فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 2431

الخشوع

أولًا: المعنى اللغوي:

خشع: الخاء والشين والعين أصلٌ واحدٌ، يدل على التّطامن، يقال: خشع إذا تطامن وطأطأ رأسه، ويخشع خشوعًا، والخاشع: المستكين والراكع 1.

وفي لسان العرب: خشع يخشع خشوعًا، واختشع وتخشّع: رمى ببصره نحو الأرض، وغضّه، وخفض صوته، وقيل: الخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن. والخشوع: في البدن، والصوت، والبصر، كقوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه:108] أي: سكنت، وكل ساكن خاضع خاشع 2.

وعند الراغب الأصفهاني: الخشوع الضراعة، وأكثر ما يستعمل الخشوع فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب 3.

وابن القيم رحمه الله حينما يعرف الخشوع في اللغة يجمع بين هذه الأقوال في إيجاز فيقول مستشهدًا على كلامه بآيات القرآن الكريم: الخشوع في أصل اللغة: الانخفاض، والذّل، والسكون، قال اللّه تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} [طه:108] أي: سكنت، وذلّت، وخضعت، ومنه وصف الأرض بالخشوع، وهو يبسها، وانخفاضها، وعدم ارتفاعها بالري والنبات، قال اللّه تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً} [فصلت:39] 4.

إذن فالخشوع في اللغة يدور حول غض البصر وخفض الصوت، والضراعة والسهولة واللين، والخضوع والانخفاض والذل والسكون.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

ذكر العلماء للخشوع في الاصطلاح أكثر من تعريف، وهي متقاربة تدور حول خشوع القلب وخضوعه بين يدي الله عز وجل

قال الجرجاني: وفي اصطلاح أهل الحقيقة: الانقياد للحق، وقيل: هو الخوف الدائم في القلب 5.

وقيل هو: قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذّلّ، وقيل: الخشوع تذلّل القلوب لعلاّم الغيوب 6.

وقال ابن رجب الحنبلي: وأصل الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه، وخضوعه، وانكساره، وحرقته، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح، والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب) 78.

وقال السعدي: وأما الخشوع، فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه.9.

ولعل أشمل التعاريف ما ذكره ابن حجر بأنه: معنى يقوم بالنفس يظهر عنه سكون في الأطراف يلائم مقصود العبادة 10.

وقريب منه قول صاحب التفسير الوسيط إنه: خشية في القلب من الله تعالى تظهر آثارها على الجوارح فتجعلها ساكنة مستشعرة أنها واقفة بين يدي الله سبحانه. 11

ويلاحظ أن كلا المعنين: اللغوي والاصطلاحي يدوران حول الذل والانكسار، إلا أن المعنى الاصطلاحي خص بالذل والانكسار لله.

وردت مادة (خشع) في القرآن الكريم (18) مرة 12.

والصيغ التي جاءت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) } [طه:108]

الفعل المضارع ... 1 ... {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} [الحديد:16]

المصدر ... 2 ... {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء:109]

اسم الفاعل ... 14 ... {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [الحشر:21]

وجاء الخشوع في القرآن على أربعة أوجه 13:

أحدها: التواضع، ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) } [البقرة:45] ، يعني: المتواضعين.

الثاني: سكون الجوارح، ومنه قوله تعالى: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } [المؤمنون:2] .

الثالث: الخوف، ومنه قوله تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90) } [الأنبياء:90] ، يعني: خائفين.

الرابع: الذل، ومنه قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) } [الغاشية:2] ، يعني: ذليلة.

الخضوع:

الخضوع لغة:

الانقياد والمطاوعة 14.

الخضوع اصطلاحًا:

إظهار الانقياد والطاعة لذي سلطان.

الصلة بين الخضوع والخشوع:

قيل: هما بمعنى واحد، وقال ابن عاشور: والخشوع مثل الخضوع، إلاّ أن الخضوع لا يسند إلاّ إلى البدن فيقال: خضع فلان، ولا يقال: خضع بصره إلا على وجه الاستعارة، كما في قوله تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ} [الأحزاب:32] .

وأما الخشوع فيسند إلى البدن؛ كقوله تعالى: {خَاشِعِينَ لِلَّهِ} في آخر سورة آل عمران، ويسند إلى بعض أعضاء البدن؛ كقوله تعالى: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ} في سورة القمر، وقوله: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ} في سورة طه 15.

وعلى هذا فالخضوع يحمل معنى الانقياد، والضعف، واللين، والتذلل، وظهور ذلك على الجوارح.

التضرع:

التضرع لغة:

أصل مادة (ض ر ع) اللّين والضعف، يقال: رجلٌ ضرعٌ أي ضعيف، وغلام ضارع: ضعيف نحيف، والتضرّع: التذلّل 16.

التضرع اصطلاحًا:

يعني: التذلّل في وقت الشدّة والخوف، وظهور أثر ذلك في الصوت.

الصلة بين التضرع والخشوع:

وربما كان التضرع هو أساس الخشوع؛ لأنه هو التذلل الذي يوجد في القلب، والخشوع أثر هذا التذلل الذي يظهر على الجوارح.

ويفرق الراغب بين الخشوع والتضرع فيقول: وأكثر ما يستعمل -أي: الخشوع- فيما يوجد على الجوارح، والضراعة أكثر ما تستعمل فيما يوجد في القلب، ولذلك قيل فيما روي: إذا ضرع القلب خشعت الجوارح 17.

فالخشوع يلتقي مع التضرع في أن كلًّا منهما يحمل معنى اللين والضعف والتذلل، كذلك يلتقيان في أن كلًّا منهما يوجد في القلب فيحدث التأثر على الجوارح.

الوجل:

الوجل لغة:

«الوجل خلاف الطّمأنينة، وجل الرجل يوجل وجلًا، إذا قلق ولم يطمئن» 18.

الوجل اصطلاحًا:

«الوجل استشعار الخوف عن خاطر غير ظاهر وليس له أمارة» 19، كذلك نجده في كتاب الله تعالى يستعمل في سياق أخص من الخوف، وهو حالة نفسية تعرض للنفس عند بداية شيء ما 20.

الصلة بين الوجل والخشوع:

قال السعدي رحمه الله: «الخوف، والخشية، والخضوع، والإخبات، والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله، وأما الخضوع، والإخبات، والوجل، فإنها تنشأ عن الخوف، والخشية، فيخضع العبد لله، ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه، ويحدث له الوجل» 21.

الخشوع الذي هو الخوف والخضوع والتذلل، الذي يظهر على الجوارح لا يتأتى من فراغ، وإنما يكون منشؤه عدة أسباب أشار إليها القرآن الكريم خلال الحديث عن ذلك، وهذه الأسباب هي: الخوف من الله عز وجل، وسماع مواعظ القرآن وتدبرها، وذل العذاب لأهل النار يوم القيامة، وهذا يدعونا لأن نفصل الحديث عن هذه الأسباب فننظمها في النقاط الآتية:

أولًا: الخوف من الله تعالى:

أول أسباب الخشوع هو الخوف من الله عز وجل، والخوف من الله لا يتوفر إلا لمن عرف ربه عز وجل بأسمائه وصفاته، حينها يتولد في النفس استحضار عظمة الله ودوام مراقبته ومعيته، واستحضار عظمة الخالق يثمر في القلب طاعة الله وتوقيره والذل والانكسار له في كل اللحظات، ويعلم المؤمن الحياء من الله لإيقانه بوجوده ومعيته وقربه وسمعه وبصره.

قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد:4] .

ومن يتعود مراقبة الله في كل أقواله وأفعاله يوفقه الله إلى خشيته وخشوعه والخوف منه دائمًا أبدًا، حتى يصل في عبادته إلى درجة الإحسان، الذي قال عنه رسولنا صلى الله عليه وسلم: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، كما في حديث جبريل 22.

وفي الصفحات السابقة نقلنا ما ذكره السعدي في العلاقة بين الخوف، والخشية، والخشوع، وقال: إن معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد من محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن خوفه مقرون بمعرفة الله.

وأما الخشوع: فهو حضور القلب وقت تلبّسه بطاعة الله، وسكون ظاهره وباطنه، فهذا خشوع خاص، وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خوّاص المؤمنين، فينشأ من كمال معرفة العبد ربه، ومراقبته، فيستولي ذلك على القلب.

وقد وصف الله سبحانه من آمن من أحبار أهل الكتاب بالخشوع في موضعين من القرآن الكريم، وفي موضع ثالث يحض أهل الكتاب على الخشوع مبينًا لهم مزية ذلك، والخشوع في المواضع الثلاثة سببه الخوف من الله عز وجل

الموضع الأول الذي يحض فيه أهل الكتاب على الخشوع في سورة البقرة ورد في قول الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) } [البقرة:45 - 46] .

قال ابن عاشور: والمراد بالخاشع هنا: الذي ذلل نفسه وكسر سورتها، وعودها أن تطمئن إلى أمر الله، وتطلب حسن العواقب، وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة؛ فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير، وكأن المراد بالخاشعين هنا: الخائفون الناظرون في العواقب، فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة.

ثم يقول وقد وصف تعالى الخاشعين بأنهم {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} وهي صلة لها مزيد اتصال بمعنى الخشوع ففيها معنى التفسير للخاشعين، ومعنى بيان منشأ خشوعهم، فدل على أن المراد من الظن هنا الاعتقاد الجازم، وإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير جدًّا، والملاقاة مفاعلة من لقي، واللقاء الحضور، والمراد هنا: الحضور بين يدي الله للحساب، أي: الذين يؤمنون بالبعث 23.

والمتأمل في هذا الكلام يدرك أن خوف هؤلاء من موقفهم بين يدي ربهم تبارك وتعالى كان سببًا في خشوعهم وتذللهم وانكسارهم له سبحانه في الدنيا؛ لأنهم آمنوا بالبعث وأيقنوا بالوقوف بين يديه عز وجل للحساب.

والموضع الثاني الذي هو من قبيل وصف القرآن لمن آمن من أحبار أهل الكتاب في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) } [آل عمران:199]

والموضع الثالث في سورة الإسراء قوله تعالى: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء:109] .

قال ابن عاشور: وإنما خروا خرورًا واحدًا ساجدين باكين، فذكر مرتين اهتمامًا بما صحبه من علامات الخشوع، وذكر {يَبْكُونَ} بصيغة المضارع لاستحضار الحالة، والبكاء بكاء فرح وبهجة، والبكاء يحصل من انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق 24.

حتى من يخشعون في صلاتهم الذين كتبهم الله من المفلحين في سورة المؤمنون {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) } [الإسراء:109] .

يفسر ابن عاشور خشوعهم هذا بالخوف فيقول: وهو خوف يوجب تعظيم المخوف منه، ولا شك أن الخشوع، أي: الخشوع لله، يقتضي التقوى فهو سبب فلاح 25.

وفي سورة الأنبياء قال تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء:90] .

وقد ذكر ابن كثير أقوال المفسرين الأوائل فيها ما يوضح أن الخشوع فيها سببه الخوف فيقول: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} قال الثوري: رغبًا فيما عندنا ورهبًا مما عندنا {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: مصدقين بما أنزل الله، وقال أبو العالية: خائفين، وقال أبو سنان: الخشوع هو الخوف اللازم للقلب لا يفارقه أبدًا 26.

وربما كان الخوف سببًا للخشوع الذي يدخل صاحبه فيمن يمتدحهم الله عز وجل، ويبين ثوابهم، وما أعده لهم في الآخرة من الأجر العظيم.

ففي سورة الأحزاب في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) } [الأحزاب:35] .

قال ابن كثير: الخشوع السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع، والحامل عليه الخوف من الله تعالى ومراقبته 27.

هذا الذي ذكرناه سابقًا يعبر عن الخشوع في الدنيا، وهو خشوع المؤمنين الناشئ عن تعظيمهم لربهم عز وجل وخوفهم منه في الدنيا، وفرق بينه وبين الخشوع الذي هو الذل الناشئ عن الخوف من الله في الآخرة، فالأول باختيار المؤمن في الدنيا، والثاني مجبر عليه الكفار؛ لأنهم لم يختاروه في الدنيا، أو أمنوا مكر الله حينما كانوا في دنياهم، فتهاونوا في أوامره ونواهيه، ويدخل في ذلك الآيات التي تتحدث عن خشوع الكفار في الآخرة، ومنها آية سورة الشورى، التي تتحدث عن وصف الظالمين المشركين يوم القيامة {وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى:45] .

وجدير بالذكر أن نفرق بين خوف هؤلاء في الآخرة وبين خوف المؤمنين في الدنيا، وإن كان كلاهما خوف من الله، وكلاهما سبب للخشوع أيضًا، لكن خشوع المؤمنين في الدنيا كان باختيارهم وإرادتهم، صحيح أنه بتوفيق الله عز وجل لهم، لكن كان لهم حق الاختيار فاختاروا تعظيم الله الذي أنتج عنه خوفهم منه، فكان ذلك سببًا في خشوعهم له سبحانه في الدنيا.

وقبل أن ننتقل إلى السبب الثاني من أسباب الخشوع حري بنا أن نشير إلى كيفية تحصيل المسلم لهذا السبب وهو الخوف من الله عز وجل في الدنيا، فهذا الخوف لا يتأتى إلا إذا عظم الإنسان ربه عز وجل فيستحضر عظمة الله، ويتذكر وقوفه بين يديه للحساب، ويتذكر مروره على الصراط، وربما كان أقرب من ذلك أن يتذكر وضعه في القبر وترك المشيعين له وحيدًا لا أنيس ولا جليس، اللهم إلا عمله الذي قدمه، وتعظيم مقام الرب سبحانه لا يحصله الإنسان إلا إذا عظم أوامره ونواهيه، فيمتثل لتلك الأوامر ويسارع إلى الالتزام بها، ويمتثل للنواهي ويسارع في تجنبها، ويروض نفسه وقلبه وفكره شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى الخوف من الله عز وجل في كل حركاته وسكناته، وكما يقال: العلم بالتعلم والحلم بالتحلم.

ثانيًا: سماع مواعظ القرآن وتدبرها:

من الأسباب التي تحمل المسلم على الخشوع سماع آيات القرآن بنية صادقة في قلب نقي خالص مخلص لله سبحانه وتدبر آياته للانتفاع بأحكامه وحكمه ومواعظه وعبره.

ففي وصف من آمن من أحبار أهل الكتاب في سورة الإسراء يقول الله تعالى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) } [الإسراء:107 - 109] .

قال ابن كثير: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ} أي: من صالحي أهل الكتاب الذين تمسكوا بكتابهم ويقيمونه ولم يبدلوه ولا حرفوه {إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ} هذا القرآن {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ} جمع ذقن وهو أسفل الوجه {سُجَّدًا} أي: لله عز وجل شكرًا على ما أنعم به عليهم من جعله إياهم أهلًا أن أدركوا هذا الرسول الذي أنزل عليه هذا الكتاب، ولهذا يقولون {سُبْحَانَ رَبِّنَا} أي: تعظيمًا وتوقيرًا على قدرته التامة، وأنه لا يخلف الميعاد الذي وعدهم على ألسنة الأنبياء المتقدمين عن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا قالوا {إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا} وقوله: {وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ} أي: خضوعًا لله عز وجل وإيمانًا وتصديقًا بكتابه ورسوله {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} أي: إيمانًا وتسليمًا 28.

وقال ابن عاشور: والبكاء يحصل من انفعال باطني ناشئ عن حزن أو عن خوف أو عن شوق، ويزيدهم القرآن خشوعًا على خشوعهم الذي كان لهم من سماع كتابهم 29.

ويبين الله عز وجل ما يجب أن يكون عليه القلب من خشوع بسبب ذكر الله وسماع آيات القرآن في سورة الحديد في قوله تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) } [الحديد:16] .

قال ابن كثير: يقول تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له وتسمع له وتطيعه 30.

ومن ذلك ما رواه ابن قدامة المقدسي رحمه الله في توبة الفضيل بن عياض قال: «كان الفضيل قاطع طريق فخرج ذات يوم يقطع الطريق، فإذا هو بقافلة قد انتهت إليه ليلًا، فقال بعضهم لبعض: أعدلوا بنا إلى هذه القرية فإن أمامنا رجلًا يقطع الطريق يقال له: الفضيل، قال: فسمعه الفضيل فأرعد، فقال: يا قوم أنا الفضيل جوزوا، والله لأجتهدن أن لا أعصي الله أبدًا، فرجع عما كان عليه، وروي من طريق أخرى أنه أضافهم تلك الليلة، وقال: أنتم آمنون من الفضيل، وخرج يرتاد لهم علفًا، ثم رجع فسمع قارئًا يقرأ آية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد:16] .

قال: بلى، والله قد آن، فكان هذا مبتدأ توبته 31.

من هنا كان الخشوع مصدرًا لهداية المسلمين الوقافين عند أوامر ربهم وحدوده.

وتدبر القرآن من أعظم أسباب الخشوع، وذلك لما تشتمل عليه الآيات من وعد ووعيد، وذكر الموت والتذكير به، وأهوال القيامة، وأحوال أهل الجنة والنار، وقصص الأنبياء والرسل وما لاقوه من قومهم من صنوف الإيذاء، وأخبار المكذبين والمتكبرين ونهايتهم، ... إلى آخر كل ذلك، وهذا كله حينما يتدبره المسلم في قراءته يمتلئ قلبه بنور الإيمان وصدق التوكل فيخشع لربه، بل ويعتاد الخشوع، وهنا ندرك موضعًا آخر يبرز خشوع الجبل لو أنزل عليه القرآن، وكأن الله يأمر الناس إذا نزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، وهذا في سورة الحشر في قوله تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الحشر:21] .

يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن ومبينًا علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب وتتصدع عند سماعه، لما فيه من الوعد الحق والوعيد الأكيد {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم يا أيها البشر أن لا تلين قلوبكم وتخشع وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبرتم كتابه 32.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت