله عز وجل: صفة الخوف، «فالخوف يتضمن نقصان العلم والقدرة والإرادة، فإن العالم بأن الشيء لا يكون، لا يخافه، والعالم بأنه يكون ولا بد قد يئس من النجاة منه فلا يخاف، وإن خاف فخوفه دون خوف الراجي، وأما نقص القدرة فلأن الخائف من الشيء هو الذي لا يمكنه دفعه عن نفسه، فإذا تيقن أنه قادر على دفعه لم يخفه.

وأما نقص الإرادة فلأن الخائف يحصل له الخوف بدون مشيئته واختياره، وذلك محال في حق من هو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير، ومن لا يكون شيء إلا بمشيئته وإرادته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهذا لا ينافي كراهته سبحانه وبغضه وغضبه، فإن هذه الصفات لا تستلزم نقصًا لا في علمه ولا في قدرته ولا في إرادته، بل هي كمال؛ لأن سببها العلم بقبح المكروه المبغوض المغضوب عليه، وكلما كان العلم بحاله أهم كانت كراهته وبغضه أقوى ولهذا يشتد غضبه سبحانه على من قتل نبيه أو قتله نبيه» 65.

قال الله تعالى: {فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) } [الشمس:14 - 15] .

«قال ابن عبّاسٍ: لا يخاف اللّه من أحدٍ تبعةً. وكذا قال مجاهدٌ، والحسن، وبكر بن عبد اللّه المزنيّ، وغيرهم. وقال الضّحّاك والسّدّيّ: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} أي: لم يخف الّذي عقرها عاقبة ما صنع. والقول الأوّل أولى؛ لدلالة السّياق عليه، واللّه أعلم» 66.

وقال أبو السعود: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} «أي: عاقبتها وتبعتها كما يخاف سائر المعاقبين من الملوك فيبقي بعض الإبقاء وذلك أنّه تعالى لا يفعل فعلًا إلاّ بحق وكلّ من فعل بحق فإنه لا يخاف عاقبة فعله وإن كان من شأنه الخوف» 67.

{وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا} وهذا يعني: «أن الله لا يخاف من عاقبة هؤلاء الذين عذبهم، ولا يخاف من تبعتهم؛ لأن له الملك وبيده كل شيء، بخلاف غيره من الملوك لو انتصروا على غيرهم، أو عاقبوا غيرهم تجدهم في خوف يخشون أن تكون الكرة عليهم. أما الله عز وجل فإنه لا يخاف عقباها. أي: لا يخاف عاقبة من عذبهم؛ لأنه سبحانه وتعالى له الملك كله، والحمد كله، فسبحانه وتعالى ما أعظمه، وما أجل سلطانه» 68.

وخلاصة القول إن الخوف صفة نقص تتصف بها المخلوقات الحية من أجل تحقيق افتقارها وفرارها وحاجتها الدائمة إلى مولاها .. أما الخالق جل وعلا فإنه متنزه عن الخوف، فهو صاحب الإرادة التامة والمشيئة النافذة والقدرة الكاملة والهيمنة التامة والقوة القاهرة، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه .. فهل يستطيع أحد من البشر الضعاف المهازيل أن يحول بينه سبحانه وبين تصرفه المطلق في شئون كونه بالحساب والمجازاة؟! «سبحانه وتعالى ومن ذا يخاف؟ وماذا يخاف؟ وأنى يخاف؟ إنما يراد من هذا التعبير لازمه المفهوم منه. فالذي لا يخاف عاقبة ما يفعل، يبلغ غاية البطش حين يبطش. وكذلك بطش الله كان: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) } [البروج:12] ، فهو إيقاع يراد إيحاؤه وظله في النفوس» 69.

ألا فلترتدع وترعوي نفوس الطغاة التي استمرأت العدوان والظلم والطغيان، ولتستفق من نشوة سكرتها واغترارها بإمهال الله عز وجل لها واستدراجها!

ولتتأمل في حال المكذبين على مر العصور الماضية كانوا أشد منهم قوة، فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر وجعلهم أثرًا بعد عين، كما قال تعالى: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98) } [مريم:98] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت