فهرس الكتاب

الصفحة 1468 من 2431

أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب، فقال: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل، فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم، وهذا أيضًا باطل، فإنه لا فائدة فيه وهو الوجه الثاني.

فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيبًا آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معًا» 29.

ونقل ابن كثير أن بعض العلماء قال: «كلّ ما أحلّ اللّه تعالى فهو طيّبٌ نافعٌ في البدن والدّين، وكلّ ما حرّمه فهو خبيثٌ ضارٌّ في البدن والدّين» 30.

وقد بين الله الواجب علينا تجاه الطيبات التي امتن بها علينا.

أمر الله سبحانه وتعالى الصحابة أن يقابلوا فضله عليهم بالطيبات، بأن يحققوا شكرها، فقال تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الأنفال: 26] .

المقصود بالطيبات في هذه الآية قولان:

أحدهما: أنها الغنائم التي أحلها لهم، قاله السدي.

والثاني: أنها الخيرات التي مكنهم منها، ذكره الماوردي 31.

وذكر أنه امتن عليهم بهذه النعم لشكره والقيام بعبادته.

وقال الطبري في تفسير قوله تعالى: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} يقول: «وأطعمكم غنيمتهم حلالًا طيّبًا {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} يقول: لكي تشكروا على ما رزقكم، وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم» 32.

{لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فمن ذا الذي يتأمل هذه النقلة البعيدة، ثم لا يستجيب لصوت الحياة الآمنة القوية الغنية، صوت الرسول الأمين الكريم، ثم من ذا الذي لا يشكر الله على إيوائه ونصره وآلائه، وهذا المشهد وذلك معروضان عليه، ولكل منهما إيقاعه وإيحاؤه؟

على أن القوم إنما كانوا يعيشون هذا المشهد وذاك كانوا يذكرون بما يعرفون من حالهم في ماضيهم وحاضرهم، ومن ثم كان لهذا القرآن في حسهم ذلك المذاق 33.

وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] .

قال الطبري: « {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57] .

يعني: أطعموا من حلال الرّزق الّذي أحللناه لكم، فطاب لكم بتحليلي إيّاه لكم ممّا كنتم تحرّمون أنتم ولم أكن حرّمته عليكم من المطاعم والمشارب.

{وَاشْكُرُوا لِلَّهِ} يقول: وأثنوا على اللّه بما هو أهله منكم على النّعم الّتي رزقكم، وطيّبها لكم.

{إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يقول: إن كنتم منقادين لأمره، سامعين مطيعين، فكلوا ممّا أباح لكم أكله وحلّله وطيّبه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشّيطان» 34.

وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114] .

يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره: فكلوا أيّها النّاس ممّا رزقكم اللّه من بهائم الأنعام الّتي أحلّها لكم حلالًا طيّبًا مذكّاةً غير محرّمةٍ عليكم.

{وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} يقول: واشكروا اللّه على نعمه الّتي أنعم بها عليكم في تحليله ما أحلّ لكم من ذلك، وعلى غير ذلك من نعمه.

{إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} يقول: إن كنتم تعبدون اللّه، فتطيعونه فيما يأمركم وينهاكم» 35.

والشكر يكون بالاعتراف بها بالقلب، والثناء على الله بها، وصرفها في طاعة الله 36.

وإظهار اسم الجلالة في قوله: {وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ} مع أنّ مقتضى الظّاهر الإضمار؛ لزيادة التّذكير 37.

ذكر القرآن الكريم صورًا للطيبات المعنوية نبينها فيما يأتي:

أولًا: الاعتقاد:

أخبر سبحانه وتعالى أنه يختبر العباد ليتبين طيب القلب والاعتقاد من خبيثه، فقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] .

يقول تعالى ذكره: يحشر اللّه هؤلاء الّذين كفروا بربّهم، وينفقون أموالهم للصّدّ عن سبيل اللّه إلى جهنّم؛ ليفرّق بينهم وهم أهل الخبث، كما قال وسمّاهم {الْخَبِيثَ} وبين المؤمنين باللّه وبرسوله، وهم الطّيّبون، كما سمّاهم جلّ ثناؤه، فميّز جلّ ثناؤه بينهم بأن أسكن أهل الإيمان به وبرسوله جنّاته، وأنزل أهل الكفر ناره 38.

ويقول الرازي: «ليميز اللّه الخبيث من الطّيّب، وفيه قولان:

القول الأول: ليميز اللّه الفريق الخبيث من الكفّار من الفريق الطّيّب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعضٍ، فيركمه جميعًا، وهو عبارةٌ عن الجمع والضّمّ حتّى يتراكموا، كقوله تعالى: {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن (19) ] .

يعني: لفرط ازدحامهم، فقوله: (أولئك) إشارةٌ إلى الفريق الخبيث.

والقول الثاني: المراد بالخبيث: نفقة الكافر على عداوة محمّدٍ، وبالطّيّب: نفقة المؤمن في جهاد الكفّار، كإنفاق أبي بكرٍ وعثمان في نصرة الرّسول عليه الصلاة والسلام، فيضمّ تعالى تلك الأمور الخبيثة بعضها إلى بعضٍ، فيلقيها في جهنّم، ويعذّبهم بها، كقوله تعالى: {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} [التوبة: 35] » 39.

وفي آية أخرى يشير سبحانه إلى أنه وإن لم يفتضح ويتميز هؤلاء الذين يحملون خبيث الاعتقاد في الدنيا، ففي الآخرة لا بد أن يميز الله الخبيث من الطيب بأن يحشر هؤلاء الكافرون إلى النار {وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [الأنفال: 36 - 37] .

وفي معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها: «ليميز أهل السعادة من أهل الشقاء» ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال السدي، ومقاتل: «يميز المؤمن من الكافر» ، والثاني: «ليميز العمل الطيب من العمل الخبيث» ، قاله أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، والثالث «ليميز الإنفاق الطيب في سبيله، من الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان» ، قاله ابن زيد والزجاج 40.

قال ابن كثير: «وقوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما في قوله: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} فيميز أهل السّعادة من أهل الشّقاء، وقال السّدّي: يميز المؤمن من الكافر، وهذا يحتمل أن يكون هذا التّمييز في الآخرة، كما قال تعالى: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ} [يونس: 28] .

وقال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} [الروم: 14] .

وقال في الآية الأخرى: {يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ} [الروم: 43] .

وقال تعالى: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ} [يس: 59] .

ويحتمل أن يكون هذا التّمييز في الدّنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون (اللّام) معلّلةً لما جعل اللّه للكفّار من مالٍ ينفقون في الصّدّ عن سبيل اللّه، أي: إنّما أقدرناهم على ذلك {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنّكول عن ذلك، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ} [آل عمران: 166 - 167] .

وقال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ} [آل عمران (179) ] .

وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 142] .

ونظيرتها في براءة أيضًا.

فمعنى الآية على هذا: إنّما ابتليناكم بالكفّار يقاتلونكم، وأقدرناهم على إنفاق الأموال وبذلها في ذلك؛ ليتميّز الخبيث من الطّيّب، فيجعل الخبيث بعضه على بعضٍ {فَيَرْكُمَهُ} أي: يجمعه كلّه، وهو جمع الشّيء بعضه على بعضٍ، كما قال تعالى في السّحاب: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} [النور: 43] .

أي: متراكمًا متراكبًا {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} أي: هؤلاء هم الخاسرون في الدّنيا والآخرة 41.

ثانيًا: الأعمال:

أكد سبحانه أنه مهما ارتفع خبيث الأعمال، ومهما كثر فلا بد أن يخزيه الله، ويتميز أهل العمل الطيب.

قال تعالى: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100] .

{قُلْ} للناس محذرًا عن الشر، ومرغبًا في الخير {لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} من كل شيء، فلا يستوي الإيمان والكفر، ولا الطاعة والمعصية، ولا أهل الجنة وأهل النار، ولا الأعمال الخبيثة والأعمال الطيبة، ولا المال الحرام بالمال الحلال.

{وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} فإنه لا ينفع صاحبه شيئًا، بل يضره في دينه ودنياه.

{فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} فأمر أولي الألباب، أي: أهل العقول الوافية، والآراء الكاملة، فإن الله تعالى يوجه إليهم الخطاب، وهم الذين يؤبه لهم، ويرجى أن يكون فيهم خير.

ثم أخبر أن الفلاح متوقف على التقوى التي هي موافقة الله في أمره ونهيه، فمن اتقاه أفلح كل الفلاح، ومن ترك تقواه حصل له الخسران، وفاتته الأرباح 42.

وقال في الظلال: «ثم تختم الفقرة بميزان يقيمه الله للقيم؛ ليزن به المسلم ويحكم، ميزان يرجح فيه الطيب، ويشيل الخبيث؛ كي لا يخدع الخبيث المسلم بكثرته في أي وقت، وفي أي حال! {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 100] .

إن المناسبة الحاضرة لذكر الخبيث والطيب في هذا السياق، هي مناسبة تفصيل الحرام والحلال في الصيد والطعام، والحرام خبيث، والحلال طيب، ولا يستوي الخبيث والطيب، ولو كانت كثرة الخبيث تغر وتعجب، ففي الطيب متاع بلا معقبات من ندم أو تلف، وبلا عقابيل 43 من ألم أو مرض، وما في الخبيث من لذة إلا وفي الطيب مثلها على اعتدالٍ، وأمن من العاقبة في الدنيا والآخرة، والعقل حين يتخلص من الهوى بمخالطة التقوى له ورقاقة القلب له، يختار الطيب على الخبيث، فينتهي الأمر إلى الفلاح في الدنيا والآخرة {فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} » 44.

ثالثًا: الأقوال:

ضرب الله عز وجل مثلًا للأقوال الطيبة والأقوال الخبيثة، فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 24 - 26] .

يقول سبحانه: ألم تر كيف ضرب الله مثلًا كلمة طيبة، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وفروعها، كشجرة طيبة، وهي النخلة، أصلها ثابت في الأرض، وفرعها منتشر في السماء، وهي كثيرة النفع دائمًا، تؤتي ثمرتها كل حين بإذن ربها، فكذلك شجرة الإيمان، أصلها ثابت في قلب المؤمن، علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب، والعمل الصالح، والأخلاق المرضية، والآداب الحسنة، في السماء دائمًا يصعد إلى الله منه من الأعمال والأقوال التي تخرجها شجرة الإيمان ما ينتفع به المؤمن، وينفع غيره، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ما أمرهم به، ونهاهم عنه، فهذه صفة كلمة التوحيد وثباتها في قلب المؤمن.

ثم ذكر ضدها وهي كلمة الكفر وفروعها، فقال: ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة المأكل والمطعم، وهي: شجرة الحنظل ونحوها، اجتثت هذه الشجرة من فوق الأرض ما لها من ثبوت، فلا عروق تمسكها، ولا ثمرة صالحة تنتجها، بل إن وجد فيها ثمرة فهي ثمرة خبيثة؛ كذلك كلمة الكفر والمعاصي، ليس لها ثبوت نافع في القلب، ولا تثمر إلا كل قول خبيث وعمل خبيث، يستضر به صاحبه، ولا ينتفع، فلا يصعد إلى الله منه عمل صالح، ولا ينفع نفسه، ولا ينتفع به غيره 45.

قال الإمام ابن القيم: «شبه سبحانه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة: هي شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة، الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مُرْضٍ لله فهو ثمرة هذه الكلمة» .

وفي تفسير علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كلمة طيبة: شهادة أن لا إله إلا الله، كشجرة طيبة وهو المؤمن، أصلها ثابت قول: لا إله إلا الله في قلب المؤمن، وفرعها في السّماء يقول: يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء» .

وقال الربيع بن أنس: «كلمة طيبة: هذا مثل الإيمان، فإن الإيمان: الشجرة الطيبة، وأصلها الثابت الذي لا يزول: الإخلاص فيه، وفرعها في السماء: خشية الله، والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن، فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوًّا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين» .

وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها، فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها، فعرف حقيقة إلهيته التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفي تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللًا غير ناكبة عنها، ولا باغية سواها بدلًا، كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلًا، فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى.

وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلمًا كثيرًا طيبًا، يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح الكلم الطيب، كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] .

فأخبر سبحانه أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وأخبر أن الكلمة الطيبة تثمر لقائلها عملًا صالحًا كل وقت.

والمقصود: أن كلمة التوحيد إذا شهد بها المؤمن عارفًا بمعناها وحقيقتها نفيًا وإثباتًا، ومتصفًا بموجبها، قائمًا قلبه ولسانه وجوارحه بشهادته.

فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل من هذا الشاهد أصلها ثابت راسخ في قلبه، وفروعها متصلة بالسماء، وهي مخرجة ثمرتها كل وقت 46.

هذه هي صفة المؤمن كما بينها رب العالمين، والذي بين لنا في آية أخرى أنه يهدي هذا المؤمن دومًا إلى كل قول طيب، {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} [الحج: 24] .

وجائز أن يكون هذا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا هو قول التوحيد، وشهادة الإخلاص، وأمّا في الآخرة كقوله: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] .

فهو القول الطيب الذي هدوا إليه.

وقال بعضهم: «قوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} هو القرآن {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} الإسلام وشرائعه» .

وقال قتادة: «ألهموا التسبيح والتحميد كما ألهموا النفس» .

وقال: « {الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} هو كل قول حسن» 47.

قال الإمام ابن كثير: «وقوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} كقوله: {وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} [إبراهيم: 23] .

وقوله: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23 - 24] .

وقوله: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا} [الواقعة: 25 - 26] .

فهدوا إلى المكان الّذي يسمعون فيه الكلام الطّيّب {وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا} [الفرقان: 75] .

لا كما يهان أهل النّار بالكلام الّذي يروّعون به، ويقرّعون به، يقال لهم: {وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الحج: 22] .

وقوله: {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي: إلى المكان الّذي يحمدون فيه ربّهم، على ما أحسن إليهم، وأنعم به، وأسداه إليهم، كما جاء في الصّحيح أنّهم: (يلهمون التّسبيح والتّحميد، كما تلهمون النّفس) 48.

وقد قال بعض المفسّرين في قوله: {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ} أي: القرآن، وقيل: لا إله إلّا اللّه، وقيل: الأذكار المشروعة {وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ} أي: الطّريق المستقيم في الدّنيا، وكلّ هذا لا ينافي ما ذكرناه، والله أعلم» 49.

وهذا القول الطيب الذي يهدي الله المؤمنين إليه هو الذي يرفع إلى الله عز وجل، ويقبله، ويثني على صاحبه.

{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ} [فاطر: 10] .

يقول تعالى ذكره: إلى الله يصعد ذكر العبد إياه وثناؤه عليه {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} يقول: ويرفع ذكر العبد ربه إليه عمله الصالح، وهو العمل بطاعته، وأداء فرائضه، والانتهاء إلى ما أمر به.

وفي قوله تعالى: {يَرْفَعُهُ} ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها ترجع إلى الكلم الطّيّب، فالمعنى: «والعمل الصالح يرفع الكلم الطّيّب» ، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، والحسن، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك.

وكان الحسن يقول: «يعرض القول على الفعل، فإن وافق القول الفعل قبل، وإن خالف ردّ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت