فهرس الكتاب

الصفحة 751 من 2431

الآية الثانية: قول الله عز وجل: {وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 12 - 13] .

ففي هاتين الآيتين: يذكر الله عز وجل عباده ببعض نعمه عليهم؛ من تسخير الفلك التي تحملهم في البحار بما ينفعهم، وتسخير الدواب والأنعام ليأكلوا منها ويركبوا على ظهورها، وأمرهم سبحانه بأن يذكروا هذه النعم العظيمة عليهم، ويسبحوا ربهم عز وجل؛ شكرًا على هذه النعم، وذلك حين التلبس بمنافعها والاستواء على ظهورها 95.

فقوله عز وجل: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} توطئة وتمهيد إلى ذكر نعمة الله عز وجل في قوله: {ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} أي حينئذ؛ فإن ذكر النعمة في حال التلبس بمنافعها أوقع في النفس وأدعى للشكر عليها، وأجدر بعدم الذهول عنها، أي جعل لكم ذلك نعمة منه سبحانه لتشعروا بها فتشكروه عليها، فالذكر هنا: هو التذكر بالفكر، لا الذكر باللسان فقط.

وقوله سبحانه: {وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} ، ليكون إعلانًا للشكر باللسان بعد الشكر في النفس والقلب، فلقننا الله عز وجل صيغة شكره سبحانه، كما لقننا صيغة الحمد في سورة الفاتحة 96.

قال ابن عاشور: «وافتتح هذا الشكر اللساني بالتسبيح لأنه جامع للثناء؛ إذ التسبيح تنزيه الله عما لا يليق، فهو يدل على التنزيه عن النقائص بالصريح، ويدل ضمنًا على إثبات الكمالات لله عز وجل» 97.

ويفهم من هذه الآية أن التسبيح من أعظم ألفاظ الشكر لله عز وجل؛ فإذا ما تلبس عبد بنعمة من نعم الله عز وجل فشعر بها في قلبه، فلينطلق لسانه بتسبيح ربه تنزيهًا له وتعظيمًا، شكرًا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.

ولعظم تسبيح الله عز وجل فإنه سيكون دعاء أهل الجنة وهم منعمون فيها، فتسبيح المؤمنين لربهم عز وجل لا ينتهي بانتهاء الدنيا؛ بل يبقى معهم في دار الخلد والنعيم.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 9 - 10] .

قال السعدي: «عبادتهم فيها لله، أولها تسبيح لله وتنزيه له عن النقائص، وآخرها تحميد لله، فالتكاليف سقطت عنهم في دار الجزاء، وإنما بقي لهم أكمل اللذات، الذي هو ألذ عليهم من المآكل اللذيذة، ألا وهو ذكر الله الذي تطمئن به القلوب، وتفرح به الأرواح، وهو لهم بمنزلة النفس، من دون كلفة ومشقة» 98.

رابعًا: تسبيح المخلوقات كلها لله عز وجل:

لقد أسند الله عز وجل في كتابه العزيز التسبيح إلى أصناف مخلوقاته جميعًا؛ من الحيوانات، والنباتات، والجمادات، العاقلة منها وغير العاقلة، والناطقة وغير الناطقة، وكل شيء مما خلق الله عز وجل في السماوات أو في الأرض أو فيما بينهما من المخلوقات التي لا يحيط بعلمها، ولا يعلم عددها إلا الله عز وجل الذي خلقها، والذي أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا.

ففي كتاب الله عز وجل نحو إحدى عشرة آية من عشر سورٍ 99 أسند فيها التسبيح إلى مخلوقات الله عز وجل؛ من هذه الآيات ما أسند فيها التسبيح إلى المخلوقات مجملة، ومنها ما أسند فيها التسبيح إلى مخلوقات معينة.

أولًا: الآيات التي أسند فيها التسبيح لجميع المخلوقات:

الآيات التي أسند فيها التسبيح إلى جميع المخلوقات هي ثماني آيات:

أولها: قول الله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء: 44] .

ففي هذه الآية يخبر سبحانه بأن السماوات والأرض وجميع مخلوقاته تنزهه سبحانه، وتمجده، وتسبحه بلسان الحال والمقال؛ فما من شيء من خلق الله عز وجل إلا ويسبح بحمده؛ ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إلا ما كان تسبيحه بمثل ألسنتكم 100.

يقول محمد طنطاوي في تفسير هذه الآية: «بين الله سبحانه أن جميع الكائنات تسبح بحمده، فقال تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} أي تنزه الله تعالى وتمجده السموات السبع، والأرض، ومن فيهن من الإنس والجن والملائكة وغير ذلك، وما من شيء من مخلوقاته التي لا تحصى إلا ويسبح بحمد خالقه سبحانه؛ ولكن أنتم يا بني آدم لا تفقهون تسبيحهم؛ لأن تسبيحهم بخلاف لغتكم، وفوق مستوى فهمكم، وإنما الذي يعلم تسبيحهم هو خالقهم عز وجل.

والمتدبر في هذه الآية الكريمة يراها تبعث في النفوس الخشية والرهبة من الخالق عز وجل؛ لأنها تصرح تصريحًا بليغًا بأن كل جماد وكل حيوان وكل طير وكل حشرة .. بل كل كائن في هذا الوجود يسبح بحمد الله عز وجل، وهذا التصريح يحمل كل إنسان عاقل على طاعة الله، وإخلاص العبادة له، ومداومة ذكره؛ حتى لا يكون -وهو الذي كرمه ربه وفضله- أقل من غيره طاعة لله تعالى» 101.

أما الآية الثانية التي أخبر فيها ربنا عز وجل عن تسبيح جميع المخلوقات له سبحانه فهي قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41] .

قال ابن كثير: «يخبر تعالى أن جميع ما في السماوات وما في الأرض من شيء يسبح له، ويمجده، ويقدسه، ويصلي له، ويوحده سبحانه» 102.

ومعنى قول الله عز وجل: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} يحتمل توجيهين: الأول: أن يكون الضمير في قوله: {قَدْ عَلِمَ} عائد على الله عز وجل، فيكون معنى الكلام: كل مصل ومسبح منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه، والتوجيه الآخر: أن يكون الضمير عائدًا على قوله: {كُلٌّ} فيكون المعنى: قد علم كل مصل ومسبح منهم صلاة نفسه وتسبيحه، الذي كلفه الله به وألزمه إياه 103.

أما الآيات الأخرى التي يخبر فيها ربنا عز وجل عن تسبيح جميع المخلوقات له سبحانه، فهي فواتح كل من السور التالية: الحديد، والحشر، والصف، والجمعة، والتغابن، ففي سورة الحديد والحشر والصف جاء الإخبار بصيغة الفعل الماضي.

قال تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحديد: 1] .

وقال سبحانه: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 1] .

وقال عز وجل: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الصف: 1] .

أما في سورتي الجمعة والتغابن فقد جاء الإخبار بصيغة الفعل المضارع.

قال تعالى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [الجمعة: 1] .

وقال عز وجل: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التغابن: 1] .

وقد وجه المفسرون الحكمة من إخبار الله عز وجل عن تسبيح مخلوقاته بالفعل الماضي تارة، وبالفعل المضارع تارة أخرى؛ بأن الفعل الماضي فيه دلالة على أن تنزيه المخلوقات وتسبيحهم لله عز وجل أمرٌ مقرر، أمر الله عز وجل به خلقه وعباده من قبل، وأمر به الناس، فالمخلوقات مسبحة لله عز وجل أبدًا في الماضي، وستظل مسبحة له سبحانه في المستقبل 104.

أما الفعل المضارع فيدل -كما هو معلوم عند أهل اللغة- على الدوام والاستمرار والتجدد، وفي ذلك بيان بأن أهل السماوات والأرض والمخلوقات كلها يجددون تسبيحهم لله عز وجل، وهم مستمرون فيه، لا يفترون عنه أبدًا 105.

قال الشوكاني: «وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيًا، وفي بعضها مضارعًا، وفي بعضها أمرًا؛ للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت؛ بل هي مسبحة أبدًا في الماضي، وستكون مسبحة أبدًا في المستقبل» 106.

ويبقى آية أخيرة أخبر الله عز وجل فيها عن تسبيح جميع خلقه له سبحانه، وهي الآية التي ختمت بها سورة الحشر، وهي قول الله عز وجل: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 24] .

فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على ذكر بعض أسماء الله الحسنى وأوصافه العلى، فأخبر سبحانه بأنه: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} لجميع المخلوقات، المنشئ لها من العدم، {الْمُصَوِّرُ} أي مصور المخلوقات ومركبها على هيئات مختلفة، وهذه الأسماء متعلقة بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ذلك كله قد انفرد الله به، لم يشاركه فيه مشارك، {لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} أي: له سبحانه الأسماء الكثيرة العظيمة، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحدٌ إلا هو سبحانه، وكلها حسنى تدل على أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء منها بوجه من الوجوه، ومن حسنها: أن الله يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من عباده أن يدعوه ويسألوه بها، ومن كماله سبحانه وكمال أسمائه وصفاته أن جميع من في السماوات والأرض مفتقرون إليه على الدوام، يسبحون بحمده، ويسألونه حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه ما تقتضيه رحمته وحكمته، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي لا يريد شيئًا إلا ويكون، ولا يكون شيء إلا لحكمة عظيمة 107.

ثانيًا: الآيات التي أسند فيها التسبيح لمخلوقات معينة:

أخبر الله عز وجل عن تسبيح مخلوقات معينة له سبحانه، والآيات التي أخبر فيها ربنا عز وجل عن ذلك ثلاث آيات:

الآية الأولى: قول الله عز وجل: {وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} [الرعد: 13] .

وللمفسرين قولان في المقصود بالرعد في هذه الآية:

أحدهما: أنه اسم الملك الذي يزجر السحاب، وصوته: تسبيحه.

والثاني: أنه الصوت المعهود، المسموع عند حدوث البرق.

والآية تحتمل المعنيين، وإنما خص الرعد بالتسبيح؛ لأنه من أعظم الأصوات 108.

والآية الثانية: قوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 79] .

ففي هذه الآية الكريمة أخبر سبحانه عن تسبيح مخلوقات معينة له سبحانه، حيث أخبر عن تسبيح الجبال والطير لله عز وجل مع نبي الله داود عليه السلام؛ وذلك أن داود عليه السلام كان من أعبد الناس، وأكثرهم لله ذكرًا وتسبيحًا وتمجيدًا، وكان قد أعطاه الله عز وجل من حسن الصوت ورقته ورخامته ما لم يؤته أحدًا من الخلق، فكان إذا سبح وأثنى على الله، جاوبته الجبال الصم، والطيور البهم، وهذا فضل الله عليه وإحسانه، فلهذا قال: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} 109.

قال القرطبي: «قال وهب: كان داود عليه السلام يمر بالجبال مسبحًا والجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير. وقيل: كان داود عليه السلام إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت حتى يشتاق؛ ولهذا قال: {وَسَخَّرْنَا} أي جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح. وقال قتادة: {يُسَبِّحْنَ} يصلين معه إذا صلى، والتسبيح: الصلاة، وكلٌ محتمل، وذلك فعل الله تعالى بها» 110.

والآية الثالثة: يخبر فيها ربنا عز وجل أيضًا عن تسبيح الجبال والطير مع نبيه داود عليه السلام.

قال سبحانه: {اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ} [ص: 17 - 19] .

فهذه الآيات مثل آية الأنبياء؛ إلا أنه سبحانه ذكر هنا أن التسبيح كان {بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ} ، والعشي: من وقت العصر إلى الليل، والإشراق: شروق الشمس إلى الضحى، وهذا يدل على كثرة تسبيح نبي الله داود عليه السلام، وكثرة تسبيح الجبال والطير معه 111.

خامسًا: تسبيح من عبدوا من دون الله عز وجل:

لقد عبد بعض الضلال من الناس مخلوقات لله عز وجل، بهتانًا وزورًا وافتراءً على الله، فمنهم من عبد نبي الله عيسى عليه السلام، ومنهم من عبد الملائكة، ومنهم من عبد غير ذلك، وكل ذلك شرك وكفر يستحق من فعله الخلود في عذاب الله عز وجل.

ولقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز أن عيسى عليه السلام والملائكة الذين عبدوا من دون الله سيتبرؤون يوم القيامة مما فعله المبطلون، ومن شرك المشركين، وسيسبحون الله عز وجل وينزهونه عما افتراه المفترون، فعيسى عليه السلام ما دعا أحدًا إلى عبادته؛ وإنما دعا الناس لعبادة الله عز وجل.

قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة: 116 - 117] .

لقد بدأ عيسى عليه السلام كلامه مع رب العزة -سبحانه بالتسبيح -قبل أن يبرأ نفسه- تنزيهًا له سبحانه عما افتراه المفترون، وتعظيمًا له وإجلالًا، وثناءً عليه، وخضوعًا له وخوفًا منه، وهذا التسبيح من عيسى عز وجل متضمن لبراءته من أن يكون قال للناس شيئًا من ذلك؛ لأنه إذا كان قد نزه الله عز وجل عن ذلك فلاجرم أنه لم يأمر أحدًا به 112.

أما الملائكة الذين عبدهم الضلال من دون الله عز وجل، فقد أخبر الله عز وجل بأنهم سيتبرؤون يوم القيامة من عبادة أولئك المشركين لهم، وسيسبحون الله عز وجل تنزيهًا له عن شرك المشركين وافتراء الكافرين.

قال تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا} [الفرقان: 17 - 18] .

وفي هذا تقريع للكفار الذين عبدوا الملائكة من دون الله عز وجل.

وفي سورة سبأ آيات مماثلة لهذه الآيات، إذ يقول الله عز وجل: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ: 40 - 41] .

فالملائكة تقر لله عز وجل بأنه ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواه سبحانه، لا هم ولا غيرهم؛ وتسبح الملائكة ربها عز وجل يوم القيامة قائلين: ما دعونا هؤلاء الكفار إلى عبادتنا؛ فما يكون لنا ذلك؛ بل هم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم من غير أمرنا ولا رضانا، ونحن برآء منهم ومن عبادتهم؛ فما ينبغي لأحد أن يعبدنا؛ فإنا عبيد لك، فقراء إليك، وكذلك الخلق كلهم 113.

وبعد هذا الاستعراض لتسبيح الخلائق كلها لله عز وجل -من الملائكة، والنبيين، والمؤمنين، وسائر المخلوقات- نستشعر عظمة من سبح له الخلق كله؛ فما استكبر مخلوق عن تسبيح خالقه، وما استنكف عبد علم قدر ربه عن عبادة مولاه؛ فالكون كله خلق الله، والخلق كله قد سبح لله، سبحانه وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.

1.من خلال تتبع الآيات التي ورد فيها التسبيح في كتاب الله عز وجل، نجد أن التسبيح فيها ورد بعدة صيغ؛ وذلك كما يأتي:

أولًا: التسبيح بصيغة: (سبحان) مضافًا إليها هاء الضمير العائد إلى الله عز وجل (سبحانه) .

وهذه الصيغة هي أكثر صيغ التسبيح ورودًا في كتاب الله عز وجل؛ حيث إنها وردت في أربع عشرة آية 114.

وبتتبع هذه الآيات التي ورد فيها التسبيح بهذه الصيغة نجد أنها كلها جاءت في سياق تسبيح الله عز وجل لنفسه العلية؛ فمن هذه الآيات -على سبيل المثال قوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة: 116] .

وقوله عز وجل: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] .

وقوله تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [يونس: 68] .

وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر: 67]

والملاحظ أيضًا أن كل هذه الآيات قد وردت: إما في سياق تنزيه الله عز وجل نفسه عما افتراه المفترون من اتخاذ الولد، أو في سياق تنزيهه سبحانه لنفسه عما نسبه المشركون إليه سبحانه من اتخاذ الشريك، وإما في سياق تعظيم الله عز وجل لنفسه، وبيان بعض مظاهر آيات قدرته وملكه، وامتنانه سبحانه على عباده بما يوجب الشكر والثناء له سبحانه، بتنزيهه وتسبيحه وتمجيده.

ثانيًا: التسبيح بصيغة (سبحان) مضافًا إليها كاف المخاطب (سبحانك) .

التسبيح بصيغة (سبحانك) ورد في كتاب الله عز وجل في تسع آيات 115.

وبتتبع هذه الآيات نجد أن التسبيح بهذه الصيغة قد ورد على لسان الملائكة المكرمون في ثلاث آيات منها، وورد على لسان ثلاثة أنبياء من أنبياء الله عز وجل -وهم يونس عليه السلام وموسى عليه السلام وعيسى عليه السلام - في ثلاث آيات أخرى، والآيات الثلاث المتبقية ورد فيها التسبيح بهذه الصيغة على لسان المؤمنين.

ثالثًا: التسبيح بصيغة (سبحان الله) .

وهذه الصيغة هي أشهر صيغ التسبيح، وتكثر هذه الصيغة أيضًا في سياق الآيات التي يسبح الله عز وجل فيها نفسه العلية عن شرك المشركين وافتراء المفترين؛ من نسبة الولد أو الشريك لله عز وجل، كقوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .

وقوله: {وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: 158 - 159] .

وقوله أيضًا: {أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: 43] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت