قال سيد سابق رحمه الله: «والعبارة ترسم صورة حركتهم الحسية وحركتهم النفسية في ألفاظ قلائل فهم مصعدون في الجبل هربًا، في اضطراب ورعب ودهش، لا يلتفت أحد منهم إلى أحد! ولا يجيب أحد منهم داعي أحد! والرسول صلى الله عليه وسلم يدعوهم؛ ليطمئنهم على حياته بعد ما صاح صائح: إن محمدًا قد قتل، فزلزل ذلك قلوبهم وأقدامهم إنه مشهد كامل في ألفاظ قلائل» 59.
وقوله: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ} الضمير المستتر في قوله: {فَأَثَابَكُمْ} ضمير اسم الجلالة، وهذا هو الموافق لقوله بعده: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ} [آل عمران: 154] .
قال القرطبي رحمه الله: «الغم في اللغة: التغطية. غممت الشيء غطيته. ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين. ومنه غم الهلال: إذا لم ير، وغمني الأمر يغمني. قال مجاهد وقتادة وغيرهما: الغم الأول القتل والجراح، والغم الثاني: الإرجاف بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ صاح به الشيطان. وقيل: الغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والثاني: ما أصابهم من القتل والهزيمة. وقيل: الغم الأول الهزيمة، والثاني: إشراف أبي سفيان وخالد عليهم في الجبل، فلما نظر إليهم المسلمون غمهم ذلك، وظنوا أنهم يميلون عليهم فيقتلونهم فأنساهم هذا ما نالهم، فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا يعلن علينا) . والباء في {بِغَمٍّ} بمعنى: على. وقيل: هي على بابها، والمعنى أنهم غموا النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم إياه، فأثابهم بذلك غمهم بمن أصيب منهم» 60.
وقوله: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 153] .
تعليل لقوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ} [البقرة: 52] 61.
وخلص بعض المشركين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: (من يردهم عنا وله الجنة؟) ، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضًا، فقال: (من يردهم عنا وله الجنة؟) ، فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة 62.
ثم قاتل عنه طلحة بن عبيد الله، فعن قيس، قال: (رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد) 63.
وقاتل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يناوله السهام، ويقول: (ارم فداك أبي وأمي) 64.
ودافع أبو طلحة الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان راميا، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يشرف على القتال، فيقول له أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك 65.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول للرجل معه جعبة السهام: (انثرها لأبي طلحة) 66.
وقد خرجت بعض النسوة مع جيش المسلمين إلى أحد، منهن أم سَلِيط، فقد ثبت عنها أنها كانت تحمل قرب الماء لسقاية المسلمين 67.
وكانت حمنة بنت جحش الأسدية تسقي العطشى وتداوي الجرحى، عن معاوية بن عبيد الله بن أبي أحمد بن جحش، قال: (رأيت بعيني حمنة بنت جحش يوم أحد تسقي العطشى، وتداوي الجرحى) 68.
وصح أن عائشة رضي الله عنها وأم سليم قامتا بسقي الجرحى بعد تراجع المسلمين، عن أنس رضي الله عنه، قال: (لما كان يوم أحد، انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر، وأم سليم وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما تنقزان القرب، وقال غيره: تنقلان القرب على متونهما، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم) 69.
وبهذا الثبات العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه استطاعوا السيطرة على الموقف الحربي تجاه تفوق نسبي للمشركين، فصدوا الهجمات، وأعيدت المعنويات، فيئس المشركون من القضاء على المسلمين، ثم انسحبوا من ساحة المعركة.
فالثبات في ميدان المعركة هو أحد صور الثبات التي يربي الإسلام المسلمين عليها، وذلك أنها صفة تدل على قوة العزيمة والإرادة واليقين بالحق، ولذا عد الفرار من الزحف من كبائر الذنوب.
امتن الله على عباده المؤمنين يوم أحد بآيات عظيمة، كانت معينة لهم على الثبات، ومقوية لهم في محنتهم، رغم قلتهم وكثرة عدوهم، ولما اشتد على المؤمنين الكرب وعظم خوفهم، ونالهم من التعب ما نالهم، وغشيهم من الكرب ما غشيهم؛ ألقى الله تعالى عليهم النعاس وهو أول النوم 70؛ لينسيهم غمهم، ويزيل تعبهم، ويجدد نشاطهم، فكان ذلك كرامة من الله تعالى لهم، وسكينة عليهم: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ} [آل عمران: 154] .
ومن شأن النعاس أن يزيل عن الإنسان بعض المتاعب، وصاحبه لا يغيب، ولو كان نومًا ثقيلًا لهاجمهم الكفار.
يقول ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى ممتنا على عباده فيما أنزل عليهم من السكينة والأمنة، وهو النعاس الذي غشيهم وهم مستلئمو السلاح في حال همهم وغمهم، والنعاس في مثل تلك الحال دليل على الأمان، كما قال تعالى في سورة الأنفال، في قصة بدر: {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] » 71.
وهذا النعاس «ظاهرة عجيبة تشي برحمة الله التي تحف بعباده المؤمنين، فالنعاس حين يلم بالمجهدين المرهقين المفزعين، ولو لحظة واحدة، يفعل في كيانهم فعل السحر، ويردهم خلقًا جديدًا، ويسكب في قلوبهم الطمأنينة، كما يسكب في كيانهم الراحة. بطريقة مجهولة الكنه والكيف» 72.
يقول الفخر الرازي: «واعلم أن ذلك النعاس فيه فوائد:
أحدها: أنه وقع على كافة المؤمنين لا على الحد المعتاد، فكان ذلك معجزة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن المؤمنين متى شاهدوا تلك المعجزة الجديدة ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، ومتى صاروا كذلك ازداد جدهم في محاربة العدو ووثوقهم بأن الله منجز وعده.
وثانيها: أن الأرق والسهر يوجبان الضعف والكلال، والنوم يفيد عود القوة والنشاط واشتداد القوة والقدرة.
وثالثها: أن الكفار لما اشتغلوا بقتل المسلمين ألقى الله النوم على عين من بقي منهم؛ لئلا يشاهدوا قتل أعزتهم، فيشتد الخوف والجبن في قلوبهم.
ورابعها: أن الأعداء كانوا في غاية الحرص على قتلهم، فبقاؤهم في النوم مع السلامة في مثل تلك المعركة من أدل الدلائل على أن حفظ الله وعصمته معهم، وذلك مما يزيل الخوف عن قلوبهم ويورثهم مزيد الوثوق بوعد الله تعالى 73.
قال الزبير بن العوام رضي الله عنه: (لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حين اشتد علينا الخوف، وأرسل علينا النوم، فما منا أحد إلا وذقنه في صدره) .
وقال أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه: (غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه) 74.
وفي رواية قال أبو طلحة: (رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر، وما منهم يومئذ من أحد إلا يميد تحت حجفته من النعاس؛ فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} [آل عمران: 154] ) 75.
وعن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: (كنت ممن يعتريه النعاس يوم أحد، فلا أنسى أنه أسمع صوت معتب بن قشيرٍ كالحلم) 76.
خامسًا: تنزل الملائكة:
من الآيات التي أيد الله بها عباده المؤمنين يوم أحد: أن الملائكة حضروها، ودافعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم كما روى الشيخان من حديث سعد رضي الله عنه قال: (رأيت عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بياض، ما رأيتهما قبل ولا بعد، يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام) 77.
وهذا «فيه بيان كرامة النبي صلى الله عليه وسلم على الله تعالى وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه. وبيان أن الملائكة تقاتل وأن قتالهم لم يختص بيوم بدر، وهذا هو الصواب، خلافا لمن زعم اختصاصه به فهذا صريح في الرد عليه» 78.
فكانت الملائكة حاضرة في غزوة أحد؛ لحراسة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وعد الله المؤمنين إن صبروا واتقوا أمدهم بخمسة آلاف من الملائكة معلمين بعلامات يعرفونهم بها، فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك الرماة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يبرحوا منازلهم رفع الله عنهم مدد الملائكة.
قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 123 - 125] .
فشرط الله لإمدادهم ثلاثة شروط: الصبر، والتقوى، وإتيان المشركين من فورهم هذا 79.
ومن أعمال الملائكة في أحد: أنهم غسلوا من كان جنبًا من الصحابة رضي الله عنهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن حنظلة بن أبي عامر: (إن صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا صاحبته) ، فقالت: (إنه خرج لما سمع الهائعة وهو جنب) ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لذلك غسلته الملائكة) 80.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(رأيت الملائكة تغسلهما) 81.
ومن أعمال الملائكة إظلالها لبعض الصحابة، فقد أظلت عبد الله بن حرام رضي الله عنه، كما روى ابنه جابر رضي الله عنه قال: (لما قتل أبي جعلت أكشف الثوب عن وجهه وأبكي، وينهونني عنه وهو لا ينهاني، فجعلت عمتي فاطمة تبكي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:(تبكين أو لا تبكين، فما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه) 82.
سادسًا: موقف الرماة:
جعل النبي صلى الله عليه وسلم جيشا من الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير، وأمرهم أن لا يبرحوا أماكنهم حتى وإن ظهر المسلمون.
عن البراء بن عازب رضي الله عنهما، يحدث قال: جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد -وكانوا خمسين رجلًا- عبد الله بن جبير، فقال: (إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم) ، فهزموهم، قال: فأنا والله رأيت النساء يشتددن، قد بدت خلاخلهن وأسوقهن، رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة أي قوم الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبدالله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: والله لنأتين الناس، فلنصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم غير اثني عشر رجلا، فأصابوا منا سبعين 83.
يقول سبحانه، مبينا حقيقة ما حصل: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .
قال محمد بن كعب القرظي: «لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر؟ فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ} الآية إلى قوله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا} يعني: الرماة الذين فعلوا ما فعلوا يوم أحد 84.
ومعنى تحسونهم أي: تقتلونهم وتستأصلونهم 85.
والمعنى: ولقد حقق الله تعالى لكم أيها المؤمنون ما وعدكم به من النصر على أعدائكم؛ إذ أيدكم في أول معركة أحد بعونه وتأييده، فصرتم تقتلون المشركين قتلا ذريعا شديدا بإذنه وتيسيره ورعايته.
{حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 152] .
«أي: حتى إذا جبنتم وضعفتم {وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} ، أي: واختلفتم في أمر الله، وعصيتم وخالفتم نبيكم، فتركتم أمره وما عهد إليكم. وإنما يعني بذلك الرماة الذين كان أمرهم صلى الله عليه وسلم بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بأحد بإزاء خالد بن الوليد ومن كان معه من فرسان المشركين» 86.
{مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} ، أي: من بعد الذي أراكم الله، أيها المؤمنون بمحمد، من النصر والظفر بالمشركين، وذلك هو الهزيمة التي كانوا هزموهم عن نسائهم وأموالهم قبل ترك الرماة مقاعدهم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقعدهم فيها، وقبل خروج خيل المشركين على المؤمنين من ورائهم 87.
قال الفخر الرازي: «ما الفائدة في قوله: {مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ} ؟
والجواب عنه: أن المقصود منه التنبيه على عظم المعصية؛ لأنهم لما شاهدوا أن الله تعالى أكرمهم بإنجاز الوعد كان من حقهم أن يمتنعوا عن المعصية، فلما أقدموا عليها لا جرم سلبهم الله ذلك الإكرام، وأذاقهم وبال أمرهم» 88.
«وألفاظ الآية تقتضي التوبيخ لهم، ووجه التوبيخ لهم أنهم رأوا مبادئ النصر، فكان الواجب أن يعلموا أن تمام النصر في الثبات لا في الانهزام» 89.
ثم قال سبحانه: {وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: «ما كنت أظن أن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا يحب الدنيا حتى نزلت: {مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ} » 90.
ثم قال: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .
يقول ابن عاشور: «وإنما قال: {ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} ؛ ليدل على أن ذلك الصرف بإذن الله وتقديره، كما كان القتل بإذن الله وأن حكمته الابتلاء؛ ليظهر للرسول وللناس من ثبت على الإيمان من غيره، ولأن في الابتلاء أسرارا عظيمة في المحاسبة بين العبد وربه سبحانه وقد أجمل هذا الابتلاء هنا وسيبينه.
وعقب هذا الملام بقوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} تسكينًا لخواطرهم، وفي ذلك تلطف معهم على عادة القرآن في تقريع المؤمنين.
وفي تذييله بقوله: {وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} تأكيد ما اقتضاه قوله: {وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ} والظاهر أنه عفو لأجل التأويل، فلا يحتاج إلى التوبة، ويجوز أن يكون عفوا بعد ما ظهر منهم من الندم والتوبة» 91.
وقوله: {صَرَفَكُمْ} يدل على أن ما حدث في أحد لم يكن هزيمة، وإن لم يكن نصرا أيضًا؛ لأن الهزيمة تقتضي أن يولي المسلمون الأدبار، وأن يأسر بعضهم أعداؤهم، ويسبي نساءهم، ويتحكم فيهم، وما حدث في أحد لم يكن كذلك.
عن عبيد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنه قال: ما نصر النبي صلى الله عليه وسلم في موطن كما نصر يوم أحد قال: فأنكرنا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله عز وجل إن الله عز وجل يقول في يوم أحد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: 152] .
يقول ابن عباس: والحس: القتل، {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .
وإنما عنى بهذا: الرماة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامهم في موضع ثم قال: (احموا ظهورنا فإن رأيتمونا نقتل، فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنمنا، فلا تشركونا) ، فلما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباحوا عسكر المشركين، انكشف الرماة، فدخلوا في العسكر ينتهبون، وقد التقت صفوف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهم هكذا، وشبك بين أصابع يديه، والتبسوا فلما أخل الرماة تلك الخلة، التي كانوا فيها، دخل الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير 92.
ونستفيد من هذا الحدث الطريقة المثلى لمعالجة الخطأ وتوجيه المخطئ، فقد ترفق القرآن وهو يعقب على ما أصاب المسلمين في غزوة أحد، فقال سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152] .
على عكس ما نزل في بدر من آيات في شأن أسرى بدر، قال تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67 - 68] .
فكان أسلوب القرآن الكريم في محاسبة المنتصر على أخطائه أشد من حساب المنكسر، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المربي الناصح لأمته.
ونستفيد أيضًا من هذا الموقف: أهمية مبدأ الطاعة في الإسلام، بل يعد في غاية الأهمية في الأمور الحربية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ يؤكد على الرماة أهمية الأمر بالأمر الصريح المباشر بقوله: (احموا ظهورنا) ، وألا يقوموا بغير هذا الدور أيا كان مسار المعركة، (وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا) .
«ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة درس عميق يتعلم منه المسلمون قيمة الطاعة، فالجماعة التي لا يحكمها أمر واحد، أو التي تغلب على أفرادها وطوائفها النزعات الفردية النافرة لا تنجح في صدام، بل لا تشرف نفسها في حرب أو سلام.
والأمم كلها -مؤمنها وكافرها- تعرف هذه الحقيقة، ولذلك قامت الجندية على الطاعة التامة، وعند ما تشتبك أمة في حرب، تجعل أحزابها جبهة واحدة، وأهواءها رغبة واحدة، وتخمد كل تمرد أو شذوذ ينجم في صفوفها، وإحسان الجندية كإحسان القيادة، فكما أن إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشئون تعود على الجماعة بالخير الجزيل» 93.
سابعًا: مشهد إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم:
لما للحرب النفسية من أثر عظيم في كسر إرادة الإنسان، فقد مارسها المشركون في أثناء هذه الغزوة، وذلك أن ابن قمئة المجرم، قتل مصعب بن عمير رضي الله عنه، وهو يظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لشبهه به، فانصرف ابن قمئة إلى المشركين، إن محمدًا قد قتل 94.