وإذا كانت مهمة الوسوسة التشكيك والذبذبة والتردد فإن عمومات التكليف تلزم المسلم بالعزم واليقين والمضي دون تردد، والقاعدة الفقهية: «اليقين لا يرفع بشكٍ» ومن هنا كانت التكاليف كلها على اليقين، فالعقائد لا بد فيها من اليقين، والفروع في العبادات لا بد فيها من النية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والشرط في النية الجزم واليقين، فمن هذا كله كانت دوافع العزيمة مستقاة من التكاليف، مما يقضي على نوازع الشك والتردد، فلم يبق في قلب المؤمن مجالٌ لشكٍ، ولا محلٌ لوسوسة 158.
عاشرًا: أثر الصحبة:
من أهم أسباب قوة العزم صحبة أولي الهمم العالية، ومطالعة أخبارهم 159، ومن أسباب الفتور وضعف العزيمة، وسفول الهمة مصاحبة البطالين، والركون إلى المثبطين.
ولو كان أحدٌ آمنًا من تأثير البطالين لكان النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل يأمره: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .
قال ابن القيم: «فإذا أراد العبد أن يقتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر أم من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أم الوحي؟ فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطًا. ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به، وبه رشده وفلاحه ضائعٌ قد فرط فيه. وفسر بالإسراف، أي: قد أفرط بالإهلاك. وفسر بالخلاف للحق. وكلها أقوال متقاربة.
والمقصود: أن الله سبحانه وتعالى نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات. فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه، فإن وجده كذلك فليبعد منه، وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى عز وجل واتباع السنة، وأمره غير مفروط عليه، بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه» 160.
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} [آل عمران: 118] أي: لا تتخذوا أولياء وأصدقاء لأنفسكم من دون أهل دينكم وملتكم، يعني من غير المؤمنين، وإنما جعل البطانة مثلًا لخليل الرجل فشبهه بما ولي بطنه من ثيابه؛ لحلوله منه في اطلاعه على أسراره، وما يطويه عن أباعده وكثيرٍ من أقاربه محل ما ولي جسده من ثيابه، فنهى الله المؤمنين أن يتخذوا من الكفار أخلاء وأصفياء، فإنهم منطوون على الغش والخيانة، وبغيهم إياهم الغوائل، لا يتركون جهدهم في تخبيل المؤمنين وإفسادهم، يتمنون لهم العنت والشر والمضرة لا المسرة 161.
والحاصل أنهم لا يدعون للتثبيط عن الخير سبيلًا إلا طرقوه، ولا يبقون غاية في التلبيس على المؤمنين إلا قصدوها.
وقال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] .
وقال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29] .
فهذه الآيات وأشباهها دالة على أثر الصاحب على صاحبه، فإن كان ممن وفقوا لصاحب الخير فقد رشد، وإن كانت الأخرى فقد غوى وهلك. نسأل الله التوفيق والسلامة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) 162.
قال الغزالي: «وأما الحريص على الدنيا فصحبته سمٌ قاتل؛ لأن الطباع مجبولةٌ على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا؛ فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا، ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة» 163.
حادي عشر: تحصيل ملكة العزم بالمداومة عليه:
عن معاوية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الخير عادة، والشر لجاجة) 164.
ومن اعتاد صدق العزم في أموره كلها حصلت له ملكة العزيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير يعطه، ومن يتوق الشر يوقه) 165.
وكما أن الرجل لا يزال يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، فكذلك الرجل يعزم ويتحرى صدق العزم حتى يكتب عند الله من أهل العزم، ولعل وصف الله عز وجل بعض عباده بأولي العزم شاهدٌ بهذا الاختصاص، وهو يحصل بالدربة والتعود والتكرار، وإلا ما كان لأمر الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم معنى إذ قال له: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] .
فمن وطن نفسه على العزم حتى صار له ملكةً راسخةً حصل له من الكمال الممكن في هذا الباب بقدر تحريه ومصابرته فيعتاد عليه، ويسهل عليه عقده. وهي سمةٌ تميز أهل العزائم.
قال ابن القيم: «تأمل الحكمة في التشديد في أول التكليف ثم التيسير في أخره بعد توطين النفس على العزم والامتثال، فيحصل للعبد الأمران: الأجر على عزمه، وتوطين نفسه على الامتثال، والتيسير والسهولة بما خفف الله عنه» 166.
ويحصل له هذه الملكة الراسخة من العزم، فإذا استنفر بعد ذلك إلى خيرٍ نفر، وإن استنهض إلى مكرمةٍ نهض.
والخبير من أهل العزم أحرى من غيره بالاهتداء إلى معاقد العزم فيمضي في تحصيلها كالسهم، والوقوف على علل العزائم فيتجنبها.
قال ابن القيم: «قوله [الهروي] : فإن العزائم لم تورث أربابها ميراثًا أكرم من وقوفهم على علل العزائم. ومدار علل العزائم: على ثلاثة أشياء:
أحدها: فتورها وضعفها.
والثاني: عدم تجردها من الأغراض وشوائب الحظوظ.
والثالث: رؤية العزائم وشهودها، ونسبتها إلى أنفسهم.
فإذا عرف هذه الثلاثة عرف علل العزائم» 167.
للعزم آثار حميدة، منها ما يعود على الفرد، ومنها ما يعود على الأمة.
أولًا: آثار العزم على الفرد:
العزم من أهم مقومات تحصيل خيري الدنيا والآخرة، فهو مادة الطموح وعلو الهمة والرجولة والشهامة والمروءة وتحمل المسئولية، وهو أحد ثلاث خصالٍ ما اجتمعت في امرئٍ إلا كان له شأنٌ بين الرجال: العقل والعلم والعزم، فبالعقل يميز وجهته وبغيته، وبالعزم يُغذُّ السير إليها، وبالعلم يستقيم له سيره. وغياب العزم فتورٌ وتوانٍ، وانحطاط الهمم مؤذنٌ بانحطاط الأمم، وضعف العزائم مؤذنٌ بذهاب المكارم.
وقد بينا أن العزم أوكد النية، والنية - كما يقول ابن القيم - هي روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا، وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) 168. فبين في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية؛ ولهذا لا يكون عملٌ إلا بنية، ثم بين في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه وهذا يعم العبادات والمعاملات والأيمان والنذور وسائر العقود والأفعال 169.
فلما كان تحقق العمل فرعًا عن العزم وجمع الهمة، كان كل الطاعات والقربات والمكرمات مفتقرةً إلى جمع الهمة؛ ولذا قال أبو محمد المرتعش: «ما نفعني من العبادات شيءٌ ما نفعني جمع الهمة» 170.
فإذا صحت العبادة كثرت الحسنات، ونال العبد بعزمه ما قد لا يبلغه بعمله لعذرٍ لا يد له فيه، إذا كان صادق العزم. والأدلة على هذا الأصل أكثر من أن تحصى. قال ابن القيم: «وأما أعمال البر والطاعات فلا ضيق على العباد فيها، فلو اشترك الألوف المؤلفة في الطاعة الواحدة لم يكن عليهم فيها ضيق ولا تزاحم ووسعتهم كلهم، وإن قدر التزاحم في عمل واحد أو مكان لا يمكن أن يفعله الجميع بحيث إذا فعله واحد فات على غيره، فإن في العزم والنية الجازمة على فعله من الثواب ما لفاعله، كما ثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم في غير حديث، فإذا قدر فوت مباشرته له فلا يفوت عليه عزمه ونيته لفعله» 171.
والعزم يورث التأهب لكل أمرٍ جليلٍ، فإذا عزم الأمر ألفيت العازم مبادرًا متفانيًا غير متوانٍ، فكان حقيقًا بنجاح المسعى، وجديرًا بنيل طلبته. وفي المبادرة حفظٌ للأوقات، وقطعٌ لآفات التأخر والتباطؤ.
ويدل على أثر العزم وتأثير فقده قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] .
أي: لم نجد له صبرًا عن الأكل من الشجرة 172.
قال ابن جرير: «وأصل العزم اعتقاد القلب على الشيء، يقال منه: عزم فلان على كذا: إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقاد القلب: حفظ الشيء، ومنه الصبر على الشيء؛ لأنه لا يجزع جازع إلا من خور قلبه وضعفه. فإذا كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تبارك وتعالى، وهو قوله: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} فيكون تأويله: ولم نجد له عزم قلبٍ على الوفاء لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه» 173.
قال ابن زيد: «ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوه الذي حسده، وأبى أن يسجد له مع من سجد له، وعصى الله الذي كرمه وشرفه» 174.
فما كان من أمر آدم عليه السلام مع إبليس، وخروجه من الجنة إنما كان بسبب ضعف عزمه، ولم يقتصر تأثير ذلك على آدم وزوجه فحسب، بل تعدى أثره إلى ذريته؛ ولذا قال له موسى عليه السلام: (يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) 175.
ومن آثار العزم استجابة الدعاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة، ولا يقولن: اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له) 176.
ومن آثار العزم حسن الخاتمة ذلك أن الثبات على الأمر والعزيمة على الرشد يورثان المواظبة على الطاعة، ومن واظب على الطاعة مخلصًا كل أوقاته فحريٌ أن توافيه منيته وهو مقيمٌ على الطاعة.
قال ابن كثير: «وقوله: {وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102] أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم؛ لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك» 177.
ومن آثار العزم أن يفتح للمرء باب الفهم في دين الله، فالمواظبة على شحذ القلب بالعزم الصادق يشحذ ملكة الفهم وآلته. والفهم من بركات الطاعة كما قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ} [البقرة: 282] .
ولذا قال أبو حازم: «عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أمه الفتوح» 178.
ومن آثار العزم على ترك الذنوب وعدم العودة إليها أن تقبل التوبة فيختم له بالصالحات، وتبدل السيئات حسناتٍ، وتفتح له الجنات، وترفع له الدرجات. وكفى بذلك لصاحب العزم منزلةً ومثوبةً.
ثانيًا: آثارالعزم على الأمة:
إن سقوط الهمم وخساستها حليف الهوان وقرين الذل والصغار، وهو أصل الأمراض التي تفشت في أمتنا فأورثتها قحطًا في الرجال، وجفافًا في القرائح، وتقليدًا أعمى، وتواكلًا، وكسلًا، واستسلامًا لما يسمى بالأمر الواقع 179.
ولا ريب أن طريق هذه الأمة في الأرض يبدأ بصناعة الجيل الذي وصفه ربنا عز وجل: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ} [المائدة: 54] .
قومٌ صلاب في دينهم، إذا شرعوا في أمر من أمور الدين من إنكار منكر أو أمر بمعروف، مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائلٍ، ولا اعتراض معترض، ولا لومة لائمٍ، ممن يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. وهذان الوصفان: الجهاد والصلابة في الدين هما نتيجة الأوصاف السابقة؛ لأن من أحب الله لا يخشى إلا إياه، ومن كان عزيزًا على الكافر جاهد في إخماده واستئصاله 180.
قال السعدي: «فهم للمؤمنين أذلةٌ من محبتهم لهم، ونصحهم لهم، ولينهم ورفقهم ورأفتهم، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله المعاندين لآياته المكذبين لرسله، أعزةٌ قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن. فتجتمع الغلظة عليهم، واللين في دعوتهم، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم. يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، بأقوالهم وأفعالهم، ولا يخافون لومة لائم بل يقدمون رضا ربهم والخوف من لومه على لوم المخلوقين، وهذا يدل على قوة هممهم وعزائمهم، فإن ضعيف القلب ضعيف الهمة، تنتقض عزيمته عند لوم اللائمين، وتفتر قوته عند عذل العاذلين، وفي قلوبهم تعبد لغير الله، بحسب ما فيها من مراعاة الخلق وتقديم رضاهم ولومهم على أمر الله، فلا يسلم القلب من التعبد لغير الله، حتى لا يخاف في الله لومة لائم» 181.
وقال ابن عاشور: «وهذا الوصف علامة على صدق إيمانهم حتى خالط قلوبهم بحيث لا يصرفهم عنه شيء من الإغراء واللوم؛ لأن الانصياع للملام آية ضعف اليقين والعزيمة. ولم يزل الإعراض عن ملام اللائمين علامة على الثقة بالنفس وأصالة الرأي» 182.
وليس ذلك بسبيل الإمعة ضعيف العزيمة المتردي في أسر الشهوات والعادات، المتهاوي في حبائل عدوه، وقد يكون من الموقنين بأنه عدوه، وأنه أحرص الناس على مضرته، ولكن وهنه، وانحطاط عزيمته، وهوانه على نفسه وعلى الناس يثبطه عن قطع الحبل الذي يربطه بالمذلة، ويجلب عليه بالمعرة.
ومن آثار العزم على الأمة الاستقرار الأسري، فإن عزم الرجل أمر النكاح والطلاق يحسم مادة الجور، فيقوم المرء لله بالقسط، إن أحب أمسك بالمعروف، وإن كره سرح بإحسانٍ، وهذا وحده كفيلٌ بحسم مئات الآلاف من قضايا الأحوال الشخصية، التي تهدر فيها الأموال، وتضيع فيها الأوقات، فضلًا عن إراقة ماء الوجه، وقطيعة الأرحام، وفسخ أواصر العلاقات الاجتماعية مع ما فيه من فساد ذات البين.
ومن آثار العزم على الأمة صناعة الفرسان في كل ميادين الحياة، بين عالمٍ ومخترعٍ وطبيب ومهندسٍ وزارعٍ وصانعٍ إلخ، وإقامة القدوات للنشء، وصناعة المواهب، وتوريث الإبداع، فضلًا عن استجلاب الرخاء العميم، والخير المقيم ببركة الطاعات.
إن المتدبر في قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 71] .
ليرى أن مكونات تلك الصورة الكلية الرائعة لا تتحقق إلا بالعزم الماضي، والهمة الأكيدة، فموالاة المؤمنين ليست كلمةً تقال، وإنما جهادٌ ومناصرةٌ ومؤازرةٌ بالنفس والنفيس، تتجاوز الكلمات الشفوية، وبيانات الشجب والاستنكار.
وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وطاعة الله ورسوله، كل ذلك من عزم الأمور.
والتعبير بالأفعال المضارعة إشارةٌ إلى أن ذلك دينهم وعادتهم وديدنهم، ولا شك أنه مما يحتاج إلى مثابرة ومرابطةٍ، ومكابدة للمشاق والعقبات، ومجاهدة للنفس المحبة للدعة والراحة.
والصورة المقابلة لتلك الصورة هي للمنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ} [التوبة: 67] .
ولما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعضٍ ذكر بعده ما يجري كالتفسير والشرح له، وهي الخمسة التي يميز بها المؤمن على المنافق.
فالمنافق يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف ولا يقوم إلى الصلاة إلا وهو كسلان، ويبخل بالزكاة، ويتخلف بنفسه عن الجهاد، وإذا أمره الله تثبط وثبط غيره. والمؤمن بضد ذلك كله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والجهاد 183.
فهذه صورة المجتمع المؤمن إذا حضره الإيمان وانحسر عنه النفاق، وتصدره أولو العزم، وتبدد عنه التثبيط والمثبطون. والله المستعان.
موضوعات ذات صلة:
التوكل، الثبات، الشورى، الصبر، الضعف، الوهن
1 انظر: العين، الفراهيدي 1/ 363 - 364، جمهرة اللغة، ابن دريد 2/ 817، تهذيب اللغة، الأزهري 2/ 152، الصحاح، الجوهري 5/ 1985، مقاييس اللغة، ابن فارس 4/ 308 - 309، لسان العرب، ابن منظور 6/ 236 - 237.
2 المفردات 2/ 434.
3 التعريفات ص 16.
4 الأمنية في إدراك النية ص 117 - 118.
5 مدارج السالكين 1/ 152.
6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 461، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب العين ص 764.
7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 340 - 341،، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 4/ 63 - 64.
8 انظر: العين، الفراهيدي 8/ 64، تهذيب اللغة، الأزهري 14/ 163، الصحاح، الجوهري 2/ 478، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 9/ 421، لسان العرب، ابن منظور 4/ 295 - 297.
9 التعريفات، الجرجاني ص 16.
10 انظر: الفروق اللغوية ص 124.
11 انظر: العين، الفراهيدي 3/ 357، تهذيب اللغة، الأزهري 5/ 381، الصحاح، الجوهري 5/ 2061، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 4/ 110 - 111، لسان العرب، ابن منظور 9/ 138 - 140.
12 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 257، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 344.
13 الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان 2/ 107.
14 انظر: العين، الفراهيدي 3/ 166، تهذيب اللغة، الأزهري 4/ 376، الصحاح، الجوهري 5/ 1898، مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 53، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده 3/ 232، لسان العرب، ابن منظور 2/ 428.
15 انظر: الفائق في غريب الحديث، الزمخشري 1/ 278، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير 1/ 379.
16 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 86، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص 139.
17 انظر: المحرر الوجيز 1/ 551، البحر المحيط 8/ 416.
18 روى أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في تغيير الأسماء، رقم 4950، عن أبي وهب الجشمي رضي الله عنه، وكانت له صحبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة» .
وحسنه لغيره الألباني في السلسلة الصحيحة رقم 904، ورقم 1040.
19 المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 180.
20 أنوار التنزيل 1/ 85.
21 انظر: النكت والعيون، الماوردي 2/ 260، التفسير البسيط، الواحدي 9/ 347، معالم التنزيل، البغوي 2/ 233.
22 انظر: جامع البيان، الطبري 15/ 473 - 474، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب 7/ 4502.
23 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 67.
24 تفسير عبد الرزاق 2/ 442.
25 انظر: جامع البيان، الطبري 17/ 321 - 322، تفسير ابن أبي حاتم 8/ 2608.
26 انظر: لباب التأويل، الخازن 3/ 399، البحر المحيط، أبو حيان 8/ 415 - 416.
27 الكشاف، الزمخشري 1/ 238.
28 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، رقم 1520.
قال ابن حجر في فتح الباري 3/ 382: «اختلف في ضبط لكن فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة قال القابسي وهو الذي تميل إليه نفسي، وفي رواية الحموي لكن بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها، بلفظ الاستدراك، والأول أكثر فائدة، لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد وسماه جهادا لما فيه من مجاهدة النفس» .
29 إحياء علوم الدين 1/ 267.