وقال الشوكاني: « {وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} وظلالهم جمع ظل، والمراد به ظل الإنسان الذي يتبعه، جعل ساجدًا بسجوده حيث صار لازمًا له لا ينفك عنه ... ، فظل المؤمن يسجد لله طوعًا، وظل الكافر يسجد لله كرهًا، وخص الغدو والآصال بالذكر؛ لأنه يزداد ظهور الظلال فيهما، وهما ظرف للسجود المقدر: أي ويسجد ظلالهم في هذين الوقتين ... ، وجاء بـ {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} تغليبًا للعقلاء على غيرهم، ولكون سجود غيرهم تبعًا لسجودهم، ومما يؤيد حمل السجود على الانقياد ما يفيده تقديم (لله) على الفعل من الاختصاص، فإن سجود الكفار لأصنامهم معلوم، ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله في الأمور التي يقرون على أنفسهم بأنها من الله، كالخلق والحياة والموت ونحو ذلك» 128.
«والضمير في قوله سبحانه: {وَظِلَالُهُمْ} يعود على {مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أي: والله تعالى يخضع له من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا، ويخضع له أيضًا بالغدو والآصال ظلال من له ظل منهم؛ لأن هذه الظلال لازمة لأصحابها، والكل تحت قهره ومشيئته في الامتداد والتقلص والحركة والسكون» 129.
أخبر تعالى أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال -أي: بكرة وعشيًّا- فإنه ساجد بظله لله تعالى.
فقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ} [النحل: 48] .
قال ابن كثير: «يخبر تعالى في الآية السابقة عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء، ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها: جمادها وحيواناتها، ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة، فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين، وذات الشمال، أي: بكرة وعشيًا، فإنه ساجد بظله لله تعالى ... ، إذا زالت الشمس سجد كلّ شيء لله عز وجل، وقوله: {وَهُمْ دَاخِرُونَ} أي: صاغرون» 130.
وقيل أيضًا: سجود كل شيء فيه، فالجبال: سجودها فيها، وقيل: أمواج البحر صلاته، ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم 131.
ومعنى قوله: {يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ} أي: تتميّل 132. وتميل وتدور من جانب إلى جانب، فهي في أول النهار على حال، ثم تتقلص، ثم تعود في آخر النهار إلى حال أخرى سجدًا لله، فميلانها ودورانها: سجودها لله عز وجل، ويقال للظل بالعشي: فيء؛ لأنه فاء، أي: رجع من المغرب إلى المشرق، فالفيء الرجوع، والسجود الميل، ويقال: سجدت النخلة إذا مالت 133.
ثالثًا: مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلًا:
أخبر تعالى أنه بسط الظل ومدّه، وأنه جعله متحركًا تبعًا لحركة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنًا لا يتحرك.
فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} [الفرقان: 45] .
فقوله جل ذكره: {أَلَمْ تَرَ} أيها الرسول، أي: تنظر إلى صنيع ربك جلَّ جلاله. ويجوز أن تكون هذه الرؤية من رؤية العين، ويجوز أن تكون من العلم 134.
{كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} أي: ألم تشاهد ببصرك وبصيرتك كمال قدرة ربك وسعة رحمته أنه مدّ على العباد الظل، وذلك قبل طلوع الشمس 135.
أي: بسطه حتى عمّ الأرض، وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس، في قول الجمهور؛ لأنه ظل ممدود، لا شمس معه ولا ظلمة، فهو شبيه بظل الجنة، وقيل: مدّ ظل الأشياء الشاخصة أول النهار من شجر، أو مدر، أو إنسان، ثم قبضها وردها إلى المشرق 136.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «من ها هنا شرع تعالى في بيان الأدلة الدالة على وجوده، وقدرته التامة على خلق الأشياء المختلفة والمتضادة، فقال: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ} ... ، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس» 137.
وقال الحسن وغيره: «مدّ الظل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل: هو من غيوبة الشمس إلى طلوعها، والأول أصح، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة؛ فإن فيها يجد المريض راحة والمسافر وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب.
وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر» 138.
وقوله: {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} أي: ثابتًا على حاله في الطول والامتداد، لا يقصر ولا يطول.
فمعنى جعله ساكنًا، أي: جعله دائمًا لا يزول، ممدود لا تذهبه الشمس، ولا تنقصه 139. فسكونه إما بسكون المظهر له والدليل عليه، وإما بسبب آخر 140.
وقال ابن كثير في معنى: {وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا} : «أي: دائمًا لا يزول، كما قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [القصص: 71 - 72] » 141.
وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} أي: علامة على وجوده؛ إذ لولا الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها؛ إذ بضوئها يعرف، والمعنى: ثم جعلنا الشمس علامة يستدلّ بأحوالها على أحواله، ثم تقلّص الظل يسيرًا يسيرًا، فكلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصانه، وذلك من الأدلة على قدرة الله وعظمته، وأنه وحده المستحق للعبادة دون سواه.
قال ابن كثير: «وقوله: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} أي: لولا أن الشمس تطلع عليه لما عرف، فإن الضد لا يعرف إلا بضده، وقال قتادة والسدي: دليلًا يتلوه ويتبعه حتى يأتي عليه كله» 142.
وقال القرطبي رحمه الله: «أي: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به، أي: أتبعناها إياه، فالشمس دليل، أي: حجة وبرهان، وهو الذي يكشف المشكل ويوضحه، ولم يؤنث الدليل وهو صفة الشمس؛ لأنه في معنى الاسم، كما يقال: الشمس برهان، والشمس حق» 143.
وقوله تعالى: {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} [الفرقان: 46] .
يعني: الظل، يريد ذلك الظل الممدود.
وقوله: {إِلَيْنَا} أي: إلى حيث إرادتنا 144.
و {قَبْضًا يَسِيرًا} أي: يسيرًا قبضه علينا، وكل أمر ربنا عليه يسير 145.
وقيل: {يَسِيرًا} أي: سريعًا 146.
وقيل: أي: أزلناه بضوء الشمس على مهل، جزءًا فجزءًا حتى ينتهي.
فحسب سنته تعالى ففي خفاء كامل، وسرعة تامة، يقبض الظل نهائيًّا، ويحل محله الظلام الحالك 147.
وعن قتادة: « {يَسِيرًا} خفيًا، أي: إذا غابت الشمس قبض الظل قبضًا خفيًا، كلما قبض جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة» 148.
فيكون معنى: {قَبْضًا يَسِيرًا} أي: على مهل قليلًا قليلًا، حسب ارتفاع دليله، وعلى حسب مصالح المخلوقات ومرافقها 149.
والقبض: جمع المنبسط من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض قبل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الله الظل جزءًا فجزءًا، {قَبْضًا يَسِيرًا} أي: خفيًّا 150.
وتوالي الظل والشمس على الخلق الذي يشاهدونه عيانًا، وما يترتب على ذلك من اختلاف الليل والنهار، وتعاقبهما وتعاقب الفصول، وحصول المصالح الكثيرة بسبب ذلك من أدل دليل على قدرة الله وعظمته، وكمال رحمته وعنايته بعباده، وأنه وحده المعبود المحمود المحبوب المعظم، ذو الجلال والإكرام 151.
يقول ابن القيم وهو يبين دلالة قدرة الله تعالى في هذه الآية: «ثم أخبر أنه قبضه بعد بسطه قبضًا يسيرًا، وهو شيء بعد شيء لم يقبضه جملة، فهذا من أعظم آياته الدالة على عظيم قدرته، وكمال حكمته، فندب الرب سبحانه عباده إلى رؤية صنعته وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته، ولو شاء لجعله لاصقًا بأصل ما هو ظل له من جبل وبناء وشجر وغيره، فلم ينتفع به أحد، فإن كان الانتفاع به تابعًا لمدّه وبسطه، وتحوله من مكان إلى مكان، ففي مدّه وبسطه، ثم قبضه شيئًا فشيئًا من المصالح والمنافع ما لا يخفى ولا يحصى، فلو كان ساكنًا دائمًا، أو قبض دفعة واحدة لتعطلت مرافق العالم ومصالحه به وبالشمس، فمدّ الظل وقبضه شيئًا فشيئًا لازم لحركة الشمس على ما قدّرت عليه من مصالح العالم ...
وفي الآية وجه آخر: وهو أنه سبحانه مدّ الظل حين بنى السماء كالقبة المضروبة، ودحا الأرض تحتها، فألقت القبة ظلها عليها، فلو شاء سبحانه لجعله ساكنًا مستقرًا في تلك الحال، ثم خلق الشمس ونصبها دليلًا على ذلك الظل، فهو يتبعها في حركتها، يزيد بها، وينقص ويمتد ويتقلص، فهو تابع لها تبعية المدلول لدليله.
وفيها وجه آخر: وهو أن يكون المراد: قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وهي الأجرام التي تلقي الظلال، فيكون قد ذكر إعدامه بإعدام أسبابه كما ذكر إنشاءه بإنشاء أسبابه.
وقوله تعالى: {قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا} كأنه يشعر بذلك، وقوله: {قَبْضًا يَسِيرًا} يشبه قوله: {ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ} [ق: 44] .
وقوله: {قَبَضْنَاهُ} بصيغة الماضي لا ينافي ذلك، كقوله: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] .
والوجه في الآية هو الأول» 152.
وللرازي في هذا كلام ماتع، ننقله كما جاء، يقول: «ثم إن الناظر إلى الجسم الملون وقت الظل كأنه لا يشاهد شيئًا سوى الجسم وسوى اللون، ونقول: الظل ليس أمرًا ثالثًا، ولا يعرف به إلا إذا طلعت الشمس، ووقع ضوؤها على الجسم زال ذلك الظل، فلولا الشمس ووقوع ضوئها على الأجرام لما عرف أن للظل وجودًا وماهية؛ لأن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، فلولا الشمس لما عرف الظل، ولولا الظلمة لما عرف النور، فكأنه سبحانه وتعالى لما طلع الشمس على الأرض وزال الظل، فحينئذٍ ظهر للعقول أن الظل كيفية زائدة على الجسم واللون.
فلهذا قال سبحانه: {ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا} أي: خلقنا الظل أولًا بما فيه من المنافع واللذات، ثم إنا هدينا العقول إلى معرفة وجوده، بأن أطلعنا الشمس فكانت الشمس دليلًا على وجود هذه النعمة {ثُمَّ قَبَضْنَاهُ} أي: أزلنا الظل لا دفعة، بل يسيرًا يسيرًا، فإنّ كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل في جانب المغرب.
ولما كانت الحركات المكانية لا توجد دفعة، بل يسيرًا يسيرًا فكذا زوال الإظلال لا يكون دفعة، بل يسيرًا يسيرًا، ولأن قبض الظل لو حصل دفعة لاختلت المصالح، ولكن قبضها يسيرًا يسيرًا يفيد معه أنواع مصالح العالم، والمراد بالقبض: الإزالة والإعدام، هذا أحد التأويلين» 153.
ووقت قبض الظل: إما عند طلوع الشمس يقبض الظل، وتجمع أجزاؤه المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسخه شيئًا فشيئًا، أو يكون عند غروب الشمس تقبض أجزاء الظل بعد غروبها، ويخلف كل جزء منه جزءًا من الظلام 154.
رابعًا: ظل أهل النار:
تقدم معنا صفات ظل أهل الجنة، وهنا يذكر سبحانه وتعالى صفات ظل أهل النار، فيقول: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} [الواقعة: 43 - 44] .
ويقول: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات: 30 - 31] .
وقوله تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] .
أما الآية الأولى فقد سبق الكلام عليها.
وأما الآية الثانية فمعناها: أنه يقال للكفار المكذّبين: سيروا إلى عذاب جهنم الذي كنتم به تكذبون في الدنيا، سيروا فاستظلوا بدخان جهنم الذي يتفرع منه ثلاث قطع، لا يظل ذلك الظل من حر ذلك اليوم، ولا يدفع من حر اللهب شيئًا.
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «يقول تعالى مخاطبًا للكفار المكذّبين بالمعاد والجزاء والجنة والنار أنهم يقال لهم يوم القيامة: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} [المرسلات: 30] .
يعني: لهب النار إذا ارتفع وصعد معه دخان، فمن شدته وقوته أن له ثلاث شعب، {لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} أي: ظل الدخان المقابل للهب، لا ظليل هو في نفسه، ولا يغني من اللهب، يعني: ولا يقيهم حر اللهب» 155.
فيقال لهم: {انْطَلِقُوا} أي: سيروا، وهذا خطاب للمكذّبين في يوم الحشر، فهو مقول قول محذوف، دل عليه صيغة الخطاب بالانطلاق، دون وجود مخاطب يؤمر به الآن، والضمير المقدر مع القول المحذوف عائد إلى المكذبين، أي: يقال للمكذبين، والأمر بانطلاقهم مستعمل في التسخير؛ لأنهم تنطلق بهم ملائكة العذاب قسرًا 156.
والمراد بالظل: دخان جهنم، وسمي بذلك لشدة كثافته 157، كقوله: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ} [الواقعة: 43] .
أو سمي هذا الدخان العظيم الخانق بالظل على سبيل التهكم بهم؛ إذ هم في هذه الحالة يكونون في حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده.
وأفرد {ظِلٍّ} هنا؛ لأنه جعل لهم ذلك الدخان في مكان واحد ليكونوا متراصين تحته؛ لأن ذلك التراص يزيدهم ألمًا 158.
ووصف الظل هنا بأنه {ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} أي: من دخان جهنم، وكذلك شأن الدخان العظيم. فيقال لهم: كونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب، كما يكون أولياء الله تعالى في ظل عرشه.
وقيل: يخرج عنق من النار فيتشعب ثلاث شعب على رءوسهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم 159.
أو شعبة منه عن اليمين، وشعبة عن اليسار، وشعبة من فوق، قال الفخر: «وأقول: هذا غير مستبعد؛ لأن الغضب عن يمينه، والشهوة عن شماله، والقوة الشيطانية في دماغه، ومنبع جميع الآفات الصادرة عن الإنسان في عقائده وفي أعماله ليس إلا هذه الثلاثة» 160.
وقيل: إن هذه الآية في عبدة الصليب؛ لأنهم على ثلاث شعب، فيقال لهم: انطلقوا إليه.
{لَا ظَلِيلٍ} نفي عنه أن يظلهم، كما يظل العرش المؤمنين، ونفي أيضًا أن يمنع عنهم اللهب 161.
والشّعب: اسم جمع شعبة، وهي الفريق من الشيء والطائفة منه، أي: ذي ثلاث طوائف، وأريد بها طوائف من الدخان، فإن النار إذا عظم اشتعالها تصاعد دخانها من طرفيها ووسطها لشدة انضغاطه في خروجه منها 162.
وهو كقوله: {نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29] .
والسرادق: الدخان، دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرّق فكان ثلاث شعب، شعبة ها هنا، وشعبة ها هنا، وشعبة ها هنا 163.
ويحتمل في {ثَلَاثِ شُعَبٍ} ما ذكره بعد ذلك، وهو أنه غير ظليل، وأنه لا يغنى من اللهب، وبأنه يرمي بشرر 164، فتكون الثلاث الشعب هو ما فسّره الله: {لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ} أي ثلاث صفات.
وقيل: إن الشّعب الثلاث من الضّريع، والزّقّوم، والغسلين 165، أو شعبة من النار، وشعبة من الدخان، وشعبة من الزمهرير 166.
ومعنى قوله: {لَا ظَلِيلٍ} أي: ليس كالظلّ الذي يقي حر الشمس، وهذا تهكم بهم، وتعريض بأن ظلهم غير ظل المؤمنين، وأنه لا يمنع حر الشمس 167، وهو في معنى قوله تعالى: {وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ} .
وقوله: {وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} أي: وغير مغنٍ عن حر اللهب شيئًا؛ لعدم البرودة فيه. والإغناء: جعل الغير غنيًّا، أي: غير محتاج في ذلك الغرض، وتعديته بـ {مِنَ} على معنى البدلية، أو لتضمينه معنى: يبعد، ومثله قوله تعالى: {وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [يوسف: 67] .
وبذلك سلب عن هذا الظل خصائص الظلال؛ لأن شأن الظل أن ينفس عن الذي يأوي إليه ألم الحر 168.
أما هذا فهو ظل الدخان اللافح الخانق، ظل ساخن لا روح فيه ولا برد.
فيكون سبحانه وتعالى قد وصف هذا الظل بصفات ثلاث:
الصفة الأولى: قوله: {ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} .
والصفة الثانية: لذلك الظل قوله: {لَا ظَلِيلٍ} ، المعنى: أن ذلك الظل لا يمنع حر الشمس.
والصفة الثالثة: قوله تعالى: {وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} ، يقال: أغن عني وجهك، أي: أبعده؛ لأن الغني عن الشيء يباعده، كما أن المحتاج يقاربه 169.
وأشار الشنقيطي وهو يتحدث عما حواه القرآن من العلوم، إلى لطيفة من هذه الآية، حيث قال: «وأما الهندسة: ففي قوله: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ} [المرسلات: 30 - 31] .
فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له» 170.
وهكذا يقول السيوطي في قوله تعالى: {انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} : «الآية فيها عنوان علم الهندسة؛ فإن الشكل المثلث أول الأشكال، وإذا نصب في الشمس على أي ضلع من أضلاعه لا يكون له ظل لتحديد رءوس زواياه، فأمر الله تعالى أهل جهنم بالانطلاق إلى ظل هذا الشكل؛ تهكمًا بهم» 171.
وأما ظلل أهل النار التي من فوقهم ومن تحتهم، فقال تعالى: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ} [الزمر: 16] .
أخبر تعالى في هذه الآية بأن لأولئك الخاسرين يوم القيامة في جهنم من فوقهم قطع عذاب من النار، كهيئة الظّلل المبنية، ومن تحتهم كذلك، ذلك العذاب الموصوف يخوّف الله به عباده؛ ليحذروه، يا عباد فاتقوني، بامتثال أوامري، واجتناب معاصيّ، وهو كقوله: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف: 41] .
وكقوله: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [العنكبوت: 55] .
وهذا يقابل ما أعده الله للمؤمنين، حيث قال: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ} [الزمر: 20] .
وهذه موعظة من الله بالغة، منطوية على غاية اللطف والرحمة، جعلنا الله من أهلها بمنّه وكرمه.
فجعل للمتقين غرف موصوفة بأنها فوقها غرف، وجعلت للمشركين ظلل من النار، وعطف عليها أن من تحتهم ظللًا؛ للإشارة إلى أن المتقين متنعمون بالتنقل في تلك الغرف، وإلى أن المشركين محبوسون في مكانهم، وأن الظلل من النار من فوقهم، ومن تحتهم لتتظاهر الظلل بتوجيه لفح النار إليهم من جميع جهاتهم 172.
و {لَهُمْ} في قوله: {لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ} خبر الظلل، والضمير للخاسرين، و {مِنْ فَوْقِهِمْ} حال من {ظُلَلٌ} .
والظّلل: جمع ظلّة، كغرف جمع غرفة، وهي سحابة تظل كهيئة الصفة، أي: قطع عذاب كالسحاب العظيم، كهيئة الظلل المبنية من النار.
والمعنى: للخاسرين ظلل من النار كثيرة متراكبة بعضها فوق بعض، حال كون تلك الظل من فوقهم، والمراد: طباق وسرادقات من النار ودخانها، وسمى النار ظلة؛ لغلظها وكثافتها.
وفيه: إشعار بشدة حالهم في النار، وتهكم بهم؛ لأن الظلة إنما هي الاستظلال والتبرد، فإذا كانت من النار نفسها، كانت أحر، ومن تحتها أغمّ.
ويكون قوله: {مِنَ النَّارِ} صفة لـ {ظُلَلٌ} ، والمراد: أن النار محيطة بهم من جميع الجوانب 173. وتسمية النار بالظّل مجاز، من حيث إنها محيطةٌ بهم من كل جانب ... ، كقوله تعالى: {يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [العنكبوت: 55] 174.
قال النيسابوري: «أي: أطباق من النار من ظلل الآخرين، فإن لجهنم دركات، كما أن للجنة درجات، وقال المفسرون: سمَّى النار ظلة بغلظها وكثافتها؛ ولأنها تمنع من النظر إلى ما فوقهم، فصارت محيطة بهم من جميع الجوانب، حائلة من النظر إلى شيء آخر» 175.
وقوله: {وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ} قال في التبيان: «لهم من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل، فالظلل التي فوقهم لهم، والتي تحتهم لغيرهم، ممن تحتهم؛ لأن الظلل إنما تكون من فوق» 176.
وقال الخازن: «فإن قلت: الظلة ما فوق الإنسان، فكيف سمي ما تحته بالظلة؟! قلت: فيه وجوه:
الأول: أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر.
الثاني: أن الذي تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته في النار؛ لأنها دركات.