فهرس الكتاب

الصفحة 552 من 2431

وقال جلّ وعلا: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26) } [الفرقان:25 - 26] .

وقال سبحانه: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) } [المدثر:8 - 10] .

وقال جلّ جلاله: {مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) } [القمر:8] .

بينت الآيات أن الحساب يوم القيامة عسير على الكافرين لا يسر فيه ولا فيما بعده، على خلاف ما جرت به العادة من أن كل عسر بعده يسر، وعسره عليهم أنهم يناقشون الحساب، ويعطون كتبهم بشمائلهم وتسوّد وجوههم، وتتكلم جوارحهم، فيفتضحون على رؤوس الأشهاد، ويقطع رجاؤهم في جميع الوجوه، ووصف الله تعالى الحساب العسير بقوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) } [الانشقاق:10] ، يعني: الكافر، يخرج يده اليسرى من وراء ظهره، يعطى كتابه بها.

{فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) } [الانشقاق:11] ، يعني: بالويل والثبور على نفسه.

{وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) } [الانشقاق:12] ، يعني: يدخل في الآخرة نارًا وقودًا.

قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة (ويصلى سعيرًا) ، بنصب الياء، وجزم الصاد مع التخفيف، والباقون ويصلى بضم الياء ونصب الصاد مع التشديد، فمن قرأ (يصلى) ، بالتخفيف، فمعناه: أنه يقاسي حر السعير وعذابه، يقال: صليت النار، إذا قاسيت عذابها وحرها، ومن قرأ بالتشديد، فمعناه أنه يكثر عذابه في النار، حتى يقاسي حرها 37.

وقال الزمخشري: «إن {غَيْرُ يَسِيرٍ} [المدثر:10] ، كان يكفي عنها {يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر:9] ، إلا أنه ليبين لهم أن عسره لا يرجى تيسيره، كعسر الدنيا، وأن فيه زيادة وعيد للكافرين، ونوع بشارة للمؤمنين لسهولته عليهم، ولعل المعنيين مستقلان، وأن قوله تعالى: {يَوْمٌ عَسِيرٌ} [المدثر:9] .

هذا كلام مستقل وصف لهذا اليوم، وبيان للجميع شدة هوله» 38.

وجاء وصف الحساب العسير في آيات أخر كما في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) } [الحج:1 - 2] .

أمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه جل وعلا بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، وأن الناس يرون فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب الخمر، ولكن عذابه شديد، وقوله سبحانه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) } [عبس:34 - 35] .

ووصف الله تعالى عسر هذا اليوم فقال سبحانه: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) } [الإنسان:27] .

وقال تعالى منبهًا عن حال وأهوال هذا اليوم: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) } [المزمل:17] .

فلا تجد صفات أعظم من هذه الصفات في ذلك اليوم؛ حيث يتحول الطفل إلى شيخ كبير السن شعره أبيض من شدة المخاوف، وتذهل فيه المرضعة عمَّا أرضعت؛ لأنه يوم يرجف فيه القلب رجفًا شديدًا، ومن شدة الارتجاف يصعد هذا القلب حتى يسد الحنجرة، يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، تتقلب فيه القلوب؛ لأن القلوب ترى أشياء لم تكن تراها في الدنيا، وتتيقن منها، والأبصار تشاهد أشياء لم تكن تشاهدها في الدنيا، إنما كانت توصف لها وصفًا، وهذه قلوب الملاحدة وأهل الشك، وكذلك الأبصار تشاهد أشياء ما كانت تراها في الدنيا، بل كانت تسمع عنها، فانقلب القلب إلى إدراك أشياء ما كان يدركها من قبل، وانقلب البصر إلى رؤية أشياء لم يكن يراها من قبل 39.

يظهر ما يحاسب عليه العبد وما لا يحاسب عليه من خلال ما يأتي:

أولًا: ما يحاسب عليه العبد:

ذكر القرآن الكريم أن مما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الكفر.

قال تعالى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) } [المؤمنون:117] .

وقال سبحانه: {إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [الغاشية:23 - 26] .

بينت الآيات أن الله تعالى يحاسب العباد يوم القيامة على أعمالهم، وأنهم يحاسبون بكل صغيرة وكبيرة، وقليل وكثير.

قال تعالى: {لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} [الكهف:49] .

وقال سبحانه: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [الغاشية:26] ، يعني: أي: نحن نحاسبهم على أعمالهم ونجازيهم بها، إن خيرا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ.

وقال جلّ جلاله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) } [الأنعام:160] .

وقال جلّ وعلا: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) } [الأنبياء:47] .

ولما كان أعظم ما دعا الله إليه توحيده وكان أصل ضلال المشركين إشراكهم أعقب وصف الله بالعلو العظيم والقدرة الواسعة ببيان أن الحساب الواقع بعد البعث ينال الذين دعوا مع الله آلهة دعوى لا عذر لهم فيها؛ لأنها عرية عن البرهان، أي: الدليل، لأنهم لم يثبتوا لله الملك الكامل إذ أشركوا معه آلهة، ولم يثبتوا ما يقتضي له عظيم التصرف إذ أشركوا معه تصرف آلهة، فقوله تعالى: {لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} ، حال من يدع مع الله إلهًا آخر، وهي حال لازمة؛ لأن دعوى الإله مع الله لا تكون إلا عرية عن البرهان، ونظير هذا الحال قوله تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50] .

والقصر في قوله تعالى: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ} ، قصر حقيقي، وفيه إثبات الحساب وأنه لله وحده مبالغة في تخطئتهم وتهديدهم، ويجوز أن يكون القصر إضافيًّا تطمينًا للنبي صلى الله عليه وسلم بأن الله لا يؤاخذه باستمرارهم على الكفر، كقوله تعالى: {إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى:48] .

وقوله سبحانه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) } [الشعراء:3] .

{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} [المؤمنون:117] ، وهو نفي الفلاح عن الكافرين ضد المؤمنين 40.

قال سيد عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [الغاشية:25 - 26] .

«بهذا يتحدد دور الرسول في هذه الدعوة، ودور كل داعية إليها بعده، إنما أنت مذكر وحسابهم بعد ذلك على الله، ولا مفر لهم من العودة إليه، ولا محيد لهم من حسابه وجزائه، غير أنه ينبغي أن يفهم أن من التذكير إزالة العقبات من وجه الدعوة لتبلغ إلى الناس وليتم التذكير، فهذه وظيفة الجهاد كما تفهم من القرآن ومن سيرة الرسول سواء، بلا تقصير فيها ولا اعتداء» 41.

ثانيًا: ما لا يحاسب عليه العبد:

ذكر القرآن الكريم أن العبد إنما يحاسب على عمله وأنه لا يحاسب على عمل غيره.

قال تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) } [الأنعام:52] .

وقال سبحانه: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) } [الأنعام:69] .

{وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) } [المؤمنون:117] .

بينت الآيات أن حساب العباد عند الله تعالى، وأنه يحاسبهم بأعمالهم، وأنه لا حساب بأحسابهم وأموالهم، ولا يحاسب العبد على غناه وفقره، ولا يحاسب على عمل غيره، وليس لأحد محاسبتهم، وأخبر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أنه ليس عليه شيء ما من أمر حساب هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، لا على دعائهم ولا على غيره من أعمالهم الدينية، كما أنه ليس عليهم شيء ما من أمر حسابك على أعمالك حتى يمكن أن يترتب على هذا أو ذاك طردك إياهم بإساءتهم في عملهم أو محاسبتك على عملك، فإن الطرد جزاء، وإنما يكون على عمل سيئ يستوجبه، ولا يثبت إلا بحساب، والمؤمنون ليسوا عبيدًا للرسل ولا أعمالهم الدينية لهم، بل هي لله تعالى يريدون بها وجهه لا أوجه الرسل، وحسابهم عليه تعالى لا عليهم، وإنما الرسل هداة معلمون، لا أرباب ولا مسيطرون، {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) } [الغاشية:21 - 22] .

وإذا لم يكن للرسل حق السيطرة على الناس ومحاسبتهم على أعمالهم الدينية فليس للناس عليهم هذا الحق بالأولى، وذكروا في قوله تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} ، قولين:

أحدهما: أن الكفار طعنوا في إيمان أولئك الفقراء، وقالوا: يا محمد إنهم إنما اجتمعوا عندك وقبلوا دينك؛ لأنهم يجدون بهذا السبب مأكولًا وملبوسًا عندك، وإلا فهم فارغون عن دينك، فقال الله تعالى: إن كان الأمر كما يقولون، فما يلزمك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان لهم باطن غير مرضي عند الله، فحسابهم عليه لازم لهم، لا يتعدى إليك، كما أن حسابك عليك لا يتعدى إليهم، كقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] .

القول الثاني: ما عليك من حساب رزقهم من شيء فتملهم وتطردهم، ولا حساب رزقك عليهم، وإنما الرازق لهم ولك هو الله تعالى، فدعهم يكونوا عندك ولا تطردهم، وقوله سبحانه: {فَتَطْرُدَهُمْ} ، جواب النفي ومعناه، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم، بمعنى أنه لم يكن عليك حسابهم حتى أنك لأجل ذلك الحساب تطردهم، وقوله جلّ في علاه: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، أي: لا تطرد هؤلاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي فتكون بطردك إياهم في زمرة الظالمين معدودًا من جنسهم؛ لأن الطرد لا يكون حقًّا إلا على الإساءة في الأعمال التي يعملونها لمن له حق حسابهم وجزائهم عليها، ولست أنت بصاحب هذا الحق حتى تجري فيه على صراط العدل، فإن عملهم هو عبادة الله وحده، فحسابهم وجزاؤهم عليه، كما قال نوح عليه السلام: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) } [الشعراء:113] .

وقوله تعالى: {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، فيه قولان:

الأول: فتكون من الظالمين لنفسك بهذا الطرد.

الثاني: أن تكون من الظالمين لهم لأنهم لما استوجبوا مزيد التقريب والترحيب كان طردهم ظلمًا لهم، والله أعلم 42.

قال الزمخشري: «فإن قلت: أما كفى قوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:52] حتى ضم إليه: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} ؟

قلت: قد جعلت الجملتان بمنزلة جملة واحدة، وقصد بهما مؤدى واحد وهو المعنيّ في قوله: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164] .

ولا يستقل بهذا المعنى إلا الجملتان جميعًا، كأنه قيل: لا تؤاخذ أنت ولا هم بحساب صاحبه، وقيل: الضمير للمشركين، والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت بحسابهم، حتى يهمك إيمانهم ويحرّكك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، {فَتَطْرُدَهُمْ} ، جواب النفي {فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} ، جواب النهي، ويجوز أن يكون عطفًا على {فَتَطْرُدَهُمْ} ، على وجه التسبيب؛ لأن كونه ظالمًا مسبب عن طردهم» 43.

وذكر طنطاوي تخريجًا آخر لقوله تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ} ، «بأن المعنى: ما عليك شيء من حساب رزقهم إن كانوا فقراء، وما من حسابك في الفقر والغنى عليهم من شيء، أي: أنت مبشر ومنذر ومبلغ للناس جميعًا، سواء منهم الفقير والغنيّ، فكيف تطرد فقيرًا لفقره، وتقرب غنيًّا لغناه؟ إنك إن فعلت ذلك كنت من الظالمين، ومعاذ الله أن يكون ذلك منك» 44.

وفي قوله تعالى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) } [الأنعام:52] .

أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بإنذار غير المتقين ليتقوا ثم أمر بعد ذلك بتقريب المتقين ونهى عن طردهم، ثم أثنى عليهم بأنهم يواصلون دعاء ربهم، أي: عبادته ويواظبون عليها، والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام، أو معناه: يصلون صلاة الصبح والعصر أو الصلوات الخمس بالغدوة والعشي، ووسمهم بالإخلاص في عبادتهم بقوله تعالى: {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ، فالوجه يعبر به عن ذات الشيء، وحقيقته نزلت في الفقراء بلال وصهيب وعمار وأضرابهم حين قال رؤساء المشركين لو طردت هؤلاء السقاط لجالسناك.

وعن سعد رضي الله عنه، قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، قال وكنت أنا وابن مسعود، ورجل من هذيل، وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله عز وجل: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52] ) 45 46.

قال سيد قطب عند تفسير قوله تعالى: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:52] : «فإن حسابهم على أنفسهم، وحسابك على نفسك، وكونهم فقراء مقدر عليهم في الرزق هذا حسابهم عند الله، لا شأن لك به، كذلك غناك وفقرك هو حسابك عند الله لا شأن لهم به، ولا دخل لهذه القيم في قضية الإيمان والمنزلة فيه، فإن أنت طردتهم من مجلسك بحساب الفقر والغنى كنت لا تزن بميزان الله، ولا تقوّم بقيمه. فكنت من الظالمين، وحاشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون من الظالمين! وبقي فقراء الجيوب أغنياء القلوب في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي ضعاف الجاه الأقوياء بالله في مكانهم الذي يؤهلهم له إيمانهم والذي يستحقونه بدعائهم لله لا يبتغون إلا وجهه، واستقرت موازين الإسلام وقيمه على المنهج الذي قرره الله» 47.

وقوله تعالى: {وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) } [الأنعام:69] .

إشارة إلى أن ما يقع من المشركين في تلك المجالس الهازئة الهازلة من منكر، لا يمسّ المتقين بسوء، ولا يحمّلهم شيئًا من أوزار هؤلاء القوم، ولا يحاسبون على خوضهم فيها ولا على غيره من أعمالهم التي يحاسبهم الله تعالى عليها إذا هم تجنبوهم وأعرضوا عنهم كما أمروا، ولكن تجنّب هذه المجالس هو حماية للمؤمنين من أن تصيبهم عدوى هذه الأحاديث، وإن من الخير لهم، والسلامة لدينهم، أن يتّقوا هذه المجالس، ويحذروها، وهكذا في كل شر، من قول أو عمل، إنه واقع بأهله أولًا وقبل كل شيء، وما يصيب غيرهم منه، لا يخفف من آثاره السيئة الواقعة بهم، بل إنه ليضاعف من إثمهم، ويضيف إلى جرمهم جرمًا، وما يجب على المؤمنين في تلك الحال هو أن يعزلوا أنفسهم عن تلك المآثم، وأن يتقوا الخطر الذي قد يصيبهم من مداناتها، وقيل: إن ذلك يقتضي إباحة جلوس المؤمنين مع الكافرين، لأنهم شق عليهم النهي عن ذلك إذ كانوا لا بد لهم من مخالطتهم في طلب المعاش، وفي الطواف بالبيت وغير ذلك، ثم نسخت بآية النساء، وهي: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) } [النساء:140] .

وقيل: إنها لا تقتضي إباحة القعود، {وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} ، فيه وجهان:

أحدهما: أن المعنى: ليس على المؤمنين حساب الكفار، ولكن عليهم تذكير لهم، ووعظ، وإعراب ذكرى على هذا نصب على المصدر وتقديره يذكرونهم ذكرى، أو رفع على المبتدأ تقديره عليهم ذكرى، والضمير في لعلهم عائد على الكفار، أي: يذكرونهم رجاء أن يتقوا، أو عائد على المؤمنين، أي: يذكرونهم ليكون تذكيرهم ووعظهم تقوى الله.

الوجه الثاني: أن المعنى: ليس نهي المؤمنين عن القعود مع الكافرين بسبب أن عليهم من حسابهم شيئًا، وإنما هو ذكرى للمؤمنين.

وإعراب ذكرى على هذا خبر ابتداء مضمر تقديره: ولكن نهيهم ذكرى، أو مفعول من أجله تقديره: إنما نهوا ذكرى، والضمير في (لعلهم) على هذا للمؤمنين لا غير 48.

يظهر الإيمان بيوم الحساب، وأثره الطيب على الفرد والمجتمع من خلال ما يأتي:

أولًا: الإيمان بيوم الحساب:

الإيمان بيوم الحساب والجزاء ركن من أركان الإيمان، يحاسب العبد على عمله، ويجازى عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.

قال الله تعالى: {إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) } [الغاشية:25 - 26] .

وقال سبحانه: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) } [الأنعام:160] .

وقال جلّ وعلا: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) } [الأنبياء:47] .

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (إن الله يدني المؤمن منه يوم القيامة حتى يضع كنفه عليه، فيستره من الناس، فيقول: أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول: نعم يا رب، حتى إذا قرره بذنوبه وظن في نفسه أنه قد استوجب، قال: قد سترتها عليك من الناس، وإني أغفرها لك اليوم، ويعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فيقول الأشهاد: {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود:18] ) 49.

وقد أجمع المسلمون على إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة فإن الله تعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاءوا به، والعمل بما يجب العمل به منه، وأوجب قتال المعارضين له وأحل دماءهم، وذرياتهم، ونساءهم، وأموالهم، فلو لم يكن حساب، ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي ينزه الرب الحكيم عنه.

وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله 50: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) } [الأعراف:6 - 7] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت