قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) } [الحج:52] .
أي: إلا إذا تمنى زور في نفسه ما يهواه، ألقى الشيطان في أمنيته ما يوجب اشتغاله بالدنيا، فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه والإرشاد إلى ما يوسوس، ثم يثبت الله آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة، والله عليم بأحوال الناس، حكيم فيما يفعله بهم 64، أما ما جاء في سبب نزول الآية من حديث الغرانيق فهو مردود عند المفسرين.
ولم يمل الشيطان من محاولة الوسوسة للرسول، وإشغاله عن طاعة ربه، يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إِنَ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِ جَعَلَ يَفْتِكُ عَلَيَ الْبَارِحَةَ، لِيَقْطَعَ عَلَيَ الصَلَاةَ، وَإِنَ اللهَ أَمْكَنَنِي مِنْهُ فَذَعَتُهُ، فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى جَنْبِ سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، حَتَى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ أَجْمَعُونَ -أَوْ كُلُكُمْ- ثُمَ ذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي} [ص: 35] . فَرَدَهُ اللهُ خَاسِئًا) 65.
حدثنا القرآن الكريم عن عداوة الشيطان وعن وسائله في ذلك، وهذا ما سنبينه فيما يأتي:
أولًا: عداوة الشيطان للإنسان:
إن عداوة الشيطان للإنسان قديمة قدم الإنسان، منذ خَلْق آدم عليه السلام وحتى يومنا هذا، وإلى قيام الساعة، مصداقًا لقوله تبارك وتعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [البقرة: 36] .
فالشيطان هو أكبر وأخطر عدو لبني آدم في هذه الحياة؛ لأنه منبع الشرور، والآثام، وهو القائد إلى الهلاك والخسران الدنيوي والأخروي، يدعو الناس إلى الكفر والشرك، وترك التوحيد، ويزين لهم البدع، ويسول لهم بالعصيان وترك أوامر الرحمن.
ولقد أكد الله عز وجل لنا عداوة الشيطان، وأمرنا أن نتخذه عدوًا، وبين لنا هدفه، فقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] .
فالشيطان عدو لكم ظاهر العداوة، فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة الحبيب، فاتخذوه عدوًا أي: فعادوه، في عقائدكم، وعباداتكم، وفي كل أحوالكم 66.
وقوله تبارك و تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} أي: اتخذوا يا بني آدم الشيطان عدوًا لكم؛ لأنه لا يدعو أتباعه إلى خير أبدًا، وإنما يدعوهم إلى الأعمال الفاسدة التي تجعلهم يوم القيامة من أهل النار 67.
فالله عز وجل أخبرنا أن الشيطان لنا عدو مبين، وقص علينا ما فعل بأبينا آدم عليه السلام.
إن الشيطان أظهر لنا عداوته بكل جرأة ووقاحة، واستكبار أمام الله عز وجل، فأبى السجود لآدم عليه السلام، وعصى أمر ربه، وأغوى آدم وحواء حتى أكلا من الشجرة التي نهاهما الله من الاقتراب منها، فأخرجهما من النعيم الذي كانا فيه، وتعهد بإغواء آدم وذريته، {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] .
{قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] .
{وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 118] .
{وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60] .
فإبليس طلب من الله عز وجل أن يٌنْظِره إلى يوم القيامة حتى يضل بني آدم، ويجعل مصيرهم إلى جهنم وبئس المصير، كما جاء في قوله تعالى على لسان إبليس: {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 36 - 39] .
يقول سيد قطب في ظلال القرآن مبينًا سبب تحذير الله عز وجل من الشيطان عند تفسيره لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168] : «وهنا يبيح الله للناس جميعًا أن يأكلوا مما رزقهم في الأرض حلالًا طيبًا -إلا ما شرع لهم حرمته وهو مبيَن فيما بعد- وأن يتلقوا منه هو الأمر في الحِل والحُرمة، وألا يتبعوا الشيطان في شيء من هذا، لأنه عدوهم، ومِن ثم فهو لا يأمرهم بخير، وإنما يأمرهم بالسوء من التصور والفعل، ويأمرهم بأن يحللوا ويحرموا من عند أنفسهم، دون أمر من الله، مع الزعم بأن هذا الذي يقولون هو شريعة الله، والمطلوب هو أن يتلقى الناس ما يحل لهم وما يحرم من الجهة التي ترزقهم هذا الرزق، لا من إيحاء الشيطان الذي لا يوحي بخير؛ لأنه عدوٌ للناس بيِن العداوة، لا يأمرهم إلا بالسوء والفحشاء، والتجديف على الله والافتراء عليه دون تثبت ولا يقين» 68.
ويعاتب الله عز وجل كل من يتبع وساوسه، ويكون من أتباعه وأوليائه، فيقول جل جلاله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] .
«وقال بعض العلماء: وتحت هذا الخطاب نوع لطيف من العتاب كأنه يقول: إنما عاديت إبليس من أجل أبيكم ومن أجلكم، فكيف يحسن بكم أن توالوه؟ بل اللائق بكم أن تعادوه وتخالفوه ولا تطاوعوه» 69.
وقال عز وجل موبخًا من اتخذه وليًا من دونه تبارك وتعالى: {بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} أي: الواضعين للشيء في غير موضعه، وذلك بتركهم طاعة الله عز وجل، وأخذهم مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته 70.
فالشيطان مجبول على عداوة بني آدم، قال ابن عاشور: «وتلك عداوة مودعة في جبلته، كعداوة الكلب للهِر؛ لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسَنة مزينة، وشواهد ذلك تظهر للإنسان في نفسه وفي الحوادث حيثما عثر عليها، وقد قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف: 27] » 71.
لذلك كله ينادي الله عز وجل عباده، وينهاهم عن الافتتان بفتنة الشيطان، فيقول تعالى: {يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] .
وينهاهم عن الاستجابة لصد الشيطان، قال تبارك وتعالى: {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الزخرف: 62] .
والصد هو العدول عن طاعة الله عز وجل فيما أمرنا به، أو نهانا عنه، إن الشيطان لكم عدو يدعوكم إلى ما فيه هلاككم، ويصدكم عن قصد السبيل، ليوردكم المهالك، مُبِين قد أبان لكم عداوته، بامتناعه من السجود لأبيكم آدم، وإدلائه بالغرور حتى أخرجه من الجنة 72.
وسيلوم الله عز وجل المجرمين يوم القيامة على طاعتهم للشيطان، كما جاء في قوله عز وجل {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يس: 60] .
فهذا العهد جاء على ألسنة الرسل، أو الذي جاء في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .
فقد أوصاهم الله عز وجل بعدم طاعة الشيطان فيما يُوسوس به إليهم، ويُزيِنه لهم، فكان العهد بعدم طاعة الشيطان، وطاعة الله عز وجل، وفيه إشارة إلى جنايتهم على أنفسهم بعد النصح التام، فلا حجة بعد الإعذار، ولا ظلم بعد التذكير والإنذار 73.
قال الألوسي في تفسير الآية الكريمة: «والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يوسوس به إليهم ويزينه لهم، عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها، ولوقوعها في مقابلة عبادته عز وجل، وجوز أن يراد بها عبادة غير الله تعالى من الآلهة الباطلة، وإضافتها إلى الشيطان؛ لأنه الآمر بها والمزين لها» 74.
ثانيًا: وسائل الشيطان في عداوته للإنسان:
لقد بلغ الشيطان -عليه لعنة الله- مراده من أكثر الخلق، فاتَبعه الأكثرون، وتركوا ما جاء به الرسل من دين الله الذي رضيه لهم، وتلطف الشيطان في السيطرة على الخلق، واتبع الأساليب المتنوعة في الحيل، والمكر، والخديعة، لبلوغ مراده، وأدخل الناس في الشرك بعدما زيَن لهم أن مَنْ أقر لله وحده بالملك، والتدبير، والخلق فهو المسلم، ولو دعا غير الله ولاذَ بِحِماه.
قال تعالى: {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ} [النمل: 24] .
فقد تعددت وسائل الشيطان وأساليبه في تحقيق أهدافه بدافع العداوة والكراهية للإنسان، وتمثلت أهم وسائل الشيطان في عداوته لبني آدم بما يأتي:
1.التضليل.
إن من أهم الوسائل التي ينتهجها الشيطان لعنه الله لإغواء بني آدم هو التضليل، قال سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا} [النساء: 117 - 119] .
والإضلال الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية، والمراد به التزيين والوسوسة، بإلقاء الوسوسة في قلوب العباد، وتزيين الشهوات عندهم 75.
والإضلال الذي ينتهجه الشيطان على مراتب، أعلاها: الوصول بالإنسان إلى الكفر بالخالق عز وجل، وهو أخطر أنواع الإضلال، المؤدي إلى الخلود في جهنم والعياذ بالله.
قال جل جلاله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] .
فإذا يئس الشيطان من عدم وقوع الإنسان في المرتبة الأولى لجأ إلى إيقاعه في الكبائر والفواحش، فإذا لم يجد سبيلًا إلى ذلك، فنراه يزيِن ويسهل للإنسان طريق الصغائر، والَلمم، ويُلبُسها لباسًا يبديها له في منظر المباحات، فإذا لم يستطع فيوقع الإنسان في البدع والضلالات، والتي تعتبر سببًا في حبوط الأعمال، وعدم قبولها، قال صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا ما ليس فيه فهو رد) 76.
ومن ثم يسلك الشيطان طريقًا أخرى، فإذا فشل في ذلك، فيدخل للمسلم من باب العبادة، فيشغله بالعبادة المفضولة عن الفاضلة، فهذا كله من مداخل الشيطان التي يجب على المسلم أن يحذر منها.
2.التغرير بالأماني.
إن من مكائد الشيطان التي يستخدمها لإغواء المؤمن التغرير بطول الأمل، والحياة الدنيا، وتحسين الحرص عليها.
قال سبحانه وتعالى: {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء:119 - 120] .
قوله: {وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ} ، وهو إلقاء الأماني الباطلة في القلب، بطول البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة، أو بإدراك الجنة بالمعاصي، أو بتسويف التوبة وتأخيرها 77.
«وطلب الأماني يورث أمرين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان، قال صلى الله عليه وسلم: (يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ، وَيَشِبُ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ) 78.
والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين، فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة، وصار غريقًا في الدنيا، فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ، فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة» 79.
وحذر سبحانه بعد ما بيَن سبل الشيطان من اتخاذه وليًا من دون الله، وذلك باتباع أوامره، وترك أوامر الرحمن، فمن فعل ذلك فقد خسر خسرانًا مبينًا؛ لأن طاعة الله تفيد المنافع الدائمة الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع المنقطعة المشوبة بالغموم والأحزان والآلام الغالبة، والجمع بينهما محال عقلًا، فمن رغب في ولايته فقد فاته أشرف المطالب وأجلها بسبب أخس المطالب وأدونها، فهذا هو الخسار المطلق 80.
وختم بقوله {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ} ، فالشيطان يعدهم أباطيله بطول العمر، وبأنه لا قيامة ولا بعث ولا جزاء، فاجتهدوا في استيفاء اللذات الدنيوية، ويوهمهم الفقر حتى لا ينفقوا في الخير 81.
ثم ينطق مُصَدِر التغرير بالأماني وهو الشيطان بعد أن يحكم الله بين العباد، وقد أنطقه الله بذلك لإعلان الحق، وبأن لهم كسبًا في اختيار الانصياع إلى دعوة الضلال، دون دعوة الحق، كما يروي لنا القرآن في قوله تعالى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22] .
3.التزيين.
والتزيين الذي يعمد إليه الشيطان لإغواء البشر نوعان:
النوع الأول: تزيين القبيح.
فمن مكائد الشيطان لإغواء الإنسان أنه يورده الموارد التي يخيِل إليه أن فيها منفعته، ثم يُصْدِرهُ المصادر التي فيها عَطَبه، ويتخلى عنه، ويُسْلمه، ويقف يشمت به، ويضحك منه، فيأمره بالسرقة، والزنا، والقتل، وأنواع الفواحش، ويزينها، ويحسِن له معودتها، ويخفي له عواقبها، ثم في النهاية يفر منه، ويبتعد عنه.
قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 48] 82.
قال ابن القيم: «ومن مكايده: أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوى الحاجات بوجه عبوس، ولا تريهم بِشرًا ولا طلاقة، فيطمعوا فيك، ويتجرؤوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك، ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق، ومنع البِشر والطلاقة مع هؤلاء، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك، ليفتح لك باب الشر، ويغلق عنك باب الخير» 83.
وقد توعد إبليس -لعنه الله- بإغواء بني آدم من خلال التزيين، قال سبحانه وتعالى: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] .
ومن التزيين الذي وعد به إبليس النظر المسموم، وهو من أخطر الأسلحة التي يستخدمها إبليس، المؤدية إلى وأعظم فتنة النساء، قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) 84.
وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى امرأة فأتى امرأته زينب وهي تَمْعَسُ مَنِيئَةً لها، فقضى حاجته، ثم خرج إلى أصحابه فقال: (إِنَ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، فَإِذَا أَبْصَرَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، فَإِنَ ذَلِكَ يَرُدُ مَا فِي نَفْسِهِ) 85.
فكل ما يقع من بني آدم من الكفر والقتل والعداوة والبغضاء، وانتشار الفواحش والزنا، وتبرج النساء، وشرب الخمور، وعبادة الأصنام، واقتراف الكبائر، فذلك كله يزينه الشيطان للإنسان؛ ليصد عن سبيل الله، ويفسد الناس، ويجرهم معه إلى نار جهنم.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 90 - 91] .
النوع الثاني: تقبيح الحسن.
إن من باب تقبيح الشيطان للحسن أن الشيطان يعمد إلى صرف الإنسان عن المأمور به من فرائض وواجبات، فإن فشل فيعمد إلى صرفه عن النوافل والمستحبات، وأهم ما يحرص على فعله هو تفويت الصلاة على المسلم.
وفي ذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (يَعْقِدُ الشَيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ ثَلاَثَ عُقَدٍ، بِكُلِ عُقْدَةٍ يَضْرِبُ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا، فَارْقُدْ فَارْقُدْ، وَقَالَ مَرَةً: يَضْرِبُ عَلَيْهِ بِكُلِ عُقْدَةٍ لَيْلًا طَوِيلًا، قَالَ: وَإِذَا اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ عز وجل انْحَلَتْ عُقْدَةٌ، فَإِذَا تَوَضَأَ انْحَلَتْ عُقْدَتَانِ، فَإِذَا صَلَى انْحَلَتِ الْعُقَدُ، وَأَصْبَحَ طَيِبَ النَفْسِ نَشِيطًا، وَإِلاَ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَفْسِ كَسْلاَن) 86.
فالشيطان يحاول أن يصرف المؤمن عن الصلاة وهو نائم، فيزين له الراحة، ويلهي الإنسان المستيقظ عن الصلاة، بحجة الربح والتجارة، ويخوفه من الفقر، والخسارة.
ويؤيده قوله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 268] .
«فالشيطان يخوف الرجل أولًا بالفقر، ثم يتوصل بهذا التخويف إلى أن يأمره بالفحشاء، وهي البخل، وذلك لأن البخيل على صفة مذمومة عند كل أحد، فلا يستطيع الشيطان أن يحسِن له البخل إلا بتلك المقدمة، وهي التخويف من الفقر» 87.
ومن كيد عدو الله تعالى: أنه يخوِف المؤمنين من جنده وأوليائه، فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان.
وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا فقال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] 88.
4.الإنساء.
إن الشيطان يعمل دومًا لإيقاع أعدائه، وبُعدهم عما أمرهم الله به، عله يُفَوِتُ عليهم خيرًا أراده الله لهم، أو يوقعهم في شَرٍ كرهه الله لهم، فالنسيان المذموم يكون من الشيطان بالتسويف والتأجيل، وإلهاء العبد، وإشغاله عن الطاعة والعبادة.