فهرس الكتاب

الصفحة 1965 من 2431

وفي زيادة كلمة {لِي} مع انتظام الكلام بدونها تأكيدٌ لطلب الشرح والتيسير بإبهام الشروح والميسر أولًا وتفسيرهما ثانيًا، وفي تقديمها وتكريرها إظهار مزيد اعتناءٍ بشأن كل من المطلوبين، وفضل اهتمامٍ باستدعاء حصولهما له، واختصاصهما به 66.

ثالثًا: تعامل المؤمنين مع الأمر الإلهي:

يتعامل المؤمن مع الأمر الإلهي، وفق النقاط الآتية:

1.الإيمان بما أمر الله به.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21] .

قال ابن عباس رضي الله عنه وسعيد بن جبير: معنى: {يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ} أي: الإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم، قال القرطبي: والظاهر أنها في صلة الأرحام، وهو قول قتادة وأكثر المفسرين، وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات 67.

وقال صاحب التحرير: «وما أمر الله به أن يوصل عام في جميع الأواصر والعلائق التي أمر الله بالمودة والإحسان لأصحابها، فمنها آصرة الإيمان، ومنها آصرة القرابة، وهي صلة الرحم، وقد اتفق المفسرون على أنها مراد الله هنا» 68.

وقال الإمام النسفي: « {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] .

بالإحسان إليهم على حسب الطاقة، ونصرتهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم، وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} أي: وعيده كله {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} خصوصًا فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا» 69.

وهكذا يتبين لنا أن المؤمن الحقيقي يؤمن بكل ما يأمر الله تعالى به ويخشاه ويخافه.

2.طلب التيسير.

قال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} [الكهف: 10] .

قال الطبري: حين أوى الفتية أصحاب الكهف إلى كهف الجبل، هربًا بدينهم إلى الله، فقالوا إذ أووه: {رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً} رغبة منهم إلى ربهم في أن يرزقهم من عنده رحمة، ويسر لنا بما نبتغي وما نلتمس من رضاك والهرب من الكفر بك، ومن عبادة الأوثان التي يدعونا إليها قومنا {رَشَدًا} يقول: سدادًا إلى العمل بالذي تحب، أي: أرشدنا إلى ما يقرب منك، والمعنى: هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد 70.

فقد سألوا الله أن يقدر لهم أحوالًا تكون عاقبتها حصول ما خولهم من الثبات على الدين الحق، والنجاة من مناوئة المشركين؛ وذلك طلب لتيسير أمورهم وأحوالهم، فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم على أنفسهم وعلى الخلق؛ فلذلك استجاب الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في حسابهم 71. فالمؤمن الحقيقي يلجأ إلى الله؛ لأن هو من بيده التيسير فهو القادر المقتدر.

3.الهداية به.

قال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 146 - 147] .

قال ابن القيم: «لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصر منوط بالطاعة، قالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} قال القاضي: وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن، سواء كان في الجهاد أو غيره» 72.

وهذا ما وصف به المتقين من قوله: {أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 135] .

وقال الإمام الشوكاني: «قوله: {إِلَّا أَنْ قَالُوا} استثناء مفرغ، أي: ما كان قولهم عند أن قتل منهم ربانيون، أو قتل نبيهم إلا أن قالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} قيل: هي الصغائر، وقوله: {وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} قيل: هي الكبائر، والظاهر: أن الذنوب تعم كل ما يسمى ذنبًا من صغيرة أو كبيرة، والإسراف: ما فيه مجاوزة للحد، فهو من عطف الخاص على العام، قالوا ذلك مع كونهم ربانيين: هضمًا لأنفسهم، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} في مواطن القتال، {فَآتَاهُمُ اللَّهُ} تعالى بسبب ذلك {ثَوَابَ الدُّنْيَا} من النصر والغنيمة والعزة ونحوها، {وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ} من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ثواب الآخرة الحسن، وهو نعيم الجنة، جعلنا الله من أهلها، فهم قد ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم، وهكذا استعملوا الأمر في طلب الهداية، والعون من الله» 73.

4.الطاعة والامتثال.

قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36] .

قال الشوكاني: «أي: ما صح ولا استقام لرجل ولا امرأة من المؤمنين، ولفظ ما كان وما ينبغي ونحوهما معناهما المنع والحظر من الشيء، والإخبار بأنه لا يحل أن يكون شرعًا، وقد يكون لما يمتنع عقلًا، كقوله: {مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا} [النمل: 60] .

ومعنى الآية: أنه لا يحل لمن يؤمن بالله إذا قضى الله أمرًا أن يختار من أمر نفسه ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء، ويوقف نفسه على ما قضاه الله عليه، واختاره له» 74.

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا {فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد» 75.

وروي في سبب نزول الآية: أنها نزلت في زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرضيت ورأت أنه يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها على زيد بن حارثة أبت وأنكرت، فأنزل الله الآية، قال: فتابعته بعد ذلك ورضيت، وهكذا هو المؤمن الحقيقي يتعامل مع أمر الحق سبحانه وتعالى بالطاعة والامتثال 76.

قال ابن كثير: «هذه الآية عامة في جميع الأمور؛ وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد ها هنا، ولا رأي ولا قول، كما قال تبارك وتعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] » 77.

5.الاتباع.

قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف: 82] .

قال الطبري: «يعني: وما فعلت يا موسى جميع الذي رأيتني فعلته عن رأيي واختياري، ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته عن أمر الله إياي به، فهو كان عبدًا مأمورًا، فمضى لأمر الله واتبعه» 78.

قال الرازي: «يعني ما فعلت ما رأيت من هذه الأحوال عن أمري واجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله ووحيه؛ لأن الإقدام على تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم لا يجوز إلا بالوحي والنص القاطع» 79.

فكل ما فعله الخضر فإنما عن أمر من له الأمر، وهو الله، وهكذا كل مؤمن لا يسير خطوة، ولا ينفذ أمرًا إلا متبعًا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.

6.الصبر والتقوى.

قال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم سيبتلون في أموالهم وفي أنفسهم، وفي إخباره لعباده المؤمنين بذلك عدة فوائد، منها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا وقع؛ لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجئون إلى الصبر والتقوى 80.

قال أبو السعود: {وَإِنْ تَصْبِرُوا} أي: تتخلقوا بالصبر على تلك الشدائد والبلوى عند ورودها وتقابلوها بحسن التجمل {وَتَتَّقُوا} أي: تتبتلوا إلى الله تعالى بالكلية، معرضين عما سواه بالمرة، بحيث يتساوى عندكم وصول المحبوب ولقاء المكروه {فَإِنَّ ذَلِكَ} إشارةٌ إلى الصبر والتقوى، وما فيه من معنى البعد؛ للإيذان بعلو درجتهما، وبعد منزلتهما {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} أي: الأشياء التي هي أهل لأن يعزم على فعلها، ولا يتردد فيه، ولا يعوق عنه عائق 81.

ومنه قوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {وَلَمَنْ صَبَرَ} على إساءة إليه، {وَغَفَرَ} للمسيء إليه جرمه إليه، فلم ينتصر منه، وهو على الانتصار منه قادر، ابتغاء وجه الله، وجزيل ثوابه {إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} يقول: إن صبره ذلك وغفرانه ذنب المسيء إليه لمن عزم الأمور التي ندب إليه عباده، وعزم عليهم العمل به» 82.

فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو الفعل من أشق شيء عليها، والصبر على الأذى، والصفح عنه ومغفرته، ومقابلته بالإحسان أشق وأشق، ولكنه يسيرٌ على من يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر، وسعة الخلق، والتلذذ فيه 83.

قال صاحب التحرير: «وهذا ترغيب في العفو والصبر على الأذى؛ وذلك بين الأمة الإسلامية ظاهر، وأما مع الكافرين فتعتريه أحوال تختلف بها أحكام الغفران، وملاكها أن تترجح المصلحة في العفو أو في المؤاخذة» 84.

رابعًا: تعامل الكافرين والمنافقين مع الأمر الإلهي:

يتعامل الكافرون والمنافقون مع الأمر الإلهي بالرفض والامتناع، ويتضح ذلك كما يلي:

1.العتو.

{الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27] .

قال البيضاوي: «فهذه الآية صفة للفاسقين للذم وتقرير الفسق، ثم قال مبينًا تعامل هؤلاء مع ما أمر الله به بعد أن بين نقضهم للعهود والمواثيق فقال: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام، والكتب في التصديق، وترك الجماعات المفروضة، وسائر ما فيه رفض خير، أو تعاطي شر، فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل {وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ} بالمنع عن الإيمان، والاستهزاء بالحق، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه» 85.

فقوله عز وجل: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} فيه ثلاثة تأويلات: قال الماوردي: أحدها: أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل هو رسوله، فقطعوه بالتكذيب والعصيان، وهو قول الحسن البصري، والثاني: أنه الرحم والقرابة، وهو قول قتادة، والثالث: أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل 86.

فقوله: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} عام في كل قطيعة لا يرضاها الله، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة، وعدم وصل الأقوال الطيبة بالأعمال الصالحة، وسائر ما فيه رفض خير، أو تعاطي شر 87. وجعل الآية عامة في كل قطيعة لا يرضاها الله هو الأولى والراجح في نظري؛ فالعبرة بعموم اللفظ كما على ذلك جمهور المفسرين.

ونظير تلك الآية قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] .

2.التكذيب.

قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28] .

قال الإمام الطبري: «كان قبيلة من العرب من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا قيل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها آباءنا، والله أمرنا بها، فتأويل الكلام إذًا: وإذا فعل الذين لا يؤمنون بالله الذين جعل الله الشياطين لهم أولياء قبيحًا من الفعل، وهو الفاحشة، وذلك تعريهم للطواف بالبيت وتجردهم له، فعذلوا على ما أتوا من قبيح فعلهم، وعوتبوا عليه، قالوا: وجدنا على مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم، ونستن بسنتهم، والله أمرنا به، فنحن نتبع أمره فيه» 88.

فقيل لهم: يعني أنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداءً من غير واسطة، ولا أخذتموه عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله تعالى وبين عباده في تبليغ أوامره ونواهيه وأحكامه؛ لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء؛ فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون؟ 89.

فليس المراد أن القوم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش، ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها، فإن ذلك لا يقوله عاقل، بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات، وأن الله أمرهم بها، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين:

أحدهما: إنا وجدنا عليها آباءنا.

والثاني: إن الله أمرنا بها ...

وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} فقد أجاب عنه بقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} والمعنى: أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها؟ 90.

3.النفور.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] .

يقول تعالى منكرًا على المشركين الذين يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد: اسجدوا واخضعوا وتذللوا للرحمن، فالسجود الذي أمروا به سجود الاعتراف له بالوحدانية، وهو شعار الإسلام، ولم يكن السجود من عبادة مشركي قريش، وإنما كانوا يطوفون بالأصنام، ومقصدهم من ذلك إباء السجود لله؛ لأن السجود الذي أمروا به سجود لله بنية انفراد الله به دون غيره، وهم لا يجيبون إلى ذلك، ويدل على ذلك قوله: {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} فالنفور من السجود سابق قبل سماع اسم الرحمن، وزادهم ذكر الرحمن نفورًا أي: تباعدًا من الإيمان 91.

أما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهية، ويسجدون له، وكان سفيان الثوري يقول في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعًا ما زاد عداك نفورًا، وكأنهم يقولون: تأمرنا بألا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، وتريد أن تأمرنا أيضًا بأن نسجد لهذا الرحمن.

قال الطبري: يعني وزاد هؤلاء المشركين قول القائل لهم: اسجدوا للرحمن من إخلاص السجود لله، وإفراد الله بالعبادة بعدًا مما دعوا إليه من ذلك فرارًا 92.

خامسًا: تعامل إبليس وذريته مع الأمر الإلهي:

تعامل إبليس مع الأمر الإلهي يتمثل فيما يلي:

1.الكبر والغرور.

قال تعالى: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

قال العلماء: الذي أحوجه إلى ترك السجود هو الكبر والحسد، وكان أضمر ذلك في نفسه إذا أمر بذلك، وقال الإمام النسفي: «والسؤال عن المانع من السجود مع علمه به للتوبيخ ولإظهار معاندته وكفره وكبره» 93.

فقد كان أمره من قبل خلق آدم، يقول الله تعالى: {إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 71 - 72] .

فكأنه دخله أمر عظيم من قوله: {فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} فإن في الوقوع توضيع الواقع وتشريفًا لمن وقع له، فأضمر في نفسه ألا يسجد إذا أمره في ذلك الوقت، فلما نفخ فيه الروح وقعت الملائكة سجدًا، وبقي هو قائمًا بين أظهرهم، فأظهر بقيامه وترك السجود ما في ضميره. . .، قلت: يعني من الكبر والاستكبار لأمر الله.

ثم قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} أي: منعني من السجود فضلي عليه، فهذا من إبليس جواب على المعنى، فليس هذا عين الجواب، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف: 12] .

فرأى أن النار أشرف من الطين؛ لعلوها وصعودها وخفتها؛ ولأنها جوهر مضيء.

قال ابن عباس رضي الله عنه والحسن وابن سيرين: أول من قاس إبليس، فأخطأ القياس، فمن قاس الدين برأيه قرنه مع إبليس، قال ابن سيرين: وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، وقالت الحكماء: أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق 94.

فهو مما لاشك فيه أول من أسس بنيان التكبر والمعاندة والعصيان للأوامر الإلهية؛ ولأن الباعث على قوله هذا التكبر، وليس الدليل؛ لذلك قال الله تعالى له: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} [الأعراف 13] .

2.الرفض والخروج على أوامر الله.

قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50] .

فقوله: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} يعني: فخرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال، وعن مجاهد في قول الله تعالى: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} قال: في السجود لآدم، فالمعنى: أنه: عتا وعصى، وأصل الفسق: الخروج، أي: خرج عن أمر ربه، وكذلك قال القتبي: ففسق، أي: خرج عن طاعته، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها، يعني: أنه خرج عن أمر ربه إلى معصيته في ترك السجود، وذكر هذا الزمن بأحداثه وما قيل فيه استحضار لصورته، وكيف عصى إبليس ربه، وعاند في الخضوع لأمر الله تعالى بالنسبة لآدم 95.

قال الإمام الشعراوي: «لقد جاء القرآن بالنص الصريح الذي يوضح جنسيته، فليس لأحد أن يقول: إنه من الملائكة، وما دام كان من الجن، وهم جنس مختار في أن يفعل أو لا يفعل، فقد اختار ألا يفعل: {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] .

أي: رجع إلى أصله، وخرج عن الأمر، أي: فخرج بذلك عن طاعتنا، واستحق لعنتنا وغضبنا» 96.

سادسًا: جزاء اتباع الأمر الإلهي في الدنيا والآخرة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت