وقال ابن الأمير الصنعاني رحمه الله: «الحديث دليل على تحريم الكذب والعمل به وتحريم السفه على الصائم وهما محرمان على غير الصائم أيضًا إلا أن التحريم في حقه آكد، كتأكد تحريم الزنا من الشيخ، والخيلاء من الفقير، والمراد من قوله: (فليس لله حاجة) أي: إرادة، بيان عظم ارتكاب ما ذكر، وأن صيامه كلا صيام، ولا معنى لاعتبار المفهوم هنا فإن الله لا يحتاج إلى أحد هو الغني سبحانه ذكره ابن بطال، وقيل: هو كناية عن عدم القبول، كما يقول المغضب لمن رد شيئًا عليه: لا حيلة لي في كذا، وقيل: إن معناه أن ثواب الصيام لا يقاوم في حكم الموازنة ما يستحق من العقاب لما ذكر» 100، والحمد لله رب العالمين.
إن من حكمة الله سبحانه أنه لا يشرع شيئًا من العبادات إلا لمصلحة الإنسان، وإن هذا الدين الإسلامي دين مبني بعد إفراد الله بالعبادة على الحكمة العظيمة، والخير الكثير، فشرع الله تبارك وتعالى أحكام هذا الدين لفوائد مرجوة، ومقاصد جليلة، فإن لهذه الشريعة الإسلامية تكاليف سامية المقاصد، نبيلة الفوائد، بديعة الأسرار، نذكر شيئًا من فوائدها:
1.أن الصوم سبب في دخول الجنة.
وأن الله سبحانه أعد للصائمين بابًا في الجنة لا يدخل منه أحد غيرهم، وأنه يشفع لأصحابه، وأن الله سبحانه أعد للصائمين أجرًا عظيمًا، كما سيأتي بعد جزاء الصائمين.
2.أن الصيام يمنع أو يخفف المنكرات، ويعلم الالتزام بفعل الخيرات.
فالصائم يترك كليًا أو وقت صيامه الدخان، والقات والشمة، فالصائم تراه قارئًا للقرآن، غاضًا بصره عن الحرام، مؤديًا للصلاة في المسجد مع المسلمين، متقربًا لله تعالى بأنواع القربات، يتصدق ويحسن للفقراء والمساكين والمحتاجين؛ لأنه شعر بشيء مما هو واقع بهم وهو الجوع، متنفلًا لله بصلاة التراويح، والقيام، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «قال بعض السلف: أهون الصيام ترك الشراب والطعام، وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء!» 101.
3.في الصيام جملة من الفوائد الصحية.
فبما أن الصيام هو الإمساك عن الطعام والشراب، فعندما يمسك الإنسان فترة من الوقت عن الأكل والشرب فإن الجهاز الهضمي يرتاح وقتًا لا بأس به، ويأخذ فترة للتخلص من الفضلات التي به، وكذلك يتخلص الجسم من السموم، والدهون الموجودة في الجسم، فالجسم البشري يتعرض لكثير من المواد الضارة والسموم التي قد تتراكم في أنسجته، وهذه السموم تأتي للجسم عبر الغذاء الذي يتناوله بكثرة، وتذكر بعض المراجع الطبية أن جميع الأطعمة تقريبًا في هذا الزمان تحتوي على كميات قليلة من المواد السامة، وهذه المواد تضاف إلى الطعام في أثناء إعداده، أو حفظه كالنكهات، والألوان، ومضادات الأكسدة، والمواد الحافظة، والإضافات الكيميائية للنبات أو الحيوان. هذا بالإضافة إلى السموم التي نستنشقها مع الهواء من عوادم السيارات، وغازات المصانع، وسموم الأدوية التي يتناولها الناس بغير ضابط، إلى غير ذلك من سموم الكائنات الدقيقة التي تقطن أجسامنا بأعداد تفوق الوصف والحصر، وأخيرًا مخلفات الاحتراق الداخلي للخلايا والتي تسبح في الدم كغاز ثاني أكسيد الكربون، واليوريا، والكرياتين، والأمونيا، والكبريتات، وحمض اليوريك، ومخلفات الغذاء المهضوم، والغازات السامة التي تنتج من تخمره وتعفنه مثل الأندول، والسكاتول، والفينول 102.
وعلاج مرض البول السكري في مراحله الأولى، وخاصة عند السمنة يكون بالصيام والحمية عن المواد السكرية والنشوية، وعفونة الأمعاء، وتخمراتها يعالج بالصيام.
ومرض ضغط الدم يفيد فيه الصيام بالإقلال من الملح، والدسم الذي يحوي الكولسترول الذي يسبب تصلب الشرايين.
وعسر الهضم يعالج بالحمية، وبتنظيم وجبات الطعام، وعدم إدخال الطعام على الطعام، وهذا موجود في الصيام. وللاستفادة من الصيام ينبغي ألا يسرف الإنسان في الأكل في الفطور، أو السحور، وأن يتبع الحديث النبوي: (ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيماتٌ يقمن صلبه، فإن كان ولا محالة فاعلا فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه) 103، وحتى يكون خفيفًا نشيطًا فيقدر على أعمال العبادة من صلوات التراويح إلى التهجد ... إلخ 104.
4.يعلم الناس الصبر.
الصبر بجميع أنواعه، صبر على طاعة الله تبارك وتعالى بترك الشهوات، الأكل والشرب والجماع وغيرها طلبًا لمرضاة الرب عز وجل، والنفس كما هو معلوم تحب مثل هذه الأشياء فيلزمها تركها ويصبر على ذلك، وصبر عن معصية الله يلزم نفسه الإمساك عن جميع المفطرات؛ لأن ترك الإمساك معصية لرب الأرض والسماوات، وصبر على أقدار الله فالله سبحانه قدر هذا الإمساك وجعله عبادة من العبادات فلابد من الرضا بما قدر، والعمل بما أراد سبحانه، فظهر بهذا أن الصوم يعد مدرسةً لتعليم الصبر.
5.الصوم يعد مدرسة لتعليم النظام والالتزام بالمواعيد.
وذلك لأن الصيام لا بد له من تبييت النية من الليل، ثم الإمساك من طلوع الفجر إلى وقت الغروب، فلا يفطر الإنسان إلا وقت غروب الشمس.
6.يعلم الصوم أهمية وحدة المسلمين واجتماعها.
وذلك أن المسلمين في جميع أنحاء المعمورة يجب عليهم صيام شهر واحد هو رمضان، وكلهم يمسكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نظام دقيق من خالق حكيم سبحانه وتعالى.
وقد ذكر الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله فوائد متعددة للصيام نذكرها مختصرة:
فمنها: كسر النفس فإن الشبع، والري، ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة.
ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر؛ فإن تناول هذه الشهوات قد يقسي القلب ويعميه، ويحول بين العبد وبين الذكر والفكر، وتستدعي الغفلة. وخلو الباطن من الطعام والشراب ينور القلب ويوجب رقته ويزيل قسوته، ويخليه للذكر والفكر.
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرًا من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح؛ فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم؛ فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان وتنكسر سورة الشهوة والغضب 105.
وكل هذه الفوائد مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] .
نسأل الله أن يوفقنا لإخلاص العمل لوجهه الكريم.
إن الله تبارك وتعالى كريم جواد يعطي على القليل الكثير، يضاعف الأجر لعباده، يعمل العبد العبادة فيثيبه رب العالمين الأجر الكبير، فالحسنة بعشر أمثالها ثم تضاعف إلى سبعمائة ضعف إلا الصوم؛ فإنه له سبحانه ويجزي عليه بالأجر العظيم.
وذكر الله جل وعلا جزاء الصائمين في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] .
فالله سبحانه وتعالى جمع أصحاب هؤلاء الصفات ثم قال في آخر الآية: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} ، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «أي: هيأ لهم منه لذنوبهم مغفرة وأجرًا عظيمًا وهو الجنة» 106.
والماوردي رحمه الله يقول: « {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} لعملهم، قاله ابن جبير» 107.
وقال السعدي رحمه الله: « {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ} أي: لهؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجميلة، والمناقب الجليلة، التي هي، ما بين اعتقادات، وأعمال قلوب، وأعمال جوارح، وأقوال لسان، ونفع متعد وقاصر، وما بين أفعال الخير، وترك الشر، الذي من قام بهن، فقد قام بالدين كله، ظاهره وباطنه، بالإسلام والإيمان والإحسان.
فجازاهم على عملهم بـ «المغفرة» لذنوبهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، {وَأَجْرًا عَظِيمًا} لا يقدر قدره، إلا الذي أعطاه، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله أن يجعلنا منهم» 108.
لعظم هذه العبادة جعلها له سبحانه، ويجازي عبده بها، بخلاف غيرها من العبادات؛ فإن كل عمل ابن آدم له إلا الصيام كما ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله: كل عمل ابن آدم له، إلا الصيام؛ فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم) 109.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي) ، (للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه) 110.
يعني: أن الصوم أحب العبادات إلي، والمقدم عندي؛ لأنه قال: (الصيام لي) ، فأضافه إلى نفسه وكفى به فضلًا على سائر العبادات 111.
وبين النبي صلى الله عليه وسلم حين طلب منه أن يرشد إلى أمر يؤخذ عنه، فأرشد إلى الصيام، وقال: (فإنه لا مثل له) ، وفي رواية (لا عدل له) ، كما ثبت عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: مرني بأمر آخذه عنك، قال:(عليك بالصوم؛ فإنه لا مثل له) 112.
وفي رواية: (عليك بالصوم؛ فإنه لا عدل له) 113.
قال المناوي رحمه الله: «عليك بالصوم أي: الزمه، فإنه لا مثل له أي: لأنه يقوي القلب والفطنة، ويزيد في الذكاء والزكاء ومكارم الأخلاق» 114.
وقال رحمه الله: «وإذا صام المرء اعتاد قلة الأكل والشرب، وانقمعت شهواته، وانقلعت مواد الذنوب من أصلها، ودخل في الخير من كل وجه وأحاطت به الحسنات من كل جهة» 115.
ثم إن الله سبحانه وتعالى يجازي الصائمين بالدخول من باب خاصٍ بهم في الجنة لا يدخل معهم غيرهم، باب يقال له: الريان كما ثبت في الصحيحين من حديث سهل رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) 116.
قال النووي: «وفي هذا الحديث فضيلة الصيام، وكرامة الصائمين» 117.
وقال المناوي رحمه الله: « (إن في الجنة بابًا يقال له: الريان) بفتح الراء وشد المثناة التحتية فعلان من الري وهو باب يسقى منه الصائم شرابًا طهورا (يدخل منه) إلى الجنة، (الصائمون يوم القيامة) يعني الذين يكثرون الصوم في الدنيا (لا يدخل منه أحد غيرهم) كرر نفي دخول غيرهم تأكيدًا، (يقال) أي: تقول الملائكة بأمر الله تعالى في الموقف (أين الصائمون) المكثرون للصيام (فيقومون) أي: فينهضون إلى المنادي، فيقال لهم: ادخلوا الجنة (فيدخلون منه فإذا دخلوا) منه أي: دخل آخرهم (أغلق) بالبناء المفعول (فلم يدخل منه) بعد ذلك (أحد) عطف على أحد، أي: لم يدخل منه غير من دخل، ولا يعارضه أن جمعًا تفتح لهم أبواب الجنة يدخلون من أيها شاءوا؛ لإمكان صرف مشيئة غير مكثري الصوم عن دخول باب الريان» 118.
وثبت في السنة أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيام كما في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه) ، قال: (فيشفعان) 119.
فهذا بعض ما ورد في جزاء الصائمين، فحري بكل أحد أن يتعب نفسه في مرضاة ربه، ويكابد النهار ويجوع ويعطش؛ ليحصل على ما تفضل الله به على عباده الصائمين. وفق الله الجميع لطاعته ورضاه.
إن كتاب الله تبارك وتعالى جاء بشرائع الهدى لإصلاح الخلق، وإقامتهم على طريق الحق والفلاح، فلم تسم شريعة من الشرائع أن تبلغ ما في شريعة القرآن من: إحكام، ويسر، ودقة، ذلك أنها شريعة الله تبارك وتعالى التي تنطلق في تكاليفها من رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، ومراعاة مصالحهم وقدراتهم البشرية، قال جل وعلا: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .
وقال سبحانه: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة: 6] .
فمن مظاهر التيسير ورفع الحرج عن هذه الأمة، أنه راعى للمسافر مكانته فأباح له الفطر في رمضان، والقضاء في وقت آخر، وكذلك المريض، وأباح للمرضع والحامل الفطر والقضاء فيما بعد، فكتاب الله سبحانه معجز في نظمه وبلاغته، معجز في تشريعه، معجز في كل شيء.
فالله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184] .
فالصوم خير لنا في دنيانا وأخرانا، خير لنا في صحتنا، وشفاء كثير من الأمراض، فصحة الأبدان من الأمراض والأسقام من عاجل ذلك الخير، ولأهمية الصيام وأثره في الطب يطلب الأطباء من المريض أحيانًا الصيام لإجراء فحص، أو لإجراء جراحة، وهناك فرق بين الصيام الشرعي والصيام الطبي، فالصيام الشرعي تقدم أنه الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية، أما بالنسبة للصيام الطبي فهو: الامتناع الكلي أو الجزئي عن تناول المأكولات والمشروبات معًا، أو عن تناول المأكولات فقط لفترة من الزمن طالت أم قصرت 120.
قال الشيخ محمد راتب النابلسي حفظه الله: «رأى العلماء أن في الصوم وقايةً وعلاجًا من أمراضٍ كثيرةٍ، فبعض الأمراض المستعصية قد يكون علاجها في الصوم؛ كالتهاب المعدة الحاد، وإقياء الحمل العنيد، وبعض أنواع داء السكري، وارتفاع التوتر الشرياني، والقصور الكلوي الحابس للملح، وخناق الصدر، والالتهابات الهضمية المزمنة، وحصيات المرارة، وبعض الأمراض الجلدية. الصوم علاجٌ لبعض الأمراض، ولكنه إذا طبق كما شرعه النبي عليه الصلاة والسلام فهو وقايةٌ من أمراضٍ كثيرةٍ. ثم إن في الصيام -كما يقرر الأطباء- صحةً نفسيةً، وإن في الصيام رفعًا لمستوى النفس، وتعويدًا لها على الحرية من كل قيدٍ، وكل عادة رفعًا لمستوى النفس، وأفضل عادة ألا يتعود الإنسان أي عادةٍ، هذا الذي يدمن التدخين، كيف استطاع أن يقلع عنه في رمضان، إذًا في الإمكان أن يقلع عنه، وأكبر شاهدٍ على ذلك شهر الصيام.
إذًا الإنسان يقوي إرادته بالصيام، والإنسان بالصيام ينمي إخلاصه، إن الصيام عبادة الإخلاص، وإن الصيام أيضًا ينمي مشاعر الإنسان، فقد يكون الطعام والشراب متوفرًا، ولا يستطيع الإنسان أن يأكل أو يشرب منه شيئًا» 121.
وقد يكون من أوجه الإعجاز التشريعي في الصيام أن الله سبحانه شرع هذه العبادة وهو يعلم باستطاعة الناس له، فشرع لهم ما يستطيعون وكلفهم به، ويستحيل أن يكلف الله تبارك وتعالى عباده مالا طاقة لهم به، قال الله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .
قال الإمام الرازي رحمه الله: «الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر فإنه ما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ذلك رعاية لمعنى اليسر والسهولة» 122.
ومن هذا اليسر والسهولة أنه راعى أصحاب الأعذار، فأباح لهم الفطر والقضاء في أيام أخر، كل هذا رحمة بهم.
يضاف إلى ذلك أن الكفارات ومنها الصيام أخذت طابع العقاب، وذلك لمخالفة الإنسان أوامر الرحمن، ولكنها مع ذلك يؤديها الإنسان عبادةً لله تبارك وتعالى، فهي عقوبة زاجرة وجابرة، صيام شهرين متتابعين في كفارة قتل الخطأ والوقاع، وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين، والصيام في بقية الكفارات فيه كلفة ومشقة على الإنسان؛ كونه عقوبة له على ما اقترف من الإثم، ومع ذلك عبادة يؤديها الإنسان، فيعيش أيام الصيام ويكون وقت أداء الكفارة بمثابة محطة يقف فيها الإنسان، فتتولد له الكثير من معاني الندم والتوبة، والله تبارك وتعالى أعلم.
ومن أوجه الإعجاز التشريعي للصيام ما يلي 123:
1.التخلص من السموم.
يتعرض الجسم البشري لكثير من المواد الضارة والسموم التي قد تتراكم في أنسجته، وهذه السموم تأتي للجسم عبر الغذاء الذي يتناوله بكثرة، وتذكر بعض المراجع الطبية أن جميع الأطعمة تقريبًا في هذا الزمان تحتوي على كميات قليلة من المواد السامة، وهذه المواد تضاف إلى الطعام في أثناء إعداده، أو حفظه كالنكهات، والألوان، ومضادات الأكسدة، والمواد الحافظة، والإضافات الكيميائية للنبات أو الحيوان. هذا بالإضافة إلى السموم التي نستنشقها مع الهواء من عوادم السيارات، وغازات المصانع، وسموم الأدوية التي يتناولها الناس بغير ضابط، إلى غير ذلك من سموم الكائنات الدقيقة التي تقطن أجسامنا بأعداد تفوق الوصف والحصر، وأخيرًا مخلفات الاحتراق الداخلي للخلايا والتي تسبح في الدم كغاز ثاني أكسيد الكربون، واليوريا، والكرياتين، والأمونيا، والكبريتات، وحمض اليوريك، ومخلفات الغذاء المهضوم، والغازات السامة التي تنتج من تخمره وتعفنه مثل الأندول، والسكاتول، والفينول 124.
كل هذه السموم جعل الله سبحانه للجسم منها فرجًا ومخرجًا حيث يقوم الكبد وهو الجهاز الرئيس بتنظيف الجسم من السموم، غير أن للكبد جهدًا وطاقة محدودة وقد يعتري خلاياه بعض الخلل لأسباب مرضية أو لأسباب خلقية كتقدم السن، فيترسب جزء من هذه المواد السامة في أنسجة الجسم، وخصوصًا في المخازن الدهنية، وفي الصيام تتحول كميات هائلة من الشحوم المختزنة في الجسم إلى الكبد حتى تؤكسد وينتفع بها وتستخرج منها السموم الذائبة فيها وتزال سميتها ويتخلص منها مع نفايات الجسد.
وبما أن عمليات الهدم في الكبد في أثناء الصيام تغلب عمليات البناء في التمثيل الغذائي فإن فرصة طرح السموم المتراكمة في خلايا الجسم تزداد خلال هذه الفترة ويزداد أيضًا نشاط الخلايا الكبدية في إزالة سمية كثير من المواد السامة وهكذا يعتبر الصيام شهادة صحية لأجهزة الجسم بالسلامة.
يقول الدكتور «ماك فادون» -وهو من الأطباء العالميين الذين اهتموا بدراسة الصوم وأثره-: «إن كل إنسان يحتاج إلى الصوم وإن لم يكن مريضًا؛ لأن سموم الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم فتجعله كالمريض وتثقله فيقل نشاطه، فإذا صام الإنسان تخلص من أعباء هذه السموم وشعر بنشاط وقوة لا عهد له بهما من قبل» 125.
2.التخلص من الشحوم.
ترتبط السمنة بالإفراط في تناول الطعام وخصوصًا الأطعمة الغنية بالدهون هذا بالإضافة إلى أن وسائل الحياة المريحة، والسمنة مشكلة واسعة الانتشار، وقد وجد أن السمنة تقترن بزيادة خطر الأمراض القلبية الوعائية مثل قصور القلب والسكتة القلبية، ومرض الشريان التاجي، ومرض انسداد الشرايين المحيطة بالقلب.
والصيام الشرعي الإسلامي يعد النموذج الفريد للوقاية والعلاج من السمنة في آن واحد، حيث يمثل الأكل المعتدل والامتناع عنه مع النشاط والحركة عاملين مؤثرين في تخفيف الوزن، وذلك بزيادة معدل استقلاب الغذاء بعد وجبة السحور وتحريك الدهن المختزن لأكسدته في إنتاج الطاقة اللازمة بعد منتصف النهار.