فهرس الكتاب

الصفحة 500 من 2431

الاستدراج

أولًا: المعنى اللغوي:

يورد أهل اللغة وأصحاب المعاجم لفظة الاستدراج تحت مادة (درج) ، والتي تأتي في اللغة بعدة معانٍ، كما يلي:

1.بمعنى المضي والذهاب والرجوع، قال ابن فارس: «درج، الدال والراء والجيم أصلٌ واحد يدل على مضي الشيء والمضي في الشيء، من ذلك قولهم: درج الشيء، إذا مضى لسبيله، ورجع فلانٌ أدراجه، إذا رجع في الطريق الذي جاء منه» 1.

2.بمعنى المنزلة والرتبة: جاء في لسان العرب: «درج البناء ودرجه، بالتثقيل: مراتب بعضها فوق بعضٍ، واحدته درجة ودرجةٌ مثال همزةٍ، الأخيرة عن ثعلبٍ، والدرجة: الرفعة في المنزلة 2.

3.بمعنى اللف والطي والإدخال: قال في بصائر ذوي التمييز: «والإدراج: لف شيء في شيء، يقال: أدرج فلان في أكفانه. ودرجه في الأمر تدريجًا، أي: جره إليه قليلًا قليلًا. واستدرج الله المرء: جره قليلًا قليلًا إلى العذاب» 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

عرف الجرجاني الاستدراج بقوله: «الاستدراج: أن يجعل الله تعالى العبد مقبول الحاجة وقتًا فوقتًا إلى أقصى عمره للابتدال بالبلاء والعذاب» 4.

وقال الكفوي: الاستدراج: «هو أن يعطي الله العبد كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وجهله وعناده فيزداد كل يوم بعدًا من الله تعالى» 5.

وتعريف الكفوي أقرب لمعنى الاستدراج في القرآن، والذي جاء في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) } [الأعراف:182] .

1.ورد (الاستدراج) في القرآن مرتين 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 2 ... {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) } [الأعراف: 182، القلم:44]

وجاء (الاستدراج) في القرآن الكريم بصيغة صرفية واحدة، هي صيغة الفعل المضارع، مبدوءة بسين الاستقبال {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ} ، والهاء مفعوله.

ومما يلاحظ في هذه الصيغة القرآنية تناسبها واتفاقها مع مدلول الاستدراج ومعناه، فطول الكلمة وكثرة حروفها - في تسعة حروف-، وطول فترة نطقها لوجود السكون في السين والدال، كل ذلك يتناسب مع معنى الاستدراج وهو الإمهال والإنظار للكافرين، ويوحي «بطول المدة، مدة عدم انصياعهم، وخصوصًا في صيغة (استفعل) ففيها تصيير لهم، وحركة جعلية متمهلة، وهذا ما يوحي به توالي المقاطع وتعددها مما يجسم طول فترة الغفلة التي يكون فيها الكافرون» 7.

وهذا كله من جمال اللفظ القرآني وإعجازه، وأيضًا فإن مجيء مادة الاستدراج بصيغة الفعل المضارع يدل على استمرار وتجدد هذه السنة الإلهية في الخلق، وهو أمر مشاهد في كل زمان في إمهال الله تعالى للظلمة والكافرين واستدراجهم.

1.الإمهال:

الإمهال لغة:

من مهل، بمعنى «التؤدة والسكون، يقال: مهل في فعله، وعمل في مهلة، ويقال: مهلًا، نحو: رفقًا ... وأمهلته: رفقت به» 8.

الإمهال اصطلاحًا:

التؤدة والسكون 9، فهو يتفق مع المعنى اللغوي للكلمة.

الصلة بين الإمهال والاستدراج:

الذي يظهر أن بين الإمهال والاستدراج عمومًا وخصوصًا، فالإمهال أعم من الاستدراج من جهة السبب، فقد يمهل الله تعالى الإنسان ليتوب، وقد يمهله ليزداد إثمًا، وهو أخص من الاستدراج من جهة أنه نوع من أنواعه، فالاستدراج يكون بإمهال بالعقوبة وتأخيرها، ويكون بغير ذلك كالإمداد والإنعام.

الإملاء:

الإملاء لغة:

« (ملي) الميم واللام والحرف المعتل كلمةٌ واحدةٌ. هي تدل على الزمن الطويل. وأقام مليًا، أي: دهرًا طويلًا» 10.

الإملاء اصطلاحًا:

«هو الإمهال والتأخير» 11.

الصلة بين الإملاء والاستدراج:

أن الإملاء: هو الإمهال والتأخير، والاستدراج: هو أنه كلما جدد العبد خطيئة جدد الله له نعمة، وأنساه الاستغفار إلى أن يأخذه قليلًا قليلًا، ولا يباغته، وعلى هذا بينهما عموم وخصوص، إذ كل استدراج إملاء وليس كل إملاء استدراجًا 12.

الكيد:

الكيد لغةً:

هو المكر والخبث، والحيلة، والحرب 13.

الكيد اصطلاحًا:

«إرادة مضرة الغير خفيةً وهو من الخلق الحيلة السيئة، ومن الله سبحانه وتعالى التدبير بالحق لمجازاة أعمال الخلق» 14.

الصلة بين الكيد والاستدراج:

الكيد هو إرادة مضرة الغير بحيلة خفية، والاجتهاد في ذلك، وهو نوع من أنواع الاستدراج.

المكر:

المكر لغة:

«الخديعة والاحتيال، وقال الليث: احتيالٌ في خفيةٍ» 15.

المكر اصطلاحًا:

قال المناوي: «المكر: من جانب الحق: إرداف النعم مع المخالفة، وإبقاء الحال مع سوء الأدب، وإظهار الكرامات من غير جد. ومن جانب العبد: إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر» 16.

الصلة بين المكر والاستدراج:

المكر من الله استدراج بالنعم، فالمكر فيه استدراج وفيه زيادة أيضًا على الاستدراج بحيث يكون قلب ذلك المستدرج آمنًا من كل جهة 17.

1.من سنن الله تعالى في عباده - والتي لا تتبدل ولا تتغير- سنة الاستدراج، فالله تعالى أمر عباده بطاعته وامتثال أوامره، وحذرهم من معصيته ومخالفة أمره، فإن هم أطاعوه، فازوا وسعدوا في الدنيا والآخرة، وإن خالفوه ولم يستجيبوا لأمره، ذكَرهم الله تعالى، وحذرهم من عقابه.

ثم سلط عليهم البلاء والضراء حتى يردهم إليه وإلى طاعته، فإن تمادوا في إعراضهم وكفرهم رغم تذكير الله لهم ودعوته إياهم فإن الله تعالى يبدلهم مكان السيئة الحسنة ويوسع عليهم ويمدهم في طغيانهم، ويمهلهم، حتى إذا ازدادوا كفرًا وفجورًا، ونسوا لقاء ربهم أخذهم الله بغتة -وهم لا يشعرون- إلى عقابه الشديد، وهذا هو معنى استدراجه تعالى وكيده ومكره بمن عصاه وكفر به، وهي سنته الباقية في كل من يمضي على منوالهم.

قال الله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } [آل عمران:137] .

فأخبر تعالى عن سننه في الأمم الماضية المكذبة الكافرة في إمهاله لهم واستدراجه إياهم حتى يبلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجله في إهلاكهم واستئصالهم، فأحل بهم عقوبته، وأنزلت بساحتهم نقمته، وتركهم لمن بعدهم أمثالًا وعبرًا 18.

قال تعالى: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} ، وهذه الآية نزلت بعد معركة أحد تسلية وتعزية للمسلمين على ما أصابهم فيها، وبيان أن ما حدث للكفار من بعض الظفر بالمسلمين هو من استدراج الله تعالى بهم.

قال الإمام الطبري: «فسيروا - أيها الظانون، أن إدالتي 19 من أدلت من أهل الشرك يوم أحد على محمد وأصحابه، لغير استدراج مني لمن أشرك بي، وكفر برسلي، وخالف أمري - في ديار الأمم الذين كانوا قبلكم، ممن كان على مثل الذي عليه هؤلاء المكذبون برسولي والجاحدون وحدانيتي، فانظروا كيف كان عاقبة تكذيبهم أنبيائي، وما الذي آل إليه غب خلافهم أمري، وإنكارهم وحدانيتي، فتعلموا عند ذلك أن إدالتي من أدلت من المشركين على نبيي محمد وأصحابه بأحد، إنما هي استدراج وإمهال ليبلغ الكتاب أجله الذي أجلت لهم، ثم إما أن يؤول حالهم إلى مثل ما آل إليه حال الأمم الذين سلفوا قبلهم: من تعجيل العقوبة عليهم، أو ينيبوا إلى طاعتي واتباع رسولي» 20.

فبيَن تعالى أن الاستدراج سنة من سننه مع الكافرين والعصاة من خلقه، وقد أوضح الله تعالى معنى هذا الاستدراج في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) } [الأعراف:94 - 96] .

«أي: إن سنتنا قد جرت - ولا مبدل لها - أننا إذا أرسلنا نبيًا في قوم وكذبوه أنزلنا بهم الشدائد والمصائب» 21.

قال: {بِالْبَأْسَاءِ} «أي: ما يصيبهم في أبدانهم من أمراض وأسقام، {وَالضَّرَّاءِ} ما يصيبهم من فقر وحاجة، ونحو ذلك، {لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} أي: يدعون ويخشعون ويبتهلون إلى الله تعالى في كشف ما نزل بهم» 22، «ثم إذا لم يفد فيهم، واستمر استكبارهم، وازداد طغيانهم، {ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ} فأدر عليهم الأرزاق، وعافى أبدانهم، ورفع عنهم البلاء {حَتَّى عَفَوْا} أي: كثروا، وكثرت أرزاقهم وانبسطوا في نعمة الله وفضله، ونسوا ما مر عليهم من البلاء» 23.

قال ابن عاشور: «والمعنى أنا نأخذهم بما يغير حالهم التي كانوا فيها من رخاء وصحة، عسى أن يعلموا أن سلب النعمة عنهم أمارة على غضب الله عليهم من جراء تكذيبهم رسولهم فلا يهتدون، ثم نردهم إلى حالتهم الأولى إمهالًا لهم واستدراجًا فيزدادون ضلالًا، فإذا رأوا ذلك تعللوا لما أصابهم من البؤس والضر بأن ذلك التغيير إنما هو عارض من عوارض الزمان وأنه قد أصاب أسلافهم من قبلهم ولم يجئهم رسل» 24.

قال الخازن في معنى قوله تعالى: {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} ، «يعني أنهم قالوا: هكذا عادة الدهر قديمًا وحديثًا لنا ولآبائنا ولم يكن ما مسنا من الشدة والضراء عقوبة لنا من الله تعالى على ما نحن عليه، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم من قبل فإنهم لم يتركوا دينهم مما أصابهم من الضراء والسراء» 25.

وما أجمل ما قاله سيد قطب في تعقيبه على هذه الآيات وبيان سنة الله تعالى في الاستدراج، قال رحمه الله: «هذه وقفة في سياق السورة للتعقيب على ما مضى من قصص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقفة لبيان سنة الله التي جرت بها مشيئته وحققها قدره بالمكذبين في كل قرية ... وهي سنة واحدة يأخذ الله بها المكذبين ويتشكل بها تاريخ الإنسان في جانب منه أصيل، أن يأخذ الله المكذبين بالبأساء والضراء لعل قلوبهم ترق وتلين وتتجه إلى الله ...

فإذا لم يستجيبوا أخذهم بالنعماء والسراء، وفتح عليهم الأبواب، وتركهم ينمون ويكثرون ويستمتعون، كل ذلك للابتلاء، حتى إذا انتهى بهم اليسر والعافية إلى الاستهتار والترخص، وإلى الغفلة وقلة المبالاة، وحسبوا أن الأمور تمضي جزافًا بلا قصد ولا غاية، وأن السراء تعقب الضراء من غير حكمة ولا ابتلاء، وأنه إنما أصابهم ما أصاب آباءهم من قبل؛ لأن الأمور تمضي هكذا بلا تدبير: {وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ} ! أخذهم الله بغتة، وهم سادرون في هذه الغفلة» 26.

وقد بيَن الله تعالى هذا المعنى لسنة الاستدراج في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) } [الأنعام:42 - 45] .

ومعنى قوله تعالى: {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) } ، أي: «فهلا إذ ابتليناهم بذلك تضرعوا إلينا وتمسكنوا إلينا، {وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ} أي: ما رقت ولا خشعت.

وقوله: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: من الشرك والمعاصي 27، وجيء بـ (لولا) ليفيد أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوتهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان -ومنها الشرك- لهم.

فالاستدراك في الآية على المعنى لبيان الصارف لهم عن التضرع. وأنه لا مانع لهم إلا ذلك 28، ولما كان حالهم كذلك من الإعراض وقسوة القلب، استدرجهم الله تعالى بنعمه وكثرة الخيرات، وأملى لهم، كما قال: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} .

قال الحافظ ابن كثير: «أي: فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون، وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم، عياذًا بالله من مكره؛ ولهذا قال: {حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا} أي: من الأموال والأولاد والأرزاق {أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} ، أي: على غفلة {فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} ، أي: آيسون من كل خير» 29.

وفي الحديث عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج) .

ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) } [الأنعام:44] .30

فبيَن صلى الله عليه وسلم أن الاستدراج هو الفتح بالنعم مع الإقامة على المعصية، أما الفتح بالنعم مع الإيمان والتقوى فهي رحمة من الله تعالى بالمؤمنين، وسنة من سننه في إكرام أهل طاعته في الدنيا والآخرة، وقد بيَن الله تعالى ذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) } [الأعراف:96] .

فبعد أن بيَن تعالى أن الإنعام على سبيل الاستدراج، بيَن أنه يكون أيضًا على سبيل الإكرام لأهل الإيمان والتقوى.

وهكذا يبين الله تعالى لنا سنته في استدراج المكذبين بآياته من الأمم الكافرة والظالمة، كما صرح تعالى بذلك في قوله: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) } [الأعراف:182 - 183] .

«قال الأزهري: أي: سنأخذهم قليلًا قليلًا من حيث لا يحتسبون، وذلك أن الله تعالى يفتح عليهم من النعيم ما يغتبطون به ويركنون إليه، ثم يأخذهم على غرتهم أغفل ما يكونون، وقال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة» 31.

قال تعالى: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) } [القلم:44] .

قال الفخر الرازي: «ذرني وإياه، يريد كله إلي، فإني أكفيكه، كأنه يقول: يا محمد حسبك انتقامًا منه أن تكل أمره إلي، وتخلي بيني وبينه، فإني عالم بما يجب أن يفعل به قادر على ذلك» 32.

وقال ابن كثير: {فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ} يعني: القرآن، وهذا تهديد شديد، أي: دعني وإياه مني ومنه، أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمده في غيه وأنظر ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} ، أي: وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة، وهو في نفس الأمر إهانة، كما قال: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) } [المؤمنون:55 - 56] .

ولهذا قال تعالى هاهنا: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) } [القلم:45] ، أي: وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم، وذلك من كيدي ومكري بهم؛ ولهذا قال تعالى: {كَيْدِي مَتِينٌ} ، أي: عظيم لمن خالف أمري، وكذب رسلي، واجترأ على معصيتي 33.

فصرح تعالى بتهديده ووعيده لأهل التكذيب والعناد بالكيد لهم واستدراجهم، ولا شك أن من هدده رب العالمين بذلك، فهو من أخسر الخاسرين في الدنيا والآخرة.

قال الخازن: «وقيل في معنى الآية: كلما أذنبوا ذنبًا جددنا لهم نعمة، وأنسيناهم الاستغفار والتوبة، وهذا هو الاستدراج؛ لأنهم يحسبونه تفضيلًا لهم على المؤمنين، وهو في الحقيقة سبب إهلاكهم فعلى العبد المسلم إذا تجددت عنده نعمة أن يقابلها بالشكر، وإذا أذنب ذنبًا أن يعاجله بالاستغفار والتوبة» 34.

ومراد الإمام الخازن: أي حتى لا يكون ذلك الإنعام استدراجًا فاشكروا الله على نعمه، واستغفروه من ذنوبكم.

واستدراجه تعالى ليس قاصرًا على الأمم فحسب، وإنما يقع على الأفراد أيضًا.

قال تعالى مبينًا استدراجه لبعض الأفراد: {فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (49) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (50) } [الزمر:49 - 50] .

فأخبر الله تعالى عن الإنسان «أنه في حال الضراء يضرع إلى الله عز وجل، وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوَله منه نعمة بغى وطغى، وقال: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} ، أي: لما يعلم الله من استحقاقي له، ولولا أني عند الله تعالى خصيص لما خولني هذا!» 35.

وقال الخازن: « {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ} يعني من الله تعالى، علم أني له أهل، وقيل: على خير علمه الله عنده، ثم قال تعالى في رد ما قاله: {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ} يعني تلك النعمة استدراج من الله تعالى وامتحان وبلية، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} يعني أنها استدراج من الله تعالى» 36.

ثم قال تعالى: {قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} ، كقارون، كما ذكر تعالى ذلك عنه في قوله: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:78] .

وهكذا بين الله تعالى أن الاستدراج سنة من سننه مع عباده أممًا وأفرادًا.

وهذه السنة الإلهية الحكيمة لها علاقة وثيقة بالسنن الإلهية الأخرى، كعقوبة الظالمين والانتقام منهم، فالله تعالى يملي للظالم ويمهله ليزداد بذلك بغيًا وإثمًا، ثم يأخذه بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر، وسنة الابتلاء والامتحان، ليبتلي عباده في إيمانهم وصبرهم.

1.أولًا: الإمهال للتوبة.

من حكمة الله تعالى في استدراج عباده أن يردهم إلى التوبة والإنابة إليه، وهو من رحمته تعالى بهم، فيمهلهم الله وينظرهم، ويبتليهم بالبأساء والضراء لعلهم يرجعون إليه، قال الله تعالى: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) } [التوبة:126] .

وهي في سياق الحديث عن المنافقين وفضائحهم، وقد تضمنت توبيخهم وتقريعهم والإنكار عليهم في إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق مع ما يصيبهم من البلايا والأمراض.

قال السعدي رحمه الله: «قال تعالى -موبخًا لهم على إقامتهم على ما هم عليه من الكفر والنفاق-: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ} بما يصيبهم من البلايا والأمراض، وبما يبتلون من الأوامر الإلهية التي يراد بها اختبارهم، {ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ} عما هم عليه من الشر {وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} ما ينفعهم، فيفعلونه، وما يضرهم، فيتركونه، فالله تعالى يبتليهم -كما هي سنته في سائر الأمم- بالسراء والضراء وبالأوامر والنواهي ليرجعوا إليه، ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون» 37.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت