يقول الشوكاني في معنى الآية: (مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه، ذكر معناه الزجاج، وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة، والتوبيخ لها، والتوبيخ لفاعلها، والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية، فضلًا عن كونه محرمًا شرعًا) 33.
ويقول ابن عاشور: (الكراهة هنا للاشمئزاز والتقذروالمعنى: فتعين إقراركم بما سئلتم عنه من الممثل به(إذ لا يستطاع جحده) تحققت كراهتكم له وتقذركم منه، فليتحقق أن تكرهوا نظير الممثل وهو الغيبة، فكأنه قيل: فاكرهوا الممثل كما كرهتم الممثل به) 34.
وفي الآية قراءة أخرى:(وقرأ أبو حيوة والجحدري: «فكرهتموه» بضم الكاف وتشديد الراء عدي بالتضعيف إلى ثانٍ، بخلاف قوله أولًا: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ} [الحجرات:7] .
فإنه وإن كان مضعفًا لم يتعد إلا لواحدٍ لتضمنه معنى بغض) 35.
ولو نظرنا إلى مجالس المسلمين، أو حتى في مواقع التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية، لوجدناها مليئة بالمنكرات، والغيبة أكثرها، فيتكلم الناس عن بعضهم البعض، دون أدنى نظرة إلى مدى بشاعة تشبيه الله للغيبة، فهل يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟
وللأسف لم ينج من هذه المعصية إلا من رحم ربه، فقد فشت الغيبة وانتشرت بين الرجال والنساء، العالم والجاهل، البر والفاجر.
فالواجب أن نبتعد كل البعد عن الغيبة، وننصح المسلمين بالبعد، وأن لا نستمع لمن يغتاب، بل وترك المجلس الذي فيه غيبة، فسماعك وسكوتك هو غيبة، حتى لو لم تنطق بكلمة.
رابعًا: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) } [الأنفال:5] .
كما أخرجك ربك من المدينة، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون الخروج معك كراهة الطبع لاحتمال المشقة.
فكره المسلم للقتال، وكره المرأة للحمل والولادة، وكذلك كره المسلم أكل لحم أخيه ميتا، كل هذه الأمور تكرهها طبيعة النفس البشرية، وهذا مثل كره المسلم للوضوء بالماء البارد في الطقس الشديد البرودة، وليس هذا من باب كره حكم الله بإيجاب الوضوء، لذلك عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إسباغ الوضوء على المكاره) 36.
ومن باب التفريق بين الكره الطبعي والكره الشرعي، أسوق مثالا يجمع بينهما وهو كره الرجل زوجته الكتابية، فالله أمرنا أن نكره الكفر، وهذا كره شرعي، وفي الوقت ذاته لم يحرم حبهم الطبعي، فمن الطبيعي أن يحب الرجل زوجته حتى لو كانت على الكفر، وذلك مثل حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب الذي مات على غير الإيمان، فحبهم حب طبعي غير مؤاخذ عليه، وكرههم كره شرعي، مجزي عليه، لأنه كره لأجل الله، وليس لأمر دنيوي.
من خلال التأمل في القرآن الكريم نستنتج أنواع الكره، وهما الكره المحمود والكره المذموم، فما كان لأجل الله فهو محمود، وما كان لأجل الدنيا فهو مذموم، والمحمود يثاب فاعله، أما المذموم فيعاقب فاعله، وسنفصل في هذا بما يأتي:
أولًا: الكره المحمود:
الكره المحمود هو الكره الذي يكون لأجل الله تعالى، وهذا واجب مأمور به، فيثاب فاعله، ويعاقب تاركه، وذلك مثل كره الكافر لكفره، وكره العاصي لمعصيته، والفاسق لفسقه، والمنافق لنفاقه، والدليل على هذا النوع من الكره: قول الله تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) } [الأعراف:88] .
فهنا كره شعيب ومن آمن معه للعودة إلى الكفر هو كره محمود، فالمستكبرون خيروه والذين آمنوا معه، إما الخروج من القرية، وإما أن يعودوا إلى ملتهم أي: ملة الكفر، فرد شعيب عليه السلام بقوله: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} أي: نخرج من ديارنا أو نعود إلى الكفر حتى ولو كنا كارهين! فالاستفهام هنا للإنكار.
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) 37.
وقال تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة:23] .
والكره المحمود ينبني عليه عقيدة البراء الذي يعتبر شرطا من شروط الإيمان؛ والبراء هو: (بغض الطواغيت التي تعبد من دون الله تعالى:(من الأصنام المادية والمعنوية: كالأهواء والآراء) ، وبغض الكفر (بجميع ملله) وأتباعه الكافرين، ومعاداة ذلك كله، لقول الله تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) } [آل عمران: 28] ) 38.
حسبنا الله في هذا الزمان الذي يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، فلا تجد العزة عند بعض المسلمين بل الذلة والمهانة، فمنهم من يخجل من هويته الإسلامية، وآخر يخجل من لغته، وآخر يتباهى برفع صوت الأغاني باللغة الأجنبية أو حتى بلغة العدو، فنرى في بلاد فلسطين الكثير من هؤلاء نتيجة الضعف، وسيطرة الأعداء، والبعد عن الله، ولكن في المقابل وحتى لا نكون مجحفين، فإن هذه قلة قليلة دخيلة، أسأل الله لهم الهداية، فالكثير من المسلمين عندهم العزة في أقوالهم وأفعالهم، تطبيقا لقول الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون:8] .
وقوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح:29] .
ثانيًا: الكره المذموم:
هو الكره الذي يكون لأجل الدنيا، وهذا حرام منهي عنه، فيعاقب فاعله، ويثاب تاركه، مثل كرههم للموحدين لا لشيء إلا لتوحيدهم لله تعالى، وكرههم أهل الطاعة لطاعتهم لله تعالى.
والكره المذموم ينقسم إلى قسمين:
أولًا: كره مخرج من الملة، يتضمن الكراهية لأمر الله ورسوله، وذلك مثل كراهية شيء معلوم من دين الله، وكراهية وجوب أو تحريم شيء من دين الله، مع فعلها! وكراهية تطبيق حكم الله، بدليل قول الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) } [محمد:9] .
فالله عزوجل أحبط أعمالهم بعدما كرهوا ما أنزل الله على رسوله وهو القرآن، فهذا الكره هو الكره العقلي المذموم وليس كرهًا طبعيًا.
وقد كره الكافرون والمشركون والمجرمون للحق، سواء كان الحق هو القرآن الذي أنزله الله أو أي حق كان، لذلك قال الله عنهم في أكثر من آية؛ منها: قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) } [محمد:26] .
القائلون هم المنافقون؛ والكارهون هم اليهود؛ فاليهود كرهوا ما نزل الله، فكرههم هو كره مذموم.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) } [محمد:28] .
أحبط الله أعمالهم؛ لأنهم كرهوا رضوانه واتبعوا ما أسخطه، وكرههم كره مذموم، لهذا أحبط الله أعمالهم.
وقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) } [المؤمنون:70] .
ومع أنه حق إلا أنهم كرهوه، فكرههم هذا هو كره عقلي مذموم وليس كرها طبعيًا، فسيحاسبهم الله عليه، وسيعذبهم به.
وقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) } [الزخرف:78] .
جاء الله بالحق عن طريق الأنبياء والرسل، ولكن الأكثر يكرهونه، والنتيجة الطبيعية لمن يكره الحق هي العذاب الأليم في النار، فالكره هنا هو كره عقلي مذموم.
وقوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ} [التوبة:54] .
فهنا كرههم للإنفاق هو كره عقلي مذموم، وليس كرها طبعيا، فسيحاسبهم الله على هذه الكراهية؛ لأنهم كرهوا أمر الله لمصالحهم في الدنيا.
وقوله تعالى: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:81] .
وهذه من خصل المنافقين الكثيرة؛ وهي تخلفهم عن الجهاد بسبب كراهيتهم له، وهذه الكراهية ليست كراهية لما يلحق بالجهاد من نتائج بل لكرههم أوامر الله، فهذا الكره ليس كرها طبعيا وإنما هو كره عقلي، لذلك يحاسبهم الله على هذا الكره أشد الحساب.
ولو نظرنا إلى حال المسلمين في عصرنا هذا لوجدنا العجب العجاب، فكم ممن يدعي الإسلام لكنه يكره الإسلام وتطبيقه، ويكره أحكام الله كلها أو بعضها، وكم منهم يكره الإسلاميين، وكل من يلتزم سنة النبي عليه الصلاة والسلام باللحية، وكم منهم يقول أن القرآن كله حق لولا وجود آية الميراث، أو آية (تعدد الزوجات) ، أو الحجاب، أو الجهاد، وغير ذلك الكثير، فهل هؤلاء مسلمون!
ثانيًا: كره غير مخرج من الملة، فصاحبه عاص.
الكراهية التي تتعلق بأمر من أمور الدنيا، والتي تؤدي إلى التباعد والتقاطع بين المسلمين مع أن الأصل الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم هو المودة والمحبة، والتسامح، إلا أن المسلم قد يجد في نفسه شيئًا على أخيه المسلم، كالقريب الذي يكره قريبه، والجار الذي يكره جاره، والزميل يكره زميله، كل ذلك لأسباب دنيوية، فهذه معاص ينبغي للمسلم التوبة الصادقة للبعد عنها.
وقد كره الله للمسلمين القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال، فعن المغيرة بن شعبة يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال) 39.
إن لنوعي الكره -المحمود والمذموم- دوافع كثيرة؛ تؤدي إلى حصول الكره، ثم إلى الثواب أو العقاب، وسنذكر دوافع كل منهما على حدة:
أولًا: دوافع الكره المحمود:
إن اختلاف الدين يؤدي إلى اختلاف المشاعر فإن كان الدين واحد فالمشاعر مبنية على الحب، وإن كان الدين مختلف فالمشاعر مبنية على الكره، لذلك قال الله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} [الممتحنة:4] .
الآية تبين أن سبب العداوة والبغضاء بين الناس هي مبنية على الدين، فإن اختلف الدين صار العداوة والبغضاء، وإن اتفق الدين كان الحب والود، وكذلك تبين الآية أن المشاعر تتحول من البغض والكره إلى المحبة بعد تحول الكفار إلى الإيمان.
أما فيما يتعلق في كره العاصي، فنحب إيمانه ونكره معصيته، فنحبه بقدر إيمانه ونكرهه بقدر معصيته، لكن تبقى الأخوة الإيمانية، ويجب عدم لعنهم وسبهم، فرجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه عبد الله وكان يجلده رسول الله في الخمر، فأتى به يوما فأمر فجلده، فقال رجل من القوم: اللهم العنه؛ ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي: (لا تلعنوه، فو الله ما علمت إنه يحب الله ورسوله) 40.
(ذلك أن الحب القلبي لغير المسلمين ليس شيئا واحدا، فمنه ما ينقض(الولاء والبراء) من أساسه، ويكفر صاحبه بمجرده، ومنه ما ينقص من (الولاء والبراء) ولا ينقضه، فيكون معصية تنقص الإيمان ولا تنفيه، ومنه ما لا يؤثر في كمال الإيمان وفي معتقد (الولاء والبراء) ، لكونه مباحا من المباحات، أما الحب القلبي الذي ينقض (الولاء والبراء) وينفي أساس الإيمان: فهو حب الكافر لكفره، وأما الحب القلبي الذي لا يصل إلى حد النقض، لكنه ينقص الإيمان، ويدل على ضعف في معتقد (الولاء والبراء) ، فهو محبة الشخص (كافرا كان أو مسلما) لفسقه أو لمعصية يقترفها، فهذا إثم ولا شك، ولكنه لا يصل إلى درجة الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان؛ إذ لا يزال في المسلمين من يحب المعاصي ويقترفها، ولم يكفرهم أحد من أهل السنة، وهذا الحب قد يكون كبيرة من كبائر الذنوب، وقد لا يكون كذلك، بحسب حال المحبوب ومعصيته، فمن أحب محبوبا لارتكابه الكبائر، فهذا الحب كبيرة، ومن أحبه لصغيرة يرتكبها، فلا يزيد إثمه على إثم من ارتكبها، وهذا التقرير واضح الالتئام، بين المأخذ، بحمد الله تعالى، وأما الحب المباح فهو الحب الطبيعي، وهو الخارج عما سبق، كحب الوالد لولده الكافر، أو الولد لوالديه الكافرين، أو الرجل لزوجه الكتابية، أو المرء لمن أحسن إليه، وأعانه من الكفار، فهذا الحب مباح، ما دام لم يؤثر في بغضه لكفر الكافرين، وفسق الفاسقين، ومعصية العاصين، أما إذا أثر في بغضه، فإنه يعود إلى أحد القسمين السابقين، بما فيهما من تفصيل) 41.
ثانيًا: دوافع الكره المذموم:
1.أمراض القلوب.
الحسد، وهو من أهم أسباب الكراهية بين الناس، فإن الحاسد لم ولن يحب غيره فترى البعض من الناس لا يكره الخير لغيره، فقط؛ بل ويتمنى له الزوال، وهذا يولد الكراهية بين الناس، والحسد مرض من أمراض القلوب، قلما يخلو جسد من حسد، لكن على الكريم أن يخفيه، وهذا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: (والحسد مرض من أمراض النفس، وهو مرض غالب، فلا يخلص منه إلا القليل من الناس، ولهذا يقال: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم يبديه، والكريم يخفيه) 42.
وقد قال تعالى في ذم الحسد والحاسدين لأنه سيؤول إلى الكراهية والبغضاء بين المسلمين: {هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) } [آل عمران:119 - 120] .
وقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) } [آل عمران:118] .
خبث النفس، وهذا من أكثر الأسباب سوءا؛ لأن الكراهية الناتجة عنه سبب متجذر في قلب صاحبه تكون معالجته صعبة للغاية، أما الكراهية بسبب طارئ فسرعان ما تزول.
وخبيث النفس منشغل بتتبع عورات الناس وأخطائهم؛ لأنه يكره الخير لغيره، ويحب لهم الشر والأذى؛ فهو سبب للعداوات بين أفراد المجتمع، يقول الغزالي: (خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة وتكبر ولا طلب مال، إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى فيما أنعم الله به عليه يشق ذلك عليه، وإذا وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم وفوات مقاصدهم وتنغص عيشهم فرح به فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزانته) 43.
الغيبة والنميمة، قال بعض الحكماء: (النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك فقد نقل عنك، والساعي بالنميمة كاذبٌ لمن يسعى إليه، وخائن لمن يسعى به) 44.
وقد نهى الله عز وجل عن الغيبة والنميمة، وبين رسولنا الكريم عذابهما الذي يعذبان به في قبريهما.
قال تعالى: {وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات:12] .
فالله تعالى شبه الغيبة بأكل لحم المسلم لأخيه المسلم، وهل في ذلك أشد كراهة من أن يأكل لحم أخيه المسلم وهو ميت، فمن يغتاب غيره كمن يأكل لحم الميت، وهذا دليل على استقذار الغيبة، وقال: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) } [القلم:10 - 13] .
والهماز كما قال ابن عباس وقتادة: يعني الاغتياب، والمشاء بنميم هو الذي يمشي بين الناس ويحرش بينهم، وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة، وعن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة) 45.
وعن أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة) ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (ذكرك أخاك بما يكره) ، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول، قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته) 46.
الإعجاب والكبر: كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الكبر بطر الحق وغمط الناس) 47.
وبطر الحق يعني: أن تَكَبُّرَهُ يَمْنَعُهُ من قبول الحق، وغمط الناس أي: استحقارهم، والمتكبر والمعجب بنفسه يكره الناس ويكرهه الناس، فلا يحتمل أن يرى غيره وغيره لا يحتملون لقاءه، وما سبب طرد الله لإبليس من الجنة إلا تكبره واستعلائه، وما سبب إغراق فرعون إلا الكبر، وما سبب إهلاك النمرود إلا الكبر، وكذلك كره الكفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكبرهم، وقد خص الله كل من تكبر بسوء العذاب، فعن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قبله مثقال ذرةٍ من كبر) 48.
والفرق بين الكبر والإعجاب هو أن الكبر في المنزلة، بينما الإعجاب في النفس، وكلاهما منهي عنه، وكلاهما يولد الكراهية للمتكبر والمعجب بنفسه.
الظلم، سواء بين الأبناء، أو بين الزوجات، أو المعلم بين طلابه، أو الموظف مع مراجعيه، وغير ذلك، فإنه يولد الكراهية لا محالة، لذلك قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) } [المائدة:8] .
فالعدل واجب شرعي مع جميع الناس، حتى لو كان بينك وبينه بغض وعداوة.
التعدي على حقوق الآخرين، باستئثار المنافع، وعدم إعطائها لمن يستحقها، فإنه يولد الكراهية، وقد حذر الله ورسوله من الاعتداء على الآخرين فقال تعالى: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] .
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) 49.
فمن اعتدى على غيره لا يمكن للآخرين أن يحبوه بل سيكرهونه لظلمه وسلبه حقوقهم.
الكذب والغش؛ والكذب صفة مذمومة، وهي علامة نفاق لذلك فعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاث، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) 50.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غشنا فليس منا) 51.