وقال تعالى عن قصة عبادتهم للعجل: (ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چچ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأعراف: 148 - 155] .
فيخبر تعالى عن ضلال من ضل من بني إسرائيل، في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلًا، جسدًا لا روح فيه، وقد احتال بإدخال الريح فيه، حتى صار يسمع له خوار -كصوت البقر- وإنما أضاف الصوت إليه؛ لأنه كان محله عند دخول الريح جوفه، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى، وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور، حيث يقول إخبارًا عن نفسه الكريمة (? ? ? ? ? ? ? ?) 162.
وذكر جل وعلا: أن موسى عليه السلام رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفًا على قومه من أجل عبادتهم العجل 163.
ومع شدة غضبه إلا أنه دعاهم وأكّد ما دعاهم إليه من قبل فقال: (پ ?) للتذكير بالبون الشاسع بين حال الخلف وحال المخلوف عنه، وتصوير لفظاعة ما خلفوه به، أي: بعدما سمعتم مني التحذير من الإشراك وزجركم عن تقليد المشركين 164.
وقال تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 20 - 21] .
أمرهم رسول الله موسى عليه السلام بالدخول إليها، وبقتال أعدائهم، وبشرهم بالنصرة، والظفر عليهم، فنكلوا وعصوا وخالفوا أمره، فعوقبوا بالذهاب في التيه والتمادي في سيرهم حائرين لا يدرون كيف يتوجهون فيه إلى مقصد، مدة أربعين سنةً عقوبةً لهم على تفريطهم في أمر الله تعالى 165، فهم لما رفضوا دعوة موسى عليه السلام وتركوا أمر ربهم عاقبهم سبحانه.
وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) [البقرة: 67 - 71] .
أي: واذكروا ما جرى لكم مع موسى، حين قتلتم قتيلًا وادّارأتم فيه، أي: تدافعتم واختلفتم في قاتله، حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد -لولا تبيين الله لكم- لحدث بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل: اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره، وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا الاعتراض، فقالوا: (ھ ھ) فقال نبي الله: (? ? ? ? ? ?) فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه، وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه، فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه، والرحمة لعباد الله، فلما قال لهم موسى ذلك؛ علموا أن ذلك صدق فقالوا: (? ? ? ? پ پ پ) 166، وهذا نوع من أنواع تعنتهم المألوفة، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك في غالب ما أمرهم الله به ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة لأجزأهم ذبح بقرة من عرض البقر، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم 167، فكانت هذه دعوة منه عليه السلام لتنتهي قصة القتيل، فلم يستجيبوا لهذه الدعوة، واتخذوا مسلك العناد والتعنت فكانت النتيجة أن شدّد عليهم في شأن هذه البقرة، لما لم يستجيبوا لدعوة نبيهم من أول مرة.
-دعوة محمد صلى الله عليه وسلم.
وتعتبر دعوته صلى الله عليه وسلم خاتمة الدعوات وأفضلها وأكملها وأشرفها، فكان شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، ولقد حظيت دعوته بأنواع الأذى ولاقت صنوف العذاب، حتى مكّن الله تعالى لها في الأرض، ويعتبر النظر في القرآن الكريم كله نظرٌ إلى الدعوة التي جاء بها، وسار عليها، وجاهد من أجلها، والنظر في سنته يبيّن مجمل دعوته، ويخصص عامّها، ويقيد مطلقها، ويوضحها غاية الوضوح.
وكذلك النظر في سيرته التي توضح المنهج الدعوي الذي سار عليه ويجب على الأمة أن تمضي عليه 168.
فظهر من دعوة هؤلاء الأنبياء أنهم دعوا أقوامهم إلى التوحيد، وبذلوا كل ما يستطيعون في سبيل هذه الدعوة، فكانت طريقًا ناح من أجله نوح، وألقي في النار إبراهيم، وعالج موسى بني إسرائيل أشد المعالجة، وعالج أنواع الأذى محمد، ولقد كانوا صابرين في سبيل دعوة ربهم، مضحّين بكل شيء من أجلها، سالكين كل سبيل ينقذ قومهم من عذاب الله تعالى.
ثانيًا: المصلحون و أتباع الرسل:
لما دعا الأنبياء إلى الله تعالى آمن بهم بعض الناس، ومن هؤلاء المؤمنين من سار على درب رسله، وعلم أنه لا بد أن يدعو إلى المنهج الذي جاءت به الرسل.
ومن تلك النماذج:
ما ذكره الله عز وجل من قصة صاحب الجنتين، فقال سبحانه وتعالى: {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42) } [الكهف: 37 - 42] .
فقال له صاحبه أي: الذي عيره بالفقر، تعييرًا له على كفره، {وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} أي: يراجعه كلام التعيير على الكفر، محاورته كلام التعيير على الفقر، في ضمن النكير عليه، {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ} أي: يجعل التراب نباتًا، ثم جعله غذاءً يتولد منه النطفة، {ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} أي: عدلك وكملك إنسانًا ذكرًا بالغًا مبلغ الرجال؟ 169.
فذكره صاحبه المؤمن حاله الأولى التي أوجده الله فيها في الدنيا {مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} فهو الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد والإمداد، وواصل عليك النعم، ونقلك من طور إلى طور، حتى سواك رجلًا كامل الأعضاء والجوارح المحسوسة، والمعقولة، وبذلك يسر لك الأسباب، وهيأ لك ما هيأ من نعم الدنيا، فلم تحصل لك الدنيا بحولك وقوتك، بل بفضل الله تعالى عليك.
فكيف يليق بك أن تكفر بالله الذي خلقك من تراب، ثم من نطفة ثم سواك رجلًا، وتجحد نعمته، وتزعم أنه لا يبعثك؟
ثم أخبره أن نعمة الله عليه بالإيمان والإسلام، ولو مع قلة ماله وولده، هي النعمة الحقيقية، وأن ما عداها معرض للزوال والعقوبة عليه والنكال، فقال: أنت -وإن فخرت علي بكثرة مالك وولدك، ورأيتني أقل منك مالًا وولدًا- فإن ما عند الله خير وأبقى، وما يرجى من خيره وإحسانه، أفضل من جميع الدنيا، التي يتنافس فيها المتنافسون 170.
وهكذا تنتفض عزة الإيمان في النفس المؤمنة، فلا تبالي المال والنفر، ولا تداري الغنى والبطر، ولا تتلعثم في الحق، ولا تجامل فيه الأصحاب، هكذا يستشعر الداعية المؤمن أنه عزيز أمام الجاه والمال، وأن ما عند الله خير من أعراض الحياة، وأن فضل الله عظيم وهو يطمع في فضل الله، وأن نقمة الله جبارة، وأنها وشيكة أن تصيب الغافلين المتبطرين 171.
فدعاه إلى الله والاعتراف بنعمته عليه؛ ولم يمنعه فقره ولا قلته عن دعوة متكبر على عباد الله أن يرجع إلى الله ويستسلم لأمره، ويعرف حقه في ما أكرمه به.
ومن نماذج الدعاة الناصحين الذين ذكرهم القرآن: صاحب ياسين.
قال تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) } [يس: 20 - 27] .
جاء من أقصى مدينة القوم الذين أرسلت إليهم الرسل رجل يسعى إليهم؛ وذلك أن أهل المدينة عزموا، واجتمعت آراؤهم على قتل الرسل الثلاثة فيما ذكر، فبلغ ذلك هذا الرجل، وكان منزله أقصى المدينة، وكان مؤمنًا، فكان هذا حرصًا على نصح قومه حين سمع ما دعت إليه الرسل وآمن به، وعلم ما ردّ به قومه عليهم فقال لهم: {يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} فأمرهم باتباعهم ونصحهم على ذلك، وشهد لهم بالرسالة، ثم ذكر تأييدًا لما شهد به ودعا إليه 172.
فجاء من أقصى المدينة يسعى؛ ليقوم بواجبه في دعوة قومه إلى الحق، وفي كفهم عن البغي، وفي مقاومة اعتدائهم الأثيم الذي يوشكون أن يصبوه على المرسلين، وإن الذي يدعو مثل هذه الدعوة وهو لا يطلب أجرًا ولا يبتغي مغنمًا؛ إنه لصادق، وإلا فما الذي يحمله على هذا العناء إن لم يكن يلبي تكليفًا من الله؟ ما الذي يدفعه إلى حمل هم الدعوة؟ ومجابهة الناس بغير ما ألفوا من العقيدة؟ والتعرض لأذاهم وشرهم واستهزائهم وتنكيلهم، وهو لا يجني من ذلك كسبًا، ولا يطلب منهم أجرًا؟
وهداهم واضح في طبيعة دعوتهم، فهم يدعون إلى إله واحد، ويدعون إلى نهج واضح، ويدعون إلى عقيدة لا خرافة فيها ولا غموض، فهم مهتدون إلى نهج سليم، وإلى طريق مستقيم، وهكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة، وأشهدهم عليها، وهو يوحي إليهم أن يقولوها كما قالها، أو أنه لا يبالي بهم ماذا يقولون.
ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوه أن قتلوه، وإن كان لا يذكر شيئًا من هذا صراحة، إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها، وعلى القوم وما هم فيه ويرفعه لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق، متبعًا صوت الفطرة، وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل، نراه في العالم الآخر، ونطلع على ما ادخر الله له من كرامة تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد 173.
فهذا مؤمن واحد آمن وصدق برسالة رسله، ثم دعا إلى اتبّاعهم وتحمّل البلاء في ذلك، ومات من أجل دعوته الصحيحة التي ترشد إلى عبودية الله تعالى وحده دون سواه.
ومن النماذج القرآنية للدعاة المصلحين: مؤمن آل فرعون.
قال تعالى: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) } [غافر: 38 - 46] .
فإنه كان مؤمنًا كما وصفه الله، ولا يشك المؤمن وذكّرهم ما هم فيه من الملك؛ ليشكروا الله ولا يتمادوا في كفرهم، ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذّرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم، وكرر ذلك الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله وصرح بإيمانه، ولم يسلك المسالك المتقدمة من إيهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدى للتذكير كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم به موسى، كما يقوله الرجل المحب لقومه من التحذير عن الوقوع فيما يخاف عليهم الوقوع فيه.
ثم فسر الدعوتين فقال: {تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} وليس له دعوة توجب له الألوهية في الدنيا ولا في الآخرة، ومرجعنا ومصيرنا إلى الله بالموت أولًا، وبالبعث آخرًا، فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر، {وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} ، أي: المستكثرين من معاصي الله، {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ} إذا نزل بكم العذاب وتعلمون أني قد بالغت في نصحكم وتذكيركم 174.
وشتان بين دعوة ودعوة، إن دعوته لهم واضحة مستقيمة، إنه يدعوهم إلى العزيز الغفار، يدعوهم إلى إله واحد تشهد آثاره في الوجود بوحدانيته، وتنطق بدائع صنعته بقدرته وتقديره، يدعوهم إليه؛ ليغفر لهم وهو القادر على أن يغفر، الذي تفضل بالغفران: {الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ} ، فإلى أي شيء يدعونه؟
يدعونه للكفر بالله، عن طريق إشراك ما لا علم له به من مدعيات وأوهام وألغاز.
ويقرر من غير شك ولا ريبة أن هؤلاء الشركاء ليس لهم من الأمر شيء، وليس لهم شأن لا في دنيا ولا في آخرة، وأن المرد لله وحده، وأن المسرفين المتجاوزين للحد في الادعاء سيكونون أهل النار 175.
فهذا الرجل من قوم فرعون آمن بموسى عليه السلام، ولما علم أن الخير في دعوة موسى دلّ قومه عليها، وحذرهم من مخالفتها، وبين لهم بطلان دعوتهم أمام دعوة الله فكان من أفضل الداعين.
ومن النماذج أيضًا: دعاة الجن.
قال تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32) } [الأحقاف: 29 - 32] .
كان الله تعالى قد أرسل رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق إنسهم وجنهم، وكان لا بد من إبلاغ الجميع لدعوة النبوة والرسالة، فالإنس يمكنه عليه الصلاة والسلام دعوتهم وإنذارهم، وأما الجن فصرفهم الله إليه بقدرته، وأرسل إليه {نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا} أي: وصى بعضهم بعضًا بذلك، {فَلَمَّا قُضِيَ} وقد وعوه وأثر ذلك فيهم {وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} نصحًا منهم لهم، وإقامةً لحجة الله عليهم، وقيضهم الله معونةً لرسوله صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن 176.
فيقول تعالى ذكره مخبرًا عن قيل هؤلاء النفر من الجنّ قالوا لقومهم: أجيبوا رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى ما يدعوكم إليه من طاعة الله، وصدّقوه فيما جاءكم به وقومه من أمر الله ونهيه، وغير ذلك مما دعاكم إلى التصديق به؛ يغفر لكم ذنوبكم فيسترها لكم، ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته إياكم عليها، وينقذكم من عذاب موجع إذا أنتم تبتم من ذنوبكم، وأنبتم من كفركم إلى الإيمان بالله وبداعيه، ومن لا يجب أيّها القوم رسول الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، فليس بمعجز ربه بهربه، إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه، وليس لمن لم يجب داعي الله من دون ربه نصراء ينصرونه من الله إذا عاقبه ربه على كفره به وتكذيبه داعيه 177.
وقوله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) } [الجن: 1 - 3] .
{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) } [الجن: 15 - 17] .
وهذه السورة سميت بهذا الاسم لاشتمالها على تفاصيل أقوالهم في تحسين الإيمان، وتقبيح الكفر، وكانت أقوالهم أشد تأثيرًا في قلوب العامة، لتعظيمهم إياهم 178.
فعلموا الصواب وتنبهوا لجميع أخطائهم خاصةً أنهم تنبهوا على الخطأ فيما اعتقده كفرة الجنّ من تشبيه الله بخلقه واتخاذه صاحبةً وولدًا، فاستعظموه ونزهوه عنه 179.
والاتجاه بالخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثير العطف على شخص الرسول في قلب المستمع لهذه السورة، عطفًا مصحوبًا بالحب، وهو يؤمر أن يعلن تجرده من كل شيء في أمر هذه الدعوة إلا البلاغ، والرقابة الإلهية المضروبة حوله وهو يقوم بهذا البلاغ 180.
وجمعوا بين الإيمان الذي يدخل فيه جميع أعمال الخير، وبين التقوى المتضمنة لترك الشر، وجعلوا السبب الداعي لهم إلى الإيمان وتوابعه ما علموه من إرشادات القرآن، وما اشتمل عليه من المصالح والفوائد واجتناب المضار، فإن ذلك آية عظيمة، وحجة قاطعة، لمن استنار به، واهتدى بهديه، وهذا الإيمان النافع، المثمر لكل خير، المبني على هداية القرآن، بخلاف إيمان العوائد، والمربى والإلف ونحو ذلك، فإنه إيمان تقليد تحت خطر الشبهات والعوارض الكثيرة 181.
وتهدف السورة إلى إثبات كرامة النبي صلى الله عليه وسلم بأن دعوته بلغت إلى جنس الجن، وإفهامهم فهم معان من القرآن الذي استمعوه، وفهم ما يدعو إليه من التوحيد والهدى، وعلمهم بعظمة الله وتنزيهه عن الشريك والصاحبة والولد 182.
وفي هذه السورة إظهار لحقيقة الدعوة، فقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبرهم بأنه إنما يدعو إلى ربّه ويقوم بما يجب له عليه، وهو لا يملك شيئًا من كفرهم أو إيمانهم وبأنه لن يجيره منهم أحد، إلّا أن يبلّغهم ما أرسله به إليهم، ثم ذكر أن من يعصيه الله سبحانه ويعصي رسوله صلى الله عليه وسلم، يخلّده في نار جهنم، فإذا رأوا ما يوعدون منها، يعلمون أنهم أضعف ناصرًا، وأقل عددًا.
ثم أمره أن يخبرهم، بأنه لا يدري متى يكون ما يوعدون به من ذلك، لأنه من علم الغيب الذي اختص به الله سبحانه 183.
فكان الغرض من هذا هو بيان الأمر الذي جعل الجنّ يقبلون الدعوة ويعلمون صدقها، وبطلان ما كانوا عليه؛ وأن يكونوا نصحة لأقوامهم، داعين لهم إلى صراط الله المستقيم.
تعتبر الدعوة عملًا مهمًّا من الأعمال التي أكدت عليها الشريعة، ولا بد لكل عمل من جهد يبذل فيه، ولكل جهد ثمرات، وللدعوة ثمرات يانعة، تظهر معنا من خلال الآيات ومن أهمها ما يأتي:
1.الإيمان بالله تعالى والوصول إلى مرضاته وعفوه ومغفرته.