فهرس الكتاب

الصفحة 1080 من 2431

والمعنى: إن هؤلاء المشركين لم يخلصوا العبادة لله تعالى وحده؛ بل كانت شائبةً بعبادة غيره من الأصنام والملائكة وعيسى عليه الصلاة والسلام معتقدين أنهم لا يعبدونها لشيء من الأشياء إلا لتقرّبهم إلى الله تعالى تقريبًا 32.

ولما كان حال المشركين في ناحية العبادة متخذين الأنداد والشركاء من دون الله تعالى، يدعونهم ويستغيثون بهم، ويطلبون منهم حاجاتهم الدنيوية، استخدم معهم القرآن الكريم أسلوب تقرير المخاطبين بطريق الاستفهام عن الأمور التي يسلّمون بها حتى يعترفوا بما يشركون، وهو صورة من صور المناظرات التي استخدمها القرآن في الرد على الخصوم ليلزم به أهل العناد 33.

ومن الأمثلة على ذلك: الاستدلال بالخلق على وجود الخالق كما في قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: 35 - 43] .

وكذلك الاستدلال بالمبدأ على المعاد، كما في قوله تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] .

كما دلّ القرآن الكريم في مواطن عدة من سوره على إقرار المشركين بربوبية الله تعالى مع إشراكهم به في العبادة، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] .

وقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ} ، وقوله: {فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} [الصافات: 11] .

ويظهر من هذا أن جميع الخلق مفطورون على الإقرار والاعتراف بربوبية الله عزّ وجلّ، حتى المشركين أنفسهم، كما مرّ في الآيات السابقة وغيرها، ويصدّق هذا الكلام قوله تعالى على لسان أنبيائه ورسله حين قالوا لأقوامهم الذين بعثوا إليهم: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [إبراهيم: 10] .

حتى فرعون نفسه الذي قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24] .

كان مقرًّا ومعترفًا بربوبية الله تعالى في قرارة نفسه، لكنه تجاهل هذه الفطرة، وتظاهر بإنكار الله تعالى، ويدل على هذا قوله تعالى على لسان موسى عليه الصلاة والسلام حين قال له: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] .

وقوله تعالى عن فرعون وقومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل: 14] .

لكن مع هذا الإقرار العام من المشركين إلا أن توحيدهم كان ناقصًا، لا ينقلهم إلى دائرة الإيمان؛ بل حكم الله تعالى عليهم بأنهم كافرون مشركون، فقال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106] .

فقد ذكر القرطبي أن الآية نزلت في تلبية مشركي العرب، فكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك 34، وورد أنهم كانوا إذا قالوا هذه التلبية، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ويلكم قد قد) 35.

قال ابن كثير 36: «أي حسب حسب، وقال اللّه تعالى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .

وهذا هو الشّرك الأعظم أن يعبد المرء مع الله إلهًا آخر، كما في الصّحيحين عن ابن مسعودٍ قلت: يا رسول اللّه، أيّ الذّنب أعظم؟ قال: (أن تجعل للّه ندًّا وهو خلقك) 37».

فتوحيد الربوبية وحده لا يكفي إلا ويكون معه توحيد الألوهية؛ حتى ينجو صاحبه من عذاب الله تعالى، بل هو حجة على صاحبه؛ إذ كيف يؤمن بتوحيد الربوبية ويشرك بتوحيد الألوهية! فتوحيد الألوهية من لوازم توحيد الربوبية، وهذا ما نعاه الله تعالى على المشركين إذ قال: {أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] .

فينبغي على المرء أن يخلص العبادة لله تعالى وحده. قال ابن القيم: «فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته، وما كان به فهو متعلق بربوبيته، وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته، ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجى من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده، فإن عبّاد الأصنام كانوا مقرّين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه، ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته» 38.

ثالثًا: تنزيه الله تعالى عن التعب والنصب في الخلق:

إن القدرة والخلق صفات كمال، وقد يعتريها النقص بالنسبة للمخلوقين، فعندما يصنع الإنسان شيئًا ما، فإنه يعتريه التعب والإعياء، فيكون هذا نقصًا في الكمال. أما بالنسبة لله عزّ وجلّ، فإنه قد خلق هذا الكون العظيم، وما فيه من مخلوقات عظيمة بما فيها الإنسان الذي يعجز عن إحصائها وعدّها، وخلقه تعالى للكون كان في مدة وجيزة جدًّا، وهي ستة أيام، ومع ذلك لم يصب الله تعالى تعب ولا نصب ولا إعياء.

قال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38] .

فالآية دليل على عظمة الله سبحانه الذي يقول للشيء: كن فيكون، حيث إن المعنى: ما تعبنا بالخلق الأول حتى نعجز عن الإعادة في الخلق الثاني، كما قال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} [ق: 15] 39.

هذا وقد دلّل الله تعالى على قدرته على الإعادة بعد الموت بأنه خلق السماوات والأرض على عظمهما وسعتهما، وإتقان خلقهما وما فيهما دون أن يكترث بذلك، ولم يصب الله تعالى بخلقها إعياء ولا نصب، فكيف يعجز عن إعادة الناس بعد الموت وهو على كل شيء قدير؟! 40.

فقال عزّ وجلّ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الأحقاف: 33] .

قال الشوكاني: «الرّؤية هنا هي القلبيّة الّتي بمعنى العلم، والهمزة للإنكار، والواو للعطف على مقدّرٍ، أي: ألم يتفكّروا ولم يعلموا أنّ الّذي خلق هذه الأجرام العظام من السّماوات والأرض ابتداءًا ولم يعي بخلقهنّ أي: لم يعجز عن ذلك ولا ضعف عنه» 41.

وإن في الآية ردًّا على اليهود الذين زعموا أن الله سبحانه تعب من الخلق، فاستراح في اليوم السابع وهو يوم السبت.

رابعًا: يخلق ما يشاء:

تكرر قوله تعالى: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} في القرآن الكريم في ستة مواضع.

الموضع الأول: قوله تعالى: {قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47] .

فعندما بشّر الله تعالى مريم عليها السلام بعيسى عليه الصلاة والسلام، تعجّبت واستغربت هذا الأمر؛ وذلك لأنها علمت أنها لن تتزوج أبدًا؛ لأنها كانت محرّرة لله تعالى، مخلصةً له في العبادة، والولد لا يأتي إلا بالزواج، فتمت الإجابة على سؤالها بقوله تعالى: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} كما ردّ عليها في موضع آخر بقوله: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} [مريم: 21] .

والتعبير في هذه الآية عن تكوين سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام بالفعل (يخلق) ؛ لأن الخلق هو إيجادٌ من عدم، ولا يكون هذا إلا لله تعالى، أما في حق المخلوق فلا يقال: خلق، بل صنع واكتشف وركّب وغير ذلك مما يحمل المعنى نفسه.

الموضع الثاني: قوله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 17] .

فهذه الآية فيها ذم من الله تعالى للنصارى الذين حادوا عن الطريق المستقيم، فيقسم الله تعالى أنهم كافرون، وكفرهم متمثل في تغطيتهم الحق في تركهم نفي الولد عن الله تعالى، وادعائهم أن المسيح هو الله فريةً وكذبًا عليه، فيأمر الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء الجهلة: لو كان عيسى عليه الصلاة والسلام إلهًا كما تزعمون لاستطاع أن يردّ أمر الله تعالى إذا جاءه بإهلاكه، وإهلاك أمه التي هلكت، ولم يقدر على دفع ما نزل بها، فهذا حجة عليكم في أن المسيح عليه الصلاة والسلام هو بشرٌ كسائر البشر، وأن الله تعالى هو الذي لا يردّ له أمر، ولا يغلب، ولا يقهر؛ بل هو الحي القيوم الذي يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، كما أن الله تعالى له تصريف ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، يبقي من يشاء، ويهلك من يشاء، لا يمنعه من ذلك مانع، ولا يردّه عن ذلك رادّ؛ بل ينفّذ فيهم أمره، ويمضي فيهم قضاءه، وليس المسيح كما زعموا، فمن كان عاجزًا عن دفع ضر أو سوء أراده به غيره، فكيف يكون إلهًا؟!

بل الإله المعبود بحق هو الذي ملك كل شيء، وبيده تصريف كل ما في السماوات والأرض وما بينهما 42.

الموضع الثالث: قوله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68] .

والمعنى: أن الله تعالى يخلق ويختار ما يشاء، فالله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .

وذكر المفسرون احتمال الآية للمعاني الآتية:

الأول: أن هذا متصل بذكر الشركاء الذين يعبدونهم من دون الله تعالى واختاروهم، والمعنى: الاختيار لله تعالى وحده، وليس لهم.

الثاني: المراد من الآية: أنه ليس لأحد من الخلق أن يختار؛ بل الاختيار هو لله تعالى وحده.

الثالث: إن هذه الآية نزلت جوابًا عن اليهود حين قالوا: لو الرسول إلى محمد غير جبريل لآمنّا به 43.

والآية مكية، ولم يكن اليهود وجدالهم في الفترة المكية! فالقول الثالث مستبعد!

الموضع الرابع: قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54] .

يخاطب الله تعالى عباده، ويقول لهم: إن الإله الذي يستحق أن يعبد هو الله تعالى الذي ابتدأ خلقكم من ضعف، فكان الضعف أساس خلقكم، أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة، ثم انتقل بكم إلى حال الشباب وبلوغ الأشدّ، ثم جعل بعد القوة حال الضعف والشيخوخة.

وقوله: {يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} أي: يخلق ما يشاء من ضعف وقوة وشباب وشيبة، فهو العليم بأحوالهم، والقدير على تدبيرهم، والاختلاف في هذه الأحوال دليلٌ بيّن وواضح على وجود الخالق العليم القدير 44.

الموضع الخامس: قوله تعالى: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الزّمر: 4] .

هذه الآية مسوقةٌ لإحقاق حق، وإبطال باطل، فقد زعم النصارى أن عيسى عليه الصلاة والسلام هو الله تعالى، كما زعم المشركون أن الملائكة بنات الله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، فبيّن الله تعالى استحالة اتّخاذ الولد في حقه تعالى، فلو أراد الله سبحانه أن يتخذ ولدًا لاتّخذ من جملة ما يخلق ما يشاء، ثم أكّد الله تعالى تنزّهه عن ذلك، فهو الله المتنزه عما زعموه وافتروا به عليه كذبًا وبهتانًا، وهو القهار لكل الكائنات المخلوقة، فكيف يتصوّر أن يتخذ من الأشياء الفانية ما يقوم مقامه؟! 45.

الموضع السادس: قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [الشورى: 49] .

والمعنى: أن الملك الأعظم هو لله عزّ وجلّ وحده، فله ملك السماوات كلها على عظمها وارتفاعها وعلوّها، وله ملك الأرض جميعها على تباينها واتساعها وتكاثف طبقاتها، فهو تعالى يخلق ما يشاء، وإن كان على غير اختيار العباد، واستدل على مسألة الخلق بما يشاهد من أحوال الناس في تفضيلهم للأولاد الذكور على الإناث اللواتي كانوا يعدونهن من البلاء في الجاهلية، فبيّن الله تعالى أنه يهب لمن يشاء إناثًا فقط دون أن يكون بينهن ذكر، كما يهب لمن يشاء الذكور فقط دون أن يكون بينهم أنثى، أو لا يهب أيّ الصنفين لأحد فيجعله عقيمًا لا يولد له. وبهذه الأصناف الأربعة تمت الدلالة على أن الله تعالى هو القادر على كل شيء 46.

وبعد استعراض هذه المواضع الستة، يتبيّن أن الخلق من صفات الربوبية لله عزّ وجلّ، وهي صفة كمال، فالله سبحانه إذا أراد شيئًا كان ولا رادّ له، وما لم يشأ لم يكن ولا مكوّن له، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ويلاحظ من ذلك أيضًا أن مفعول المشيئة محذوف في كل المواضع، ويقدر حسب السياق الذي ورد فيه.

خامسًا: يخلق ما لا يعلمون:

إن الله تعالى كما كانت له القدرة التامة على خلق ما يشاء، فكذلك له القدرة على خلق ما لا يعلمه الناس.

يقول الله تعالى في هذا: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 8] .

فبعد أن عدّد الله تعالى مجموعة من النعم التي أنعمها على عباده من خلق السماوات والأرض، وخلق الإنسان، وخلق الأنعام، وعدّد ما فيها من منافع ومصالح للناس، ففيها دفء من ناحية اتخاذ أصوافها وأوبارها وأشعارها وجلودها من الثياب والفرش والبيوت، كما تنتفعون بها بالأكل، ولكم فيها جمال تتجمّلون به في وقت راحتها وسكونها، ووقت حركتها وسرحها، كما ذلّلها لكم بركوبها فتحملكم إلى البلد الذي تقصدونه، وتحمل أحمالكم الثقيلة إلى البلاد البعيدة، فسبحانه هو الذي سخّر لكم ما تحتاجونه، فله الحمد على ذلك، ثم خصّ الخيل والبغال والحمير بالذكر لاستخدامها في الركوب تارة، ولأجل الجمال والزينة تارة أخرى.

ثم قال: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، أي: «مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها؛ لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره، وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه، فيذكر أصلًا جامعًا يدخل فيه ما يعلمون وما لا يعلمون» 47.

ويقول في موضع آخر: {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ} [يس: 36] .

ويذكر النخجواني في تفسيرها: « {سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} وقدّر الأصناف المتوالدة المتزايدة برمتها {مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ} من الشجر والنبات بأجناسهما وأنواعهما وأصنافهما، {وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ} أي: ذكورهم وإناثهم أنواعًا وأصنافًا وأشخاصًا، وكذا من جميع ما يعلمون من أجناس الحيوانات وأنواعها وأصنافها، وممّا لا يعلمون أيضًا من المخلوقات التي لا اطلاع لهم عليها؛ إذ ما من مخلوق إلا وقد خلق شفعًا، إذ الفردية والوترية والصمدية لواجب الوجود، والقيومية المطلقة من أخص أوصاف الربوبية والألوهية لا شركة فيها للمصنوع المربوب أصلًا» 48.

وهكذا فإن الله عزّ وجلّ يخلق ما يشاء مما نعلم ومما لا نعلم، فهناك مخلوقات عديدة لله تعالى يقصر العقل البشري عن علمها وتعدادها وحصرها، ومهما بلغ هذا العقل من التقدم والرقي إلا أنه يبقى عاجزًا عن علم جميع مخلوقات الله تعالى التي خلقها أول الخلق، والتي يخلقها إلى قيام الساعة.

سادسًا: الحكمة من اقتران الخلق بالحق:

ورد ذكر الحق مرتبطًا بخلق السماوات والأرض في اثنتي عشرة آية، وجميع السور الواردة فيها تلك الآيات مكية، كما وردت آية مكية تثبت أن خلق السماوات والأرض لم يكن باطلًا، وهي قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27] .

فمعنى هذه الآية كما «قال ابن عبّاسٍ: لا لثوابٍ ولا لعقابٍ. {ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني أهل مكة هم الذين ظنوا أنهما خلقا لغير شيءٍ، وأنّه لا بعث ولا حساب، {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} » 49.

وهذا يدلل على أن خلق السماوات والأرض بالحق في مفهومها الواضح العام ناسبت العهد المكي؛ لتناسبه مع الملامح العامة له، ويمكن التمثيل على ذلك بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 73] .

فيكون معنى الآية: «وهو الذي خلق السماوات والأرض بقوله: (كن) المقترنة بالقدرة التي بها يقع إيجاد المخلوق بعد عدمه، فعبّر عن ذلك بالحقّ» 50، حيث إن أعظم ملامح العهد المكي في آياته القرآنية هو إثبات البعث والخلود، وبالتالي فإن خلق السماوات والأرض يثبت عمليًّا لأصحاب العقول أن الذي خلقهما حال كونها بالحق الراسخ قادرٌ على إحياء الخلق بعد مماتهم، ومن ثم مجازاتهم، وقد ورد الخلق مقترنًا بالحق في معرض الحديث عن تنزيه الله تعالى عن الشريك، ومن ثم إنكار البعث، كما في قوله تعالى: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [النحل: 3] .

فمعنى هذه الآية أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، وهما إلى زوال وفناء، ولكن خلقهما بالحق؛ للدلالة على قدرته عزّ وجلّ، وأنه من حقه على عباده أن يطيعوه، ومن الحق الذي له أنه يحيي الخلق بعد الموت، فهو الخالق تنزّه عما يشركون من الأصنام، التي لا تقدر على خلق أي شيء 51.

وقد وردت آيتان مكيتان تثبتان أن الله تعالى لم يخلق السماوات والأرض عن لعب، ولا تعب من خلقهما، فالآية الأولى هي قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16] .

أي: لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما «إلا حجة عليكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله، فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء غيره، ولم يخلق ذلك عبثًا ولعبًا» 52.

وأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ} [ق: 38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت