فهرس الكتاب

الصفحة 1547 من 2431

السّلم

أولًا: المعنى اللغوي:

يقول ابن فارس: « (سلم) السين واللام والميم معظم بابه من الصحة والعافية، ويكون فيه ما يشذ، والشاذ عنه قليل، فالسلامة: أن يسلم الإنسان من العاهة والأذى» 1.

فمن معانيه: الحياد وعدم وجود العلاقة بين طرفين، والعافية والسلامة من الأذى والآفات، وعلامة المسالمة وعدم وجود الحرب، وقول سديد لا لغو فيه، وقيل: قالوا سلامًا أي سدادًا من القول وقصدًا لا لغو فيه، وبمعنى ضد الحرب، والاستسلام والانقياد وإظهار الخضوع 2.

فأكثر المعاني تعود لباب الصحة والعافية والسلامة.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

أما في الاصطلاح الشرعي فقد عرفه الماوردي بقوله: «أمن عام تطمئن إليه النفوس وتنشر فيه الهمم ويسكن إليه البريء ويأنس إليه الضعيف» 3.

وقال الراغب «السلم والسلامة: التعري من الآفات الظاهرة والباطنة» 4.

وتعرف إحدى الباحثات السلم بأنه: «غياب المظاهر السلبية في المجتمعات الإنسانية وكل ما له علاقة بالعنف، أو بحضور المظاهر الإيجابية مثل: الهدوء والاستقرار، والصحة، والنماء» 5.

وردت مادة (سلم) في القرآن الكريم (140) مرة، يخص موضوع البحث (3) مرات 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

السِّلم ... 1 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) } [البقرة:208]

السَّلم ... 2 ... {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } [الأنفال:61]

وجاء السّلم في الاستعمال القرآني على وجهين 7:

الأول: الصلح: ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال:61] .

الثاني: شرائع الدين: ومنه قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} [البقرة:208] . يعني: في الدين.

الأمن:

الأمن لغة:

ضد الخوف، والفعل منه: أمن يأمن أمنًا 8.

الأمن اصطلاحًا:

عدم توقع مكروه في الزمان الآتي 9، وأصله: طمأنينة النفس وزوال الخوف 10.

الصلة بين الأمن والسلم:

الأمن حالة من الاطمئنان ضد الخوف، سواء كان الخوف من الحاضر أو من المستقبل، وأكثر ما يستعمل في الأمن الداخلي، أما السلم فتعم السلم الداخلي والخارجي، فكلمة السلم أعم.

الأمان:

الأمان لغة:

هو طلب الأمن وتأمينه للغير 11.

الأمان اصطلاحًا:

وهو الذي يعطى للكافر الحربي فلا يجوز التعرض له، ويدخل دار الإسلام آمنًا، ويجب على المسلمين رعاية هذا الأمان ومقتضاه ما دام قائمًا 12.

الصلة بين الأمان والسلم:

الفرق بينهما واضح بين، إن المستأمن يكون في حالة سلم لا يحارب ما دام في عقد الأمان، وطلب الأمان لا يكون للمسلم لعدم احتياجه إليه، فالعقد خاص بغير المسلم.

الموادعة:

الموادعة لغة:

مأخوذ من مادة (و د ع) بمعنى الترك، «وادع بني فلان أي صالحهم وسالمهم على ترك الحرب والأذى، وحقيقة الموادعة المتاركة أي: يدع كل واحد منهما ما هو فيه» 13. فالموادعة: المصالحة والمسالمة.

الموادعة اصطلاحًا:

وقد عرفت الموادعة بأنها ترك القتال. قال شهاب الدين الشلبي: «إنما سميت المصالحة موادعة لما فيها من ترك القتال. والودع الترك» 14.

الصلة بين السلم والموادعة:

الموادعة نوع من السلم تكون مع المحاربين، فالسلم أشمل وأعم.

الحرب:

الحرب لغة:

نقيض السلم، ورجل محرب أي شجاع، وفلان حرب فلان أي يحاربه، وحرّبته تحريبًا أي حرّشته على إنسان فأولع به وبعداوته 15.

الحرب اصطلاحًا:

قال المناوي: «دفع بشدة عن اتساع المدافع بما يطلب منه الخروج فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع» 16.

وقال الجرجاني: «وهو القتال بين فئتين» 17.

الصلة بين السلم والحرب:

السلم ضد الحرب، ولا يجتمعان.

أولًا: السّلم العقدي:

يقصد بالسلم العقدي كل ما يحقق للفرد المؤمن الحماية والسلامة والأمان والاطمئنان في نفسه ودينه ومجمتعه. ويتحقق هذا الأمان بمعرفة الحقائق الدينية المجموعة في أركان الدين الواردة في حديث جبريل عن أبي هريرة قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزًا يومًا للناس، فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال:(الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث) . قال: ما الإسلام؟ قال: (الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان) . قال: ما الإحسان؟ قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك) . قال: متى الساعة؟ قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} [لقمان: 34] ) . ثم أدبر، فقال: ردوه. فلم يروا شيئًا. فقال: (هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم) 18.

وقال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124] .

وقد فسر البعض العذاب المذكور في الآية بعذاب القبر، ولكن العلامة السعدي يفسر الضنك الوارد في الآية «بما يصيب المعرض عن ذكر ربه، من الهموم والغموم والآلام، التي هي عذاب معجل، وفي دار البرزخ، وفي الدار الآخرة، لإطلاق المعيشة الضنك، وعدم تقييدها» 19.

فالتوافق مع الذات ومطابقة الظاهر للباطن وعدم التناقض بين عقيدة الإنسان وسلوكه اليومي من أهم سمات ومظاهر الإنسان السليم.

يقول سيد قطب: «إن الإسلام يبدأ محاولة السلام أولًا في الضمير، ثم في محيط الأسرة، ثم في وسط الجماعة، وأخيرًا يحاوله في المحيط الدولي بين الأمم والشعوب الأخرى» 20.

وقد خصص سيد قطب في كتابه (السلام العالمي والإسلام) مساحةً واسعة من كتابه لشرح أثر العقيدة الإسلامية في الإنسان سماه (سلام الضمير) و (المنطق والعقيدة) بين فيه بساطة ووضوح العقيدة الإسلامية في كافة المسائل بلا غموض ولا تعقيد وبدون ألغاز ومعميات، وقارن بينه وبين ما عند الكنيسة من الآراء الغامضة ودور رجال الدين الكهنة في إضلال الناس 21.

أثر التوحيد بأنواعه في السلم الداخلي:

مما لا شك فيه أن الإنسان المؤمن لا يعيش في صراع داخلي مع نفسه، وذلك راجع للتوحيد الذي يؤمن به.

يقول الدكتور القرضاوي: «عقيدة التوحيد سمت بأنفس المؤمنين ... فلم يعد بشر يسجد لبشر أو ينحني لبشر أو يقبل الأرض بين يدي بشر، وهذا أصل الأخوة الإنسانية الحقة، وأصل الحرية الحقة، وأصل الكرامة الحقة؛ إذ لا أخوة بين عابد ومعبود، ولا حرية لإنسان أمام إله أو مدعي ألوهية، ولا كرامة لمن يركع أو يسجد لمخلوق مثله أو يتخذه حكمًا من دون الله» 22.

علامات صحة النفس:

ولصحة النفس وسلامتها من الآفات والأمراض، أمارات تعرف بها:

1.هداية القلب وراحة البال.

قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [التغابن: 11] .

يقول الطبري: «ومن يصدّق بالله فيعلم أنه لا أحد تصيبه مصيبة إلا بإذن الله بذلك يهد قلبه: يقول: يوفّق الله قلبه بالتسليم لأمره والرضا بقضائه» 23. فراحة البال وهداية القلب متلازمان.

2.الشعور بالأمن.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ?) [الأنعام:82] .

قال الشيخ محمد رشيد رضا: «أولئك لهم الأمن دون غيرهم من العقاب الديني المتعلق بأصل الدين وهو الخلود في دار العذاب» 24. فعدم الوقوع في الشرك تتبعه الشعور بالأمن.

3.السعادة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [يونس: 57 - 58] .

يقول الزمخشري: «قد جاءتكم موعظة، أي: قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من موعظة وتنبيه على التوحيد، وهو فيه شفآء أي: دواء مما يجمعون صدوركم من العقائد الفاسدة ودعاء إلى الحق ورحمة لمن آمن به منكم» 25.

وفي معنى السعادة يقول الشيخ السعدي: «إذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور؛ ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك .. فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب» 26. فسعادة المرء دليل على صحة قلبه.

4.الاطمئنان على الرزق.

قال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ) [الذاريات: 22] .

فالأرزاق تنزل من السماء فلا داعي للقلق، قال البغوي: «قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: يعني المطر الذي هو سبب الأرزاق، وما توعدون، قال عطاء: من الثواب والعقاب. وقال مجاهد: من الخير والشر» 27.

5.الاطمئنان على الأجل.

قال تعالى: (? ? ?) [الرعد: 38] .

جاء في تفسيره «لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائن منها إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته، وكل أجل مكتوب محصور فأخبر تعالى عن كَتْبِهِ الآجال التي للأشياء عامة. وقال الضحاك والفراء: المعنى لكل كتاب أجل» 28.

ثانيًا: السّلم في العبادات:

شرع الله سبحانه العبادات للإنسان لكي يتقرب به إلى الله تعالى، والعبادة كلمة جامعة لكل معاني الخير كما يقول شيخ الاسلام ابن تيمية 29. ومع ذلك فإن لكل عبادة أهدافًا وغايات أخرى تتحقق بالالتزام بتلك العبادة، وأحاول أن أركز على أهم العبادات وآثارها على إشاعة السلم والأمان في نفسية الفرد وفي المجتمع.

6.الصلاة والسلم.

الصلاة لا تكون في تمام وطمأنينة إلا في ظل الأمن؛ لقوله تعالى: (? ? ? ? ? ?ٹٹ ٹ ٹ) [البقرة: 239] .

يقول السعدي في تفسير الآية: «قوله (پ پ پ) [البقرة: 238] .

أي: ذليلين خاشعين، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة» 30.

والمصلي يكتسب المناعة ضد كل سلوك جرمي وتقيه من الأمراض الفتاكة بالفرد والمجتمع، وقال تعالى مبينًا هذه الحكمة من الصلاة (? ? ? ? ? ) [العنكبوت: 45] .

فالمصلي إذا أدى الصلاة كما أمر، اكتسب طاقة روحية تقيه من كل فاحشة ومنكر.

والصبر مع الصلاة شعار سلمي يرفعه المسلم لمواجهة أعباء الحياة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 153] .

والمسلم لا يخرج من الصلاة قبل التلفظ بعبارة السلام عليكم.

مما سبق تبين لنا متانة العلاقة بين عبادة الصلاة وبين السلم.

7.الصوم والسلم.

قال تعالى مبينًا أثر عبادة الصوم في السلوك الإيجابي للمسلم (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?) [البقرة: 183] .

فالصيام يعد الناس ليصلوا إلى مرتبة التقوى. والوقاية هي؛ «حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره، فالتقوى جعل النفس في وقاية مما يخاف» 31.

وينقل الشيخ محمد رشيد رضا بعضًا من حِكَم الصوم بقوله: «ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى: أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رءوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولذلك أمرهم بالتأسي به» 32.

ومن ثمار الصوم أيضًا: توطيد العلاقات الاجتماعية بين المؤمنين، غنيهم وفقيرهم فهو يغرس في نفوس الموسرين روح البذل والعطاء حين يحسون وهم صائمون بالحاجة إلى الطعام، فيكون ذلك الجوع المؤقت مدعاةً لتذكّر جوعة الفقير الدائمة بسبب الحاجة والحرمان.

8.الزكاة والسلم.

أصل الزكاة النمو والبركة 33، وهو أحد مباني، الإسلام ولأهميتها قرنت في القرآن الكريم بالصلاة. وشرع الزكاة كما أشار إليه الآية الكريمة إلى التطهير والتزكية.

ولو أردنا أن نبين العلاقة بين فريضة الزكاة والسلم الداخلي أو السلم بين أفراد المجتمع، يجدر بنا أن نذكر أهم حِكَمِها. وقد ذكر العلماء لها حِكَمًا وفوائد، ونحن هنا نذكر فقط الحِكَم المتعلقة بالبحث:

الزكاة جزء من خطة الإسلام للقضاء على الفقر في المجتمع: ففي الزكاة دفع لحاجات الفقراء. وحول أهداف الزكاة يقول الدكتور القرضاوي: «ومن هذه الأهداف ما له صبغة اجتماعية، كمساعدة ذوي الحاجات والأخذ بأيدي الضعفاء من فقراء ومساكين وغارمين وأبناء سبيل، فإن مساعدة هؤلاء تؤثر فيهم بوصفهم أفرادًا، وتؤثر في المجتمع كله باعتباره كيانًا متماسكًا» 34.

مكافحة الإجرام في المجتمع، وفي هذا يقول الدكتور الزلمي «أثبتت فلسفة التشريعات الجنائية بالاستقراء أن من أهم عوامل ارتكاب الجرائم (بوجه خاص الجرائم الاقتصادية) ، عامل الفقر والحاجة. فتسديد حاجة المحتاجين ماديًا يقلل من ظاهرة الانحراف نحو السلوك الجرمي» 35.

فالزكاة تمنع الجرائم المالية، مثل: السرقات والنهب وما أشبه ذلك لاستغناء الفقراء عن هذه الجرائم بإعطائهم الزكاة أو بالصدقة والإحسان إليهم.

شيوع روح المحبة والألفة بين الفقراء والاغنياء: فمن أهداف الإسلام الكبرى بناء المجتمع السليم المتآخي البعيد عن أسباب الحقد والغضاء. وأداء الزكاة كفيل بتحقيق هذه الأهداف.

تطهير نفوس الأغنياء من الطغيان الذي سببه الغنى وكثرة المال. والطغيان من الرذائل الخلقية، قال تعالى: (گ گ ? ?) [العلق: 6] .

فالطغيان هو التعاظم والكبر، والاستغناء هو شدة الغنى، فمن طبع الإنسان أن يطغى ويتكبر ويتعاظم على غيره إذا أحس من نفسه الاستغناء 36.

9.الحج والسلم.

الحج من أهم العبادات التي تتجلى فيها بوضوح معاني السلم، وتوضيح ذلك تكون من خلال:

الحج تدريب للمسلم على السلام، فوقوعها في أشهر حرمت فيها القتال، وفي بلد سمي ببلد الحرام، وفي حال تمنع فيه حتى الصيد، كل ذلك تمنح المسلم جوًّا تسوده السلام والأمن والأمان، إن الحج لا يتحقق إلا مع الأمن والسلام؛ لقوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ) [البقرة: 196] .

وحذر القرآن الكريم من أكل أموال الناس بالباطل، وذلك من أجل بناء مجتمع متحاب.

قال تعالى: (? ? ? ں ں) [البقرة: 188] .

والذي ينوي أداء الحج يجب عليه أن يؤدي الحقوق الواجبة عليه، قبل السفر إلى الديار المقدسة، وهذا الأداء يكون من خلال:

والقرآن الكريم حريص على تهذيب سلوك الحاج أثناء أداء العبادة وتخليصه من السلوك المخل بالعبادة، ورتب شعائر الحج بطريقة تجعل الحاج في سلم شامل، ليس مع الناس فقط، بل مع كل شيء؛ الشجر والحجر والحيوان ومع الكون كله، تسليمًا لرب العالمين.

ثالثًا: السّلم في الأخلاق:

للأخلاق الإسلامية أثر كبير في إشاعة الأمن والاستقرار النفسي في نفسية المتخلق بها، «إنها تحقق للفرد الإحساس بالأمان؛ إذ هو يستعين بها على مواجهة ضعفه وضعف نفسه، ومواجهة التحديات والعقبات التي تواجهه في حياته، كما أنها تعمل على إصلاح الفرد نفسيًّا، وتوجهه نحو الخير والإحسان الواجب وكافة مكارم الأخلاق التي تضمن حياة نظيفة في الدنيا وجزاء أوفى في الآخرة» 38.

فالأخلاق يمنح الإنسان السعادة ورضى الضمير، والبعد عن القلق والاضطراب وكثير من الأمراض النفسية.

أما عن أثر الأخلاق في الحفاظ على السلم الإجتماعي والاستقرار فيقول الدكتور الزلمي: «إن المتدبر في آيات الله يجد أن الروح السائدة في القرآن الكريم من أوله إلى آخره روح خيرة ورشيدة تدعو إلى العلم والعمل والحرية والمساواة والعدل والرحمة والهدى والحق والإحسان والإيثار والإنفاق والتكافل والتضامن والصدق والأمانة والإخلاص، إلى غير ذلك من الفضائل الإنسانية التي يجب أن يتحلى بها الإنسان» 39.

وهذه الأخلاق المذكورة كلها تسهم في بناء العلاقات الاجتماعية القوية، فالأخلاق ضرورة اجتماعية لا غنى عنها، ومتى فقدت الأخلاق التي هي الوسيلة والرابط بين الناس، تفكك بناء المجتمع، فانهيار خلق من الأخلاق يقابله انقطاع رابطة من الروابط الاجتماعية.

فخلق الصبر مثلًا له أثر كبير في إدامة واستقرار العلاقة الزوجية.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 19] .

يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «فإن كرهتموهن لعيب في الخلق، أو الخلق مما لا يعد ذنبًا لهن، لأن أمره ليس في أيديهن، أو التقصير في العمل الواجب عليهن في خدمة البيت والقيام بشئونه مما لا يخلو عن مثله النساء وكذا الرجال في أعمالهم، أو الميل منكم إلى غيرهن، فاصبروا» 40.

فالقرآن أمر بالصبر حتى إن أحس الزوج بالنفرة لزوجته.

وفي قصة موسى مع العبد الصالح تعليم لنا أن على التلميذ التحلي بالصبر إذا أراد العلم، فالصبر في مجال العلاقات الإنسانية إحدى مجالات الصبر المأمورة بها المسلم. وكذلك بقية مكارم الأخلاق المأمور بها، كل منها لها أثر كبير عند التحلي بها في إرساء دعائم السلام في المجتمع، والعكس صحيح. وإذا شاع بين الأفراد مكارم الأخلاق، ربط بينهم بأوثق الروابط من الألفة والثقة والتعاون، ونشأ منهم مجتمع قوي فاضل، متماسك كالبنيان، متعاطف كالجسد، كما قال تعالى: (ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ) [التوبة: 71] .

ونستطيع أن نوجز أثر الأخلاق في تماسك المجتمع في جملة من النقاط:

رابعًا: السّلم في المعاملات:

المراد بالمعاملات: الأحكام الشرعية المنظمة لتعامل الناس في الدنيا، من بيع وشراء وإجارة ورهن وكتابة دين وغيرها 42.

لا ريب أن القرآن الكريم أعطى أهمية لتنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع من بيع وشراء ورهن وكتابة دين وغيرهم. وقد اقتصر القرآن الكريم في ذكر المعاملات على العناصر الأساسية من الأحكام، وخول العقل البشري ما عداها في ضوء حاجاته ومتطلباته وفي حدود المباديء التي حددها له القرآن الكريم.

أهم المقاصد التي أرساها القرآن الكريم في المعاملات المالية:

ولزيادة توضيح العلاقة بين المعاملات التي شرعها القرآن الكريم وأثرها في تحقيق السلم في المجتمع، لابد من ذكر أهم المقاصد في المعاملات المالية المتعلقة بالموضوع، فقد أرسى القرآن الكريم دعائم أساسية لتثبيت السلم من خلال مباديء مذكورة في آيات كثيرة:

أي: تحقيق العدل والمساواة بين المتعاقدين البائع والمشتري في عقد البيع مثلًا.

قال تعالى: (ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 8] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت