قال الله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت:15 - 16] .
ولا عجب أنك ترى في هذا الزمان من أوتي من القوة والعتاد على المستوى العسكري والتكنولوجي ما أبهر المنهزمين نفسيًا وأخلاقيًا وعسكريًا وتكنولوجيًا، حتى اعتقد أكثرهم أن تلك الدولة صاحبة تلك القوة لن تهزم، وأن أحدًا لن يستطيع أن يصمد أمامها، وقاس هؤلاء المنهزمون قوة العدو بقوة المجاهدين، وقضوا بأن لا تكافؤ بين القوتين، وأن الهزيمة محققة للمجاهدين.
ونسي هؤلاء المنهزمون، ونسي كذلك هؤلاء المغترون بقوتهم وعتادهم أن الله هو أشد منهم قوة، وأنه سبحانه مهلك الطغاة المتمردين، والعتاة المتكبرين. إنها سنة الله في الأولين والآخرين، فكما أهلك عادًا الأولى، وفرعون الذي طغى، فإنه مهلكٌ كل متمرد على الحق، متكبر على عباد الله، وحينئذٍ لن تكون له فئة ينصرونه من دون الله، ولن يكون منتصرًا.
بديهي أن يكون المتكبر في المجتمع ظاهرًا، وأن حاله معلومة بصفات تظهر عليه، وتبدو في أفعاله وسلوكه، ولظهور أمر المتكبرين في المجتمع «قال العلماء: كل ذنب يمكن التستر به وإخفاؤه إلا التكبر فإنه فسق يلزمه الإعلان.» 33.
والاستكبار له علامات تدل عليه، وأمارات تومئ إلى أن صاحبها من المتكبرين، نقف على تلك المظاهر ونتعرف عليها من خلال النقاط الآتية:
أولًا: ترك العمل بشرع الله:
هذه أول خصلة من خصال المتكبرين، فهم قوم يعاندون الحق، ويتمردون على شرع الله، ويتكبرون على رسل الله والدعاة، فيكون تركهم للعمل بشرع الله من باب أولى.
لذا نجد القرآن الكريم قد ذكر أن أول مظهر من مظاهر الاستكبار هو ترك العمل بشرع الله، والتمرد على طاعته والإذعان لأمره، وهو ما وقع من إبليس اللعين، حيث أبى الخضوع لأمر الله ورفض طاعته فيما أمره به من السجود لآدم عليه السلام.
قال الله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) } [البقرة:34] .
فكان رفضه للسجود لآدم مظهرًا من مظاهر كبره. وشأن كل من أبى السجود لله تعالى شأن إبليس في رفضه السجود لآدم عليه السلام، لذا ذم الله ناسًا استكبروا عن السجود له حين أمرهم به، ومدح من خضع إلى عظمته وتذلل إليه، فذكرهم بصفة العبادة الدائمة والطاعة المطلقة التي لا يشوبها كبر ولا تمرد على أمره، مرغبًا في الطاعة، ومحذرًا من المخالفة.
فقال الله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) } [فصلت:37 - 38] .
وفي سياق آخر أمر الله تعالى بالإصغاء والإنصات لكلامه إذا تلي، وبذكره ذكرًا دائمًا سرًا وجهارًا، ليلًا ونهارًا، ونهى عن الغفلة عن ذكره، ثم مدح الذين عنده بصفة التواضع وعدم التكبر عن أمر الله وطاعته؛ تعريضًا بمن غفل عن ذكر الله، وأن ترك العمل بشرعه، ومخالفة أمره ومعصيته ليست من شأن العابدين الطائعين، وإنما هي من شأن المستكبرين.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206) } [الأعراف:206] .
إن طاعة الله تعالى فيما أمر، والبعد عن كل ما نهى عنه وزجر سمة المؤمنين العابدين، وهي مظهر من مظاهر التواضع والخضوع والتذلل لعظمة الله، وعلى العكس تمامًا فإن الذي يرفض العمل بشرع الله، ويأبى الطاعة المطلقة للخالق الكبير المتعال، يعد فعله هذا مظهرًا من مظاهر التكبر والكبرياء على منهج الله.
ثانيًا: التكذيب:
من مظاهر الاستكبار: التكذيب بكل ما هو حق، والتصديق بالباطل، فإذا رأيت الرجل يكذب بالحق إذ جاءه، ويماري فيه بعدما تبين، فاعلم أنه من المستكبرين، وقد قص علينا القرآن من خبر الأولين، وكشف عن صفة السابقين؛ بأنهم كذبوا بآيات الله واستكبروا عنها، وكذبوا رسل الله بعدما جاءوهم بالبينات، واتهموهم بأنواع الفرى والأباطيل، فاسمع إلى هذا الحوار الذي يظهر فيه تعنت فرعون وملئه، وتكبرهم على موسى وأخيه-عليهما السلام- وتعاليهم عليهما، برغم وضوح المعجزات بما لا يدع مجالًا للمماطلة، لكنهم قوم مستكبرون على الحق مجرمون، ولو جاءتهم كل آية لا يؤمنون.
قال الله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) } [يونس:75 - 78] .
فأي تعنت هذا؟! وأي استكبار ومعاندة؟! تكذيب فاتهام، يتلوهما قرار برفض الإيمان بما جاء به موسى عليه السلام بحجة التمسك بموروث الآباء والأجداد، وبمبرر زائف ممجوج: وتكون لكما الكبرياء في الأرض، وهذا لعمري تصرف الجهلاء، لا يقارعون الحجة بالحجة، وإنما يلجأون إلى الاتهامات والأراجيف وسيلة للدفاع عن غيهم وتكذيبهم، فأمرهم عجيب، وشأنهم غريب.
وإن من مظاهر تكذيبهم بالحق أنهم يكفرون بالله ويجعلون له الشريك، رغم وضوح الدلائل وظهور البراهين، فإنهم يبقون على ما هم عليه من الشرك، ويصرون على ما هم عليه من الكفر والجحود، استكبارًا من عند أنفسهم.
قال تعالى شأنه: {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) } [النحل:22] .
«لما ذكر تعالى ما اتصفت به آلهتهم بما ينافي الألوهية، أخبر تعالى أن إله العالم هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، وأن الذين لا يؤمنون بالجزاء بعد وضوح بطلان أن تكون الإلهية لغيره بل له وحده، هم مستمرون على شركهم، منكرون وحدانيته، مستكبرون عن الإقرار بها؛ لاعتقادهم الإلهية لأصنامهم وتكبرها في الوجود. ووصفهم بأنهم لا يؤمنون بالآخرة مبالغة في نسبة الكفر إليهم، إذ عدم التصديق بالجزاء في الآخرة يتضمن التكذيب بالله تعالى وبالبعث، إذ من آمن بالبعث يستحيل أن يكذب الله عز وجل.» 34 فظهر بذلك أن إشراكهم مع الله آلهة أخرى، وتكذيبهم به وباليوم الآخر مظهر من مظاهر كبرهم وجحودهم.
وقد توعد الله تعالى هؤلاء المكذبين المصرين على ما هم عليه من الكبر، فقال: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) } [الجاثية:7 - 8] .
وهذا الكبر لا يقف على زمان دون زمان، ولا يختص به مكان دون مكان، وإنما هو متعاقب في الأجيال عبر الأزمان، فلا يكاد يخلو زمان من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة من المكذبين المنكرين للحقائق تمردًا وتكبرًا، ألا ترى العالم اليوم؟! كيف يرى الظلم عدلًا ويرى العدل ظلمًا؟! وكيف يبرر للظالم ظلمه؟! بهذه العنجهية المتغطرسة يرون الحقيقة بادية فيتكبرون عليها، ويصرون على غيهم وعنادهم، حين يقتل المسلم أو يدافع عن نفسه وأرضه وعرضه يقولون: إرهابي، وإن شيك الظالم الباغي يستنكرون ويشجبون، بهذه النفسية المتمردة على الحق يبررون لظلمهم في إعلامهم الكاذب، ويسوقون لكذبهم ودجلهم باصطناع البرامج وفبركتها والتلبيس على العامة. فالكذابون والدجالون هم هم، الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام، هم أنفسهم الذين كانوا على عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهم أنفسهم -على نفس المنهجية- في عصرنا الحالي، لا يتغيرون ولا يتبدلون، الكذب سمتهم، فويل لهم.
ثالثًا: احتقار الناس وظلمهم:
من أبرز المظاهر التي تبدو على المتكبرين احتقارهم للناس وازدراؤهم لهم، لأن التكبر تعالٍ على الناس، فيرى المتكبر نفسه في درجة أعلى، ومنزلة أسمى. إن المتكبرين في حالهم هذه أشبه بحال من كان على قمة جبل والناس من تحته، فهو يراهم صغارًا، ويرونه صغيرًا.
لقد كشفت آيات القرآن الكريم عن هذه السمة عند المتكبرين، وذمت فيهم هذه الخصلة، حينما نظروا إلى المؤمنين الذين اتبعوا رسل الله نظر شزر وازدراء، فقال جل شأنه في حق الملأ من قوم نوح عليه السلام الذين ازدروا المؤمنين بقولهم: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا} [هود:27] .
فرد عليهم نبي الله نوح عليه السلام: {وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا} [هود:31] .
وهذا يوضح لنا أن هذه النظرة من الملأ للمؤمنين مظهرٌ من مظاهر التكبر والتعالي، فكان تكبرهم هذا سببًا في عدم متابعة نبيهم والإيمان برسالته.
وشأن الملأ في نظرتهم هذه إلى المؤمنين التابعين للرسل تكررت من فرعون لموسى عليه السلام، وإن اختلفت في شكلها، لكنها هي هي في مضمونها.
قال تعالى حكاية عن فرعون: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) } [الزخرف:52] .
والمعنى: « {أَمْ أَنَا خَيْرٌ} مع هذه المملكة والبسطة {مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} ضعيفٌ حقيرٌ، من المهانة: وهي القلة. {وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} أي الكلام.
قاله افتراءً على موسى عليه السلام؛ تنقيصًا له عليه السلام في أعين الناس، باعتبار ما كان في لسانه عليه السلام من نوع رتةٍ، وقد كانت ذهبت عنه؛ لقوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ} [طه:36] » 35.
وقد تكرر الأمر مع خير الخلق وسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، يحتقرونه ويزدرونه ويستهزئون به ويسخرون منه، فقالوا له كمقالة فرعون تلك لموسى عليه السلام، {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31) } [الزخرف:31] .
«وهذا باب آخر من إنكارهم للنبوة، وذلك أنهم أنكروا أولًا أن يكون النبي بشرًا، ثم لما بكتوا بتكرير الحجج، ولم يبق عندهم تصور رواج لذلك، جاؤا بالإنكار من وجه آخر، فتحكموا على الله سبحانه أن يكون الرسول أحد هذين، وقولهم {هَذَا الْقُرْآنُ} ذكر له على وجه الاستهانة؛ لأنهم لم يقولوا هذه المقالة تسليمًا بل إنكارًا، كأنه قيل: هذا الكذب الذي يدعيه لو كان حقًا لكان الحقيق به رجل من القريتين عظيم، وهذا منهم لجهلهم بأن رتبة الرسالة إنما تستدعي عظيم النفس بالتخلي عن الرذائل الدنية، والتحلي بالكمالات والفضائل القدسية دون التزخرف بالزخارف الدنيوية» 36.
ولهذا قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم مستهزئين به، منتقصين مستصغرين له: {وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) } [الفرقان:41] .
«وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له، وتهكمهم به» 37.
وأشبه بهم حال المنافقين، حيث كانوا على هذه الشاكلة من الاستهزاء والازدراء، حتى ظهر ذلك في سلوكهم، فقد أخبر القرآن عنهم بما يفضح سريرتهم، ويكشف سوأتهم، وذلك في سورة الفاضحة-التوبة.
قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) } [التوبة:65 - 66] .
وكذلك فضحهم في سورة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال جل شأنه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) } [محمد:16] .
يقول سيد قطب رحمه الله عن سؤالهم هذا: « ... قد يدل من جانب آخر على الغمز الخفي اللئيم، إذ يريدون أن يقولوا بسؤالهم هذا لأهل العلم: إن ما يقوله محمد لا يفهم، أو لا يعني شيئًا يفهم. فهاهم أولاء مع استماعهم له، لا يجدون له فحوى ولا يمسكون منه بشيء!
كذلك قد يعنون بهذا السؤال السخرية من احتفال أهل العلم بكل ما يقوله محمد صلى الله عليه وسلم وحرصهم على استيعاب معانيه وحفظ ألفاظه -كما كان حال الصحابة رضوان الله عليهم مع كل كلمة يتلفظ بها الرسول الكريم- فهم يسألونهم أن يعيدوا ألفاظه التي سمعوها على سبيل السخرية الظاهرة أو الخفية، وكلها احتمالات تدل على اللؤم والخبث والانطماس والهوى الدفين» 38.
لم يتغير حال المتكبرين في استصغارهم واحتقارهم وازدرائهم للمؤمنين والدعاة، كأن هذا الأمر فيهم وراثة، ورثوه كابرًا عن كابر، بداية من قوم نوح عليه السلام، إلى قوم موسى عليه السلام، إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا زال الأمر باقٍ إلى يومنا هذا.
ولعل وسائل الإعلام المغرضة والمسيسة التابعة إلى بعض الحكومات المنحرفة، وما يجري فيها من لقاءات وبرامج خير شاهد على استمرار احتقار أهل الفضل والصلاح، والسخرية والاستهزاء من الجماعات العاملة في حقل الدعوة، ليظل هذا مظهرًا فيهم، يعرفون به، وتعلم أحوالهم من خلاله.
رابعًا: جحود نعم الله:
امتن الله تعالى على عباده بما آتاهم من نعم لا تعد ولا تحصى.
قال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم:34] .
وجعل الله تعالى هذه النعم مسخرة لهذا الإنسان وطوعها له، يتصرف فيها بأنواع التصرف.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان:20] .
وأمر الله تعالى هذا الإنسان بأن يصون هذه النعم ولا يجحدها؛ لأن جحدها مؤذنٌ بزوالها، كما أن شكرها يزيدها وينميها.
قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) } [إبراهيم:7] .
إلا أن الإنسان ظلوم كفار، قليل الشكر، كثير الجحود لهذه النعم-إلا من رحم الله.
إن جحود الإنسان لنعم الله تعالى عليه، وعدم شكرها يعد مظهرًا من مظاهر كبره، وعلامة من علامات تمرده ونكران الجميل، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟!
فكان حريًا به أن يشكر هذه النعم التي أولاها الله إياه بغير حساب، فالله غني عن عباده وهم محتاجون إليه. بيد أن فئة من الناس تكبرت على هذه النعم وجحدتها، فكان عذاب الله شديدًا، فآخذهم على نكرانهم وكفرهم لهذه النعم.
وقد ضرب الله تعالى مثلًا لهذا النوع من الناس بقصة قارون من قوم موسى، الذي آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة، ونصحه الصالحون من قومه ألا تفرح فإن الله لا يحب الفرحين، وذكروه بالآخرة، وأنها خيرٌ وأبقى، وحذروه ونصحوه، لكنه كفر هذه النعمة وجحدها، وأبى أن يرجع فضلها إلى الله، وقال: إنما أوتيته على علم عندي.
قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص:76 - 78] .
فلما كان كذلك أنزل الله عليه سخطه وعذابه، فخسف به وبداره الأرض ليكون عبرة لمن بعده، {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص:81] .
وأعظم نعمة وهبها الله لهذا الإنسان في الوجود يجحدها المنكرون هي نعمة الإسلام؛ حيث أرسل الله رسله لهذا الإنسان يهدوه إلى الدين القويم والصراط المستقيم، ويرشدوه إلى رضا الله، وإلى ما يحفظ عليه كيانه ومكانته في هذا الوجود، لكن هذا الإنسان واجه دعوة الرسل بالكفران، وكال الاتهامات إلى رسل الله كيلًا، كما أخبر بذلك القرآن: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) } [الذاريات:52] .
{فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [فصلت:15] .
وقوم نوح عليه السلام لما دعاهم نبيهم ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، بدلًا من أن يؤمنوا، {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) } [نوح:7] .
هذا الرفض للدين الذي دعا إليه رسل الله يعد مظهرًا من مظاهر الاستكبار على هذه النعمة العظيمة، وكثيرٌ هم من هذا حالهم {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} [سبأ:31] .
بهذا الكبرياء، على مر العصور وفي كل مكان على تعاقب الزمان.
خامسًا: إكراه المستضعفين على اتباع الباطل:
من مظاهر الاستكبار: إكراه الملأ وكبراء القوم من الظلمة والفسقة للمستضعفين على اتباعهم على باطلهم، وكفرهم كما كفروا ليكونوا سواءً على ملة واحدة، وهذه سمة بارزة في الأقوام الأولين منهم والآخرين، ومن قرأ قصص الأولين وسيرة خير المرسلين وقف على هذا الأمر، وأدرك يقينًا أن الملأ والسادة لا يهنأون ولا يهدأون وهم يجدون ضعفاء القوم على الحق سائرين؛ لأن هذا في نظرهم يهدد مصالحهم، إذ كيف يكون لهم سلطة ونفوذ إذا لم يوجد مستضعفون تحت إمرتهم، يأمرونهم وينهونهم وينفذون لهم ما يريدون؟! إذن مصلحتهم تقتضي أن يكون المستضعفون من القوم على ملتهم وتحت إمرتهم، هم يخططون، والمستضعفون ينفذون.
1.إكراه المستضعفين من قوم شعيب عليه السلام.
وقع الإكراه من الملأ لنبي الله شعيب عليه السلام والمؤمنين معه، حيث هددوه وحذروه بين أن يخرجوه من بلده ووطنه ومن بين أهله، أو أن يعود لدينهم ويدخل في ملتهم-ملة الكفر-؛ لكن الإيمان إذا تملك القلب وتمكن منه، فهيهات هيهات أن يكون للشرك والكفر منه نصيب، هذا ما وقع بين نبي الله شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين وبين قومه المتكبرين المتمردين على الحق، فقد قص علينا القرآن من نبئهم فقال: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ? قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ(88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ? وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ? وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ? عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ? رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) [الأعراف:88 - 89] .
«هكذا سنة الطغاة الظلمة إذا غلبوا بالحجج والبراهين يفزعون إلى القوة، فلما أفحمهم شعيب خطيب الأنبياء عليهم السلام، وقطع الطريق عليهم شهروا السلاح في وجهه، وهو النفي والإخراج من البلاد أو العودة إلى دينهم الباطل.» 39 وهذا حال الظالمين في كل زمان.
2.حوار بين المستكبرين والمستضعفين من قوم صالح عليه السلام.