وجمع سبحانه الملائكة الحفظة والحافظين باعتبار أنّ المخاطب جملة النّاس، وقد وكّل الله عز وجل بكلّ عبدٍ ملكين يكتبان عمله، ويترصّدانه؛ {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 16 - 18] ؛ أي: عنده رقيبٌ حافظٌ يرقب أعماله ويحفظها، عتيدٌ؛ أي: حاضرٌ معه أين ما كان 88. فالملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله لهم على ذلك، والمتلقّيان هما الملكان اللذان يكتبان عمل الإنسان، يترصّدانه عن اليمين وعن الشمال، فما يلفظ ابن آدم من قول، ولا يتكلّم بكلمة، إلا وهما يراقبانه ويكتبان عليه ما لفظه، فما يتركان من كلمة ولا حركة 89.
وقد يقال: إنّ الله تعالى غنيٌّ بعلمه عن كتابة الملائكة؛ فما الحكمة منها؟ والجواب -والله أعلم-: إنّ في الكتابة لطفًا للعباد؛ لأنهم إذا علموا أنّ الله رقيب عليهم، والملائكة الذين هم أشرف خلقه موكّلون بهم، يحفظون عليهم أعمالهم، ويكتبونها في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة كان أزجر لهم عن القبيح، وأبعد عن السوء 90.
وعلى كلٍّ؛ فإنّ اللّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويجب علينا الإيمان بكل ما ورد به الشرع، سواء عقلناه أم لم نعقله.
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيمٌ لأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور، ولولا ذلك لما وكّل بضبط الملائكة الكرام الحفظة الكتبة ما يحاسب عليه، ويجازي به. وفيه إنذار وتهويل وتشويرٌ للعصاة ولطف للمؤمنين 91.
ثانيًا: حفظ الكلاءة والحراسة:
لله عز وجل ملائكةٌ يحفظون بأمره بني آدم مما يترصّدهم من المضارّ والآفات إلا ما قدّر عليهم قدرًا نافذًا؛ فلا رادّ له من الله. يقول تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] .
وقد اختلف أهل التفسير في المراد بالمعقّبات، فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم الحرس من البشر، وعلى كلّ قول منهما تتأتّى وجوهٌ مختلفة.
فقالت طائفة: إنّ المعقّبات هي الملائكة؛ قاله ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة وعطاء وابن جريج وغيرهم 92. وقيل: لهم {مُعَقِّبَاتٌ} ؛ لأنّهم يتعاقبون مرّة بعد مرّة، وذلك أنّ ملائكة الليل إذا صعدت أعقبتها ملائكة النهار، فإذا انقضى النهار صعدت ملائكة النهار فأعقبتها ملائكة الليل 93. ومن عمل عملًا ثم عاد إليه فقد عقّب، والتعقيب أن يأتي بشيءٍ بعد آخر، والمعقبات من الإبل اللواتي يقمن عند أعجاز الإبل المعتركات على الحوض، فإذا انصرفت ناقة دخلت مكانها أخرى 94. ويدلّ على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم؛ وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلّون) 95.
ثمّ يختلف القول في تفسير الآية عند من قال: إنّ المعقّبات هم الملائكة؛ فإذا كان الضمير من {لَهُ} يعود على اسم الله عز وجل يكون المعنى: لله ملائكة تتعاقّب في العباد يحفظونهم، وإذا كان الضمير يعود على العبد المستخفي بالليل والسارب بالنهار المذكور قبلًا؛ تكون اللام للاختصاص؛ أي: إنّ للعبد ملائكةً يحفظونه؛ لتكليف الله لهم بذلك. ثم اختلفوا في قوله تعالى: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} ، فقال بعضهم: يحفظونه بأمر الله وبإذنه، أو عن أمر الله، يعني: حفظهم هذا عن أمر الله لا من عند أنفسهم، وهو راجعٌ للأوّل. فيكون المعنى: إنّ لله ملائكة أمرهم بحفظ عباده مما يترصّدهم من المضارّ والآفات، فهو توكيل الملائكة بهم لحفظهم من الوحوش والهوامّ والأشياء المضرّة؛ لطفًا منه بهم، فإذا جاء القدر خلّوا بينه وبينه، قاله عليٌّ وابن عباس رضي الله عنهم، وجاء رجل من مرادٍ إلى عليٍّ رضي الله عنه فقال: «احترس فإن ناسًا من مراد يريدون قتلك. فقال: إنّ مع كل رجل ملكين يحفظانه ما لم يقدّر، فإذا جاء القدر خلّيا بينه وبين قدر الله، وإن الأجل حصنٌ حصينة» 96.
وقيل: المعقّبات هي من أمر الله، وهي الملائكة؛ أي: له معقباتٌ من أمر الله يحفظونه؛ ففي الكلام تقديم وتأخيرٌ، وحاصل هذا القول كسابقيه، ولا تعارض 97.
وقيل: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} على بابها؛ أي: يحفظونه من ما أمر به الله؛ أي: يحفظونه من ملائكة العذاب؛ حتى لا تحلّ به عقوبة؛ لأنّ الله لا يغيّر ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيّروا ما بأنفسهم بالإصرار على الكفر، فإن أصرّوا حان الأجل المضروب ونزلت بهم النقمة، وزالت عنهم الحفظة المعقّبات 98. وملائكة العذاب من أمر الله، وخصّهم بأن قال: {مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} ؛ لأنّهم غير معاينين، قال: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء: 85] ؛ أي: ليس مما تشاهدونه أنتم 99.
وقيل: يحفظونه من الجن، وأمر الله الجنّ. قال كعب: «لولا أنّ الله وكّل بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لتخطفتكم الجنّ» 100.
ويحتمل أنّ هؤلاء الملائكة الحرس مما يخصّ كل إنسان؛ كالحفظة الكاتبين، ويحتمل أن يكون من جملة الملائكة لجملة الناس 101.
والقول الثاني: أنّ المعقبّات هم الحرس من البشر الذين يكونون بين يدي السلاطين والأمراء يحتمون بهم من أمر الله، ولن يغنوا عنهم من الله شيئًا إذا جاء أمر الله، ونفذ قدره، فإنّ الله إذا أراد بقوم سوءًا فلا مردّ له وما لهم من دونه من والٍ، فالمذكور ملك من ملوك الدنيا له حرسٌ من دونه حرسٌ، ومواكب من بين يديه ومن خلفه، وهو مرويٌّ عن ابن عباس وعكرمة 102.
وقال تعالى: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت: 31] .
وهو خطابٌ من الملائكة للعبد المسلم، وذهب جمهور العلماء إلى أنّ قول الملائكة هذا إنّما يكون عند الاحتضار، قال ابن كثير: «تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار: نحن كنّا أولياءكم، أي: قرناءكم في الحياة الدنيا، نسدّدكم ونوفّقكم ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور، وعند النفخة في الصور، ونؤمّنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم» 103. قال السدّيّ، في معناه: «نحن الحفظة الذين كنّا معكم في الدنيا، ونحن أولياؤكم في الآخرة» 104.
قال ابن القيم: «فالملك يتولّى من يناسبه بالنصح له والإرشاد، والتثبيت، والتعليم، وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوه عنه، والاستغفار له إذا زلّ، وتذكيره إذا نسي، وتسليته إذا حزن، وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف، وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها، وإيعاد صاحبه بالخير، وحضّه على التصديق بالوعد، وتحذيره من الركون إلى الدنيا، وتقصير أمله، وترغيبه فيما عند الله. فهو أنيسه في الوحدة، ووليّه ومعلّمه ومثبّته، ومسكّن جأشه، ومرغّبه في الخير، ومحذّره من الشرّ، يستغفر له إن أساء، ويدعو له بالثبات إن أحسن، وإن بات طاهرًا يذكر الله بات معه في شعاره، فإن قصده عدو له بسوء وهو نائم دفعه عنه» 105.
فهذا حفظٌ خاصٌّ وولايةٌ معقودةٌ من الملائكة للمسلم، لا يشاركه فيها من بني آدم إلا من كان مسلمًا. فهي تختلف عن الكلاءة العامّة من الملائكة لبني آدم.
ومن حفظ الملائكة لبني آدم حراستهم للسماء من استراق الشياطين، هو مذكورٌ على لسان مؤمني الجنّ: {وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا} [الجنّ: 8] .
قال ابن كثير: «يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أنّ السماء ملئت حرسًا شديدًا، وحفظت من سائر أرجائها، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك؛ لئلا يسترقوا شيئًا من القرآن، فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يدرى من الصادق. وهذا من لطف الله بخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز» 106.
ومن حفظ الملائكة حراستها لمكة والمدينة من الدجّال؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس من بلد إلا سيطؤه الدّجّال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافّين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق) 107. وهذا من الحفظ الخاصّ للمسلمين المعتصمين -يومئذ- بمكّة والمدينة، والله أعلم.
وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا طوبى للشام، يا طوبى للشام، قالوا: يا رسول الله وبم ذلك؟ قال: تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام) 108. أي: حفظًا لها عن الشرور، واستجلابًا لكل خير، تجلب إليه الخيرات وتدفع عنه الهلكات 109.
ومن حفظ الملائكة للمسلمين قتالهم مع المؤمنين وتثبيتهم عند ملاقاة العدوّ؛ {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا} [الأنفال: 12] .
ومن حفظ الملائكة للمؤمنين دعاؤهم لهم؛ {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] .
وفي دعاء الملائكة للمؤمنين بالرحمة حفظٌ لهم، ودعاء الملائكة مرجوّ الإجابة بإذن الله، فكان دعاء الملائكة للمؤمنين أحد أسباب الحفظ في الدّنيا والآخرة.
حفظ الملائكة: هدايات ودلالات:
من الواجب على المسلم أن يتأمّل في حفظ الملائكة لبني آدم وكلاءتهم لهم، وكتابتهم عليهم أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، فإنّ تأمّله يثمر له أطايب الثمر، ويعود عليه بأماثل العبر، فمن ذلك:
الهداية الأولى:
يجب على المسلم أن يستحيي من هؤلاء الحافظين الكرام، وأن يكرمهم ويجلّهم أن يروا منه ما يستحيي أن يراه عليه من هو مثله. والملائكة تتأذى مما يتأذّى منه بنو آدم، فإذا كان ابن آدم يتأذّى ممن يفجر ويعصي بين يديه -وإن كان قد يعمل مثل عمله- فما الظنّ بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟! 110.
الهداية الثانية:
يقول الله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12] .
فأجرى سبحانه وتعالى على الملائكة الموكّلين بإحصاء أعمال بني آدم أربعة أوصاف؛ هي: الحفظ والكرم والكتابة والعلم بما يعلمه الناس. وابتدئ منها بوصف الحفظ؛ لأنّه الغرض الذي سيق لأجله الكلام الذي هو إثبات الجزاء على جميع الأعمال، ثم ذكرت بعده ثلاث صفات بها كمال الحفظ والإحصاء، وفيها تنويهٌ بشأن الملائكة الحافظين. ثمّ وصفهم بالكرم، وهو النفاسة في النوع؛ فالكرم صفتهم النفيسة الجامعة للكمال في المعاملة وما يصدر عنهم من الأعمال. وأمّا صفة الكتابة فمرادٌ بها: ضبط ما وكّلوا على حفظه ضبطًا لا يعتريه نسيانٌ ولا إجحاف ولا زيادة. وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو: الإحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال، وما يخطر ببالهم من تفكير مما يراد به عمل خير أو شرٍّ، وهو الهمّ. وقوله: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} يعمّ كل شيء يفعله الناس، وطريق علم الملائكة بأعمال الناس مما فطر الله عليه الملائكة الموكّلين بذلك.
ويستهدى بذلك في أنّ هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كلّ من يقوم بعمل للأمّة من الولاة وغيرهم، فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه، فيجب أن يكونوا أمناء حافظين، طاهري النّفس والفطرة، ضابطين لما يجري على أيديهم؛ بأن يكون ما يصدرونه مكتوبًا مضبوطًا لا يستطاع تغييره، فيمكن لكلّ من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجرى فيه من الأعمال. وهذا أصلٌ عظيمٌ في وضع الملفات للنوازل والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة، ودفاتر الشهود، والخطاب على الرسوم، وإخراج نسخ الأحكام والأحباس وعقود النكاح.
كذلك؛ يجب أن يكونوا على علمٍ كافٍ بما يتعلق بالأحوال التي توكل إليهم أماناتها؛ بحيث لا يستطيع أحد من المخالطين أن يموّه عليهم شيئًا، أو أن يلبس عليهم في حقيقتها. فيجب أن ينتفي عنهم الغلط والخطأ في تمييز الأمور بأقصى ما يمكن. ويختلف العلم المطلوب باختلاف الأعمال؛ فيقدّم في كل ولاية من هو أعلم بما تقتضيه ولايته من الأعمال، وما تتوقف عليه من المواهب والدراية، فليس ما يشترط في القاضي يشترط في أمير الجيش مثلًا، وبمقدار التفاوت في الخصال التي تقتضيها إحدى الولايات يكون ترجيح من تسند إليه الولاية على غيره؛ حرصًا على حفظ مصالح الأمة، فيقدّم في كل ولاية من هو أقوى كفاءة لإتقان أعمالها وأشد اضطلاعًا بممارستها 111.
كذلك؛ يستهدى به في أهمية الكتابة للمعاملات المالية والتجارية كالديون والشراكات والإجارات والوكالات، ونحو ذلك. وقد جاءت أطول آيةٍ في القرآن الكريم في بيان ذلك والحثّ عليه وتفصيل بعض الأحكام المتعلّقة به، وفيها تعليل لأهمية الكتابة بقوله تعالى: {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا} [البقرة: 282] .
الهداية الثالثة: لوازم الإيمان بحفظ الملائكة:
حفظ الملائكة فيه إثبات للبعث؛ فهو كالدليل على إثباته؛ لأنّ إقامة الحافظ تستلزم شيئًا يحفظه، وهو الأعمال خيرها وشرّها، وذلك يستلزم إرادة المحاسبة عليها، والجزاء بما تقتضيه جزاءً مؤخرًا بعد الحياة الدنيا؛ لئلّا تذهب أعمال العاملين سدًى، وذلك يستلزم أنّ الجزاء مؤخّرٌ إلى ما بعد هذه الحياة؛ إذ المشاهد تخلّف الجزاء في هذه الحياة بكثرة، فلو أهمل الجزاء لكان إهماله منافيًا لحكمة الإله الحكيم مبدع هذا الكون، قال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115] .
وهذا الجزاء المؤخّر يستلزم إعادة الحياة للذوات الصادرة منها الأعمال 112.
الهداية الرابعة: من أسباب تحصيل الحفظ الخاصّ للملائكة:
الإيمان والاستقامة سبب تحصيل ولاية الملائكة للعبد المسلم؛ {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت: 30 - 31] .
وكلّ ما يقرّب العبد من ربّه فهو من أسباب تولّي الملائكة له، ويأتي على رأس ذلك ما يفعله المرء من خير متعدٍّ نفعه إلى الغير، فلما كان المرء في حاجة النّاس وتعليمهم من العلم ما يثبّتهم ويحفظهم في أمر دنياهم وأخراهم؛ كان الملائكة في تثبيته وحفظه والدّعاء له، والجزاء من جنس العمل. عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلّون على معلّم الناس الخير) 113.
وكلّ ما هو من الطهارة الحسيّة والمعنوية فإنّه مما يحصّل به حفظ الملائكة، فمن الطهارة الحسيّة أن يكون الإنسان طيّب البدن طاهرًا، حسن الرّيح والملبس.
ومن الطهارة المعنوية طهارة القلب من أمراضه، وأكل الحلال، وحفظ اللسان عن الفحش، ومقابلة السيئة بالحسنة طمعًا في صفح الله وعفوه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلًا شتم أبا بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم جالس فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه ويبتسم، فلما أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام فلحقه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددتّ عليه بعض قوله غضبت وقمت! قال: (إنه كان معك ملكٌ يردّ عنك، فلما رددتّ عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان) 114.
ومن ذلك: الإكثار من ذكر الله، وقراءة آية الكرسيّ قبل النّوم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر الحديث؛ فقال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسيّ؛ لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(صدقك وهو كذوب؛ ذاك شيطانٌ) 115.
ولعلّ في تدبّرها توقيفًا على حكمة تخصيص آية الكرسيّ بتلك الفضيلة، ففيها قوله تعالى: {وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] ؛ أي: حفظ السماوات والأرض وما فيهما، فهل يعجزه حفظ مخلوقٍ له من مخلوق؟! فمن قرأها متدبّرًا كان جديرًا بتلك الكلاءة بأمر الله. والله المستعان.
بيّن القرآن الكريم أن وظيفة الرسل هي تبليغ دعوة الله بلاغًا مبينًا، فقاموا عليهم السلام بذلك خير القيام، وأعفاهم سبحانه من مسئولية هداية التوفيق للحق؛ لأنه حق اختص به سبحانه، وأعفاهم أيضًا من مسئولية حفظ أعمال العباد ومجازاتهم عليها، وسوف نبيّن ذلك فيما يأتي:
أولًا: حفظ الرسل للرسالة وتبليغها:
اصطفى الله عز وجل رسلًا من النّاس، فكلّفهم بأداء الرسالة إلى من أرسلهم الله إليهم من البشر، وفي سبيل ذلك حباهم بمقوّمات البلاغ، ولا شكّ أنّ الأنبياء والرسل يمثّلون الكمال البشريّ في أرقى صوره؛ ذلك أنّ الله اختارهم واصطفاهم لنفسه، فهم أطهر البشر قلوبًا، وأزكاهم أخلاقًا، وأجودهم قريحةً، وأحدّهم ذهنًا، وأوفرهم عقلًا، وأقواهم قلبًا، والله أعلم حيث يجعل رسالته. فجمعوا إلى كمال الخلق تمام الخلق، وكانوا أوسط الناس نسبًا في أقوامهم 116.
ومما حبا الله به أنبياءه أن عصمهم بحفظه إيّاهم بما خصّهم به من صفاء الجوهر، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية، ثم بالنّصرة وبتثيبت أقدامهم، ثم بإنزال السكينة عليهم، وبحفظ قلوبهم، وبالتوفيق إلى البلاغ 117. وعصمهم في اعتقادهم أن يشركوا بالله ولو طرفة عين: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] .
وعصمهم من مقارفة الكبائر والصغائر عمدًا، وعلى ذلك إجماع الأمّة، والأكثرون على عدم وقوع الذنوب منهم سهوًا.
وقد أجمع من يعتدّ بإجماعه من العلماء على أنّه لا يجوز على الرسل الكذب في التبليغ، أو تحريفه، أو التقصير فيه، أو الخيانة فيه، أو كتمانه لا عمدًا ولا سهوًا، وإلا لم يبق الاعتماد على شيء من الشرائع، ولما تميّز الغلط والسهو من غيره، ولاختلط الحقّ بالباطل. ومن قال بجواز السهو والنسيان في التبليغ فمراده عدم منع ذلك عقلًا، ولكنّه يرى عصمتهم عن ذلك بورود الشرع وإجماع الأمة 118.
وقال تعالى آمرًا محمّدًا صلى الله عليه وسلم: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67] .
ومحمّدٌ صلى الله عليه وسلم ومن قبله من المرسلين في هذا الأمر سواءٌ. ولمّا ذكر الله من سمّى من الأنبياء، قال جلّ ذكره: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 89 - 90] .
فلم يأمره صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بهم إلا إذا كانوا قد بلّغوا الرسالة وحفظوا الأمانة.