فهرس الكتاب

الصفحة 1059 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

هي هوام الأرض وصغار دوابها، وقيل: الصيد كله حشرة، ما تعاظم منه وتصاغر؛ والحشرة أيضًا: كل ما أكل من بقل الأرض 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فهي صغار دواب الأرض وهوامها 2.

والحشرات عند علماء الحيوان: كل كائن من شعبة المفصليات، له ثلاثة أزواج من الأرجل، ويقطع في تحوله ثلاثة أطوار، بيضة الحشرة، حورية الحشرة (صرصور) ، خادرة الحشرة فراشة، والجمع حشرات 3.

لم يرد لفظ الحشرات في الاستعمال القرآني، ولكن جذر الكلمة وهي مادة (حشر) موجودة في القرآن، والتي تعني: الجمع مع السّوق والانبعاث، وبذلك سميت حشرات الأرض لكثرتها وانسياقها وانبعاثها 4.

وقد ذكر القرآن بعض الحشرات، وهي:

-البعوضة: في قوله تعالى: (چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 26] .

-الجراد: في قوله تعالى: (? ? ? چ) [الأعراف:133] .

-القمّل: في قوله تعالى: (? ? ? چ چ) [الأعراف:133] .

-النحل: في قوله تعالى: (? ژ) [النحل:68] .

-الذباب: في قوله تعالى: (? ? ? ? ? پپ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحج:73] .

-النمل: في قوله تعالى: (ک ک ک ک گ گ) [النمل:18] .

-العنكبوت: في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت:41] .

-دابة الأرض: في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [سبأ:14] .

-الحيوان:

الحيوان لغة:

اسم يقع على كل شيء حي، ووصف الله عز وجل الدار الآخرة بأنها الحيوان، والمعنى أن من صار إلى الآخرة لم يمت ودام حيًّا فيها 5.

الحيوان اصطلاحًا:

كل ذي روح من المخلوقات غير العاقلة 6.

الصلة بين الحشرات والحيوان:

أن الحشرات من أنواع الحيوانات.

الكائنات الحية:

الكائنات الحية:

هي مجموعة المتعضيات الحية التي تشكل الكتلة الحية على سطح الأرض، وتقسم عادة لعدة ممالك حسب التصنيف المعتمد أهمها: الحيوانات والنباتات والفطريات والأوليات والجراثيم.

والكائن الحي: هو أي خلية أو مجموعة خلايا متمايزة أو غير متمايزة تتصف بقيامها بالوظائف الحيوية التي تجعلنا نصفها بالحياة مثل التنفس والهضم والحركة.

الصلة بين الحشرات والكائنات الحية:

أن الحشرات من أنواع الكائنات الحية.

الدابة:

الدابة لغة:

كل ما دب على وجه الأرض، وقد غلب على ما يركب من الحيوان، وفي العرف يطلق على الخيل والحمار والبغل 7.

الدابة اصطلاحًا:

الحي الذي من شأنه الدبيب، وقيل: كل حيوان في الأرض، وإخراج البعض الطير من الدواب رد بالسماع، ولا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي له 8.

الصلة بين الحشرات والدابة:

أن الحشرات من الأنواع التي تدب على الأرض.

-خلق الله تعالى الحشرات لحكمة، ولها منافع ومضار، وفي خلقتها الإبداع الرباني، وسنبين ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: حكمة خلق الحشرات:

إن عالم الحشرات فيه من العجائب والحكم الإلهية ما يستحق الوقوف والتأمل طويلًا، وذلك أنه عالم مستقل بل هو عوالم تحار فيها العقول والأفكار، فيه تنوع في الخلق؛ فمنه ما يطير ومنه ما يمشي على رجلين وعلى أربع وعلى أكثر، ومنه ما يرى بالعين المجردة ومنه ما لا يرى، وهناك اختلاف في الأشكال والألوان، وفي الأصوات، وفي طريقة الحياة وتناول الطعام، وفي الأسماع والأبصار وآلات البطش، وأشياء يعجز العلم عن تسطيرها. وعن عوالم الحشرات والحيوانات والطيور، يتحدث القرآن الكريم، فيقول تبارك وتعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) } [الأنعام:38] .

{أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} ، مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم، ويقول تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) } [هود:6] .

يعنى: تساوت المخلوقات، وتماثلت المصنوعات في الحاجة إلى المنشئ: في حال الإبداع ثم في حال البقاء، وكذلك جميع الصفات النفسية والنعوت الذاتية توقفت عن الإيجاد والاختيار، فما من شيء من عين وأثر، ورسم وطلل إلا وهو على وحدانيته شاهد، وعلى كون أنه مخلوق دليل ظاهر.

يقول تعالى عن إخراج العسل الذي فيه شفاء للناس من النحل، تلك الحشرة الضعيفة: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل:68 - 69] .

وعن فطانة النملة، حكى الله تعالى قولها وقد رأت سليمان عليه السلام وجنوده: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) } [النمل:18 - 19] .

وعن القمل والجراد أخبر تعالى أنها آية من آياته يعذب بها من يشاء، وقد سماها الله تعالى في كتابه العزيز آيات مفصلات، فقال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) } [الأعراف:133] .

فقد عذب الله تعالى قوم فرعون بحشرة صغيرة لم يكونوا يتوقعون ذلك ولم يخطر لهم على بال.

وعن الذباب وما فيها من الإعجاز الدال على عظمة الله وقدرته الباهرة في هذه الحشرة الصغيرة التي تحدى الله تعالى بها العالم، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) } [الحج:73] .

وفي خلق الحشرات كثير من الحكم، فقد جعل الله لها غرائز يعرف بها بعضها إشارة بعض، وهدى الذكر منها لإتيان الأنثى، وفي ذلك دليل على نفاذ قدرة المركب ذلك فيها، وفيها من الحكم الدالة على عظم قدرته ولطف علمه وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس المتكاثرة الأصناف، وهو لما لها وما عليها مهيمن على أحوالها لا يشغله شأن عن شأن، وأن المكلفين ليسوا مخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان 9.

ثانيًا: منافع الحشرات ومضارها:

فأما منافع الحشرات:

فمن الحشرات النافعة التي ذكرها القرآن الكريم: النحل.

قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل:68 - 69] .

بينت الآية أن العسل فيه شفاء للناس؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة، وقلّ معجون من المعاجين لم يذكر الأطباء فيه العسل، وليس الغرض أنه شفاء لكل مريض، كما أن كل دواء كذلك، وتنكيره إمّا لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، وكلاهما محتمل، وعن أبي سعيد رضي الله عنه: (أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخي يشتكي بطنه، فقال:(اسقه عسلًا) ثم أتى الثانية، فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه الثالثة فقال: (اسقه عسلًا) ثم أتاه فقال: قد فعلت؟ فقال: (صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا) فسقاه فبرأ 1011.

قال المراغي: «وقد أثبت الطب الحديث ما للعسل من فوائد، أدع الكلام فيها ليتولى شرحها النطاسي الكبير المرحوم عبد العزيز إسماعيل باشا قال في كتابه: الإسلام والطب الحديث: ما أصدق الآية الكريمة! {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل:69] .

إن التركيب الكيماوي للعسل كما يلى:

من «25 - 40 دكستروز (جلوكوز) » ، من «30 - 45 ليفيلوز» ، من «15 - 25 ماء» .

والجلوكوز الموجود فيه بنسبة أكثر من أي غذاء آخر، وهو سلاح الطبيب في أغلب الأمراض، واستعماله في ازدياد مستمر بتقدم الطب، فيعطى بالفم وبالحقن الشرجية وتحت الجلد وفى الوريد، ويعطى بصفته مقويًا ومغذيًا، وضد التسمم الناشئ من مواد خارجية كالزرنيخ والزئبق والذهب والكلوفرم والمورفين إلخ، وضد التسمم الناشئ من أمراض أعضاء الجسم مثل: التسمم البولي والناشئ من أمراض الكبد، والاضطرابات المعدية والمعوية، وضد التسمم في الحميات، مثل: التيفويد والالتهاب الرئوي والسحائي المخي والحصبة، وفى حالات ضعف القلب، وحالات الذبحة الصدرية، وبصفة خاصة في الارتشاحات العمومية الناشئة من التهابات الكلى الحادة وفي احتقان المخ وفى الأورام المخية إلخ، وقد يقال: وما أهمية هذه الآية مع أن كل أنواع الغذاء لها فوائد، وقد ذكر العسل؛ لأنه غذاء لذيذ الطعم وبطريق المصادفة.

فالحقيقة هي أن أنواع الغذاء الأخرى لا تستعمل كعلاج إلا فيما نذر من الأمراض ناشئة عن نقصها في الغذاء فقط، وهذه الفواكه التي تشبه العسل في الطعم فإن السكر الذي فيها هو سكر القصب أو أنواع أخرى، وليس فيها إلا نسبة ضئيلة من (الجلوكوز) الذي هو أهم عناصر العسل.

وإذا علمنا أن الجلوكوز يستعمل مع الأنسولين حتى في حالة التسمم الناشئ عن مرض البول السكري علمنا مقدار فوائده، وأن القرآن الكريم لم يذكره بطريق المصادفة، ولكنه تنزيل ممن خلق الإنسان والنحل، وعلم كلا منهما علاقته بالآخر» 12.

وأما أضرار الحشرات:

فمن الحشرات الضارة التي ذكرها القرآن الكريم: الجراد والقمل.

قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) } [الأعراف:133] .

بينت الآية أن الله تعالى أرسل على بني إسرائيل الجراد، وتعتبر الجراد من الحشرات المؤذية والمخربة، والتي تسبب الكوارث وإتلاف المحاصيل الزراعية، وإذا طلعت أسرابه على الزرع أتت عليه، فلم تبق منه ثمرًا ولا ورقًا، وقد سلطه الله تعالى على بني إسرائيل فأكل زرعهم وثمارهم وثيابهم وسقوف دورهم، وابتلاهم الله بالقمل وهو: حشرة صغيرة، تسكن الأجساد القذرة، وتعيش على ما تمتصه من الدم، وقيل: هي صغار الجراد، وهي أشدّ فتكًا وأكثر بلاء من كباره، وقيل: هو السوس الذي يصيب الحبوب، ومفردها قمّلة، وقيل: هو ما نسميه بالقراد، وقيل: هو الحشرات التي تهلك النبات والحرث، وحين نراه نفزع ونبحث عن تخليص الزرع منه باليد والمبيدات، وكل ذلك من تنبيهات الحق للخلق، وهي مجرد تنبيه وإرشاد ولفتٌ للالتفات إلى الحق، وقد جاء في التوراة: إن البعوض والذباب كان من الضربات العشر التي ضرب الرب بها فرعون وقومه ليرسلوا بني إسرائيل مع موسى. ففي الفصل الثامن من سفر الخروج: إن موسى أنذر فرعون أن الذباب سيدخل بيوته وبيوت عبيده وسائر قومه فيفسدها، ولا يدخل بيوت بني إسرائيل المقيمين في أرض جاسان، وأن ذلك وقع وفسدت الأرض من تأثير الذباب 13.

ثالثًا: الإبداع الإلهي في خلق الحشرات:

لقد ذكر القرآن الكريم الإبداع الإلهي في خلق الكائنات.

قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) } [النور:45] .

يخبر القرآن الكريم عن الإبداع الإلهي في خلق الكائنات ومنها الحشرات، ويتجلى الإبداع الإلهي في خلق الحشرات؛ وذلك أن الحشرات مع صغر حجمها ودقتها فيها كل مقومات الحياة.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة:26] .

فالمشركون نظروا إلى حجم هذه الحشرة فرأوها شيئًا تافهًا، فكيف يجعله الله مثلًا؟ ولم يلتفت المشركون إلى الإبداع الإلهي وعظمة الصانع وقدرته وبديع خلقه سبحانه، ولو نظروا إلى ذلك لوجدوا أن هذه البعوضة مع ضعفها وصغرها ودقة حجمها خلق من خلق الله، فيها من العجائب والأسرار ما يدعو للتأمل والنظر، وليست شيئًا تافهًا.

فإن هذه البعوضة بحجمها المتناهي في الصغر تحمل معها كل أجهزة الحياة، من عيون ترى، وأجنحة تطير، وأجهزة جنسية لحفظ النوع، وجهاز هضمي للطعام وإخراج الفضلات، وإن البعوضة تمتلك حوالي (100) عين، وهذه العيون كلها موجودة في الرأس على شكل يشبه قرص العسل، تقوم عين البعوض باستلام الإشارات وترسلها إلى الرأس.

وللحشرات عيون تختلف في تركيبها عن عين الإنسان أو القرد أو البقرة أو السلحفاة أو السمكة، ولكن على الرغم من هذا الاختلاف إلا أن الحشرات ترى بها الأشياء التي تنظر إليها، فالذبابة المنزلية مثلًا بحاجة إلى عين ترى بها الغذاء، وتدرك أيّ حركة يقصد بها الاعتداء على حياتها؛ ولذا فقد زودها الخالق كما هي الحال في معظم الحشرات بزوج من العيون المركبة؛ إذ إنّ كلّ عين من هذه العيون مكونة من مئات الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض، كلّ وحدة من هذه الوحدات المتشابهة المتراصة بعضها بجوار بعض.

وإن الحشرات ليست لها رئتان كما للإنسان، ولكنها تتنفس عن طريق أنابيب، وحين تنمو الحشرات وتكبر، لا تقدر تلك الأنابيب أن تجاريها في نسبة تزايد حجمها، ومن ثم لم توجد قط حشرة أطول من بضع بوصات، ولم يطل جناح حشرة إلا قليلًا.

وبفضل جهاز تكوين الحشرات وطريقة تنفسها لم يكن في الإمكان وجود حشرة ضخمة، وهذا الحد من نمو الحشرات قد كبح جماحها كلها، ومنعها من السيطرة على العالم، ولولا وجود هذا الضابط الطبيعي لما أمكن وجود الإنسان على ظهر الأرض، وتصور إنسانًا فطريًّا يلاقي دبورًا يضاهي الأسد في ضخامته، أو عنكبوتًا في مثل هذا الحجم!

ولم يذكر إلا القليل عن التنظيمات الأخرى المدهشة في فيزيولوجيا الحيوانات، والتي بدونها ما كان أي حيوان- بل كذلك أي نبات- يمكن أن يبقى في الوجود.

فهذا التنوع والتمايز في عالم الحشرات المليء بالعبر والأسرار، لم يكن عبثًا أو مصادفة عمياء، ولم يكن من صنع وثن أو صنم، كما لم يبق مجال لأحد أن يدع أو يظن بأن لله شريكًا في ملكه 14.

قال الغزالي: «ثم في كل حيوان ونبات أعجوبة وأعاجيب تخصه لا يشاركه فيها غيره، فانظر إلى النحل وعجائبها، وكيف أوحى الله تعالى إليها حتى اتخذت من الجبال بيوتًا ومن الشجر ومما يعرشون، وكيف استخرج من لعابها الشمع والعسل، وجعل أحدهما ضياءً، وجعل الآخر شفاءً، ثم لو تأملت عجائب أمرها في تناولها الأزهار والأنوار واحترازها عن النجاسات والأقذار، وطاعتها لواحد من جملتها هو أكبرها شخصًا وهو أميرها، ثم ما سخر الله تعالى له أميرها من العدل والإنصاف بينها حتى إنه ليقتل على باب المنفذ كل ما وقع منها على نجاسة.

ثم دع عنك جميع ذلك وانظر إلى بنائها بيوتها من الشمع، واختيارها من جملة الأشكال الشكل المسدس، فلا تبني بيتًا مستديرًا ولا مربعًا ولا مخمسًا بل مسدسًا؛ لخاصِّية في الشكل المسدس يقصر فهم المهندسين عن دركها، وهو أن أوسع الأشكال وأحواها المستديرة وما يقرب منها، فإن المربع يخرج منه زوايا ضائعة، وشكل النحل مستدير مستطيل فترك المربع حتى لا تضيع الزوايا فتبقى فارغة، ثم لو بناها مستديرة لبقيت خارج البيوت فرج ضائعة؛ فإن الأشكال المستديرة إذا جمعت لم تجتمع متراصة، ولا شكل في الأشكال ذوات الزوايا يقرب في الاحتواء من المستدير، ثم تتراص الجملة منه بحيث لا يبقى بعد اجتماعها فرجة إلا المسدس، وهذه خاصية هذه الشكل.

فانظر كيف ألهم الله تعالى النحل على صغر جرمه ولطافة قده لطفًا به وعناية بوجوده وما هو محتاج إليه ليتهنأ بعيشه فسبحانه ما أعظم شأنه وأوسع لطفه وامتنانه» 15.

-إن القرآن الكريم قد اهتم بأمر الحشرات وسمى بعض سوره بأسماء حشرات منها، مثل: سورة النمل، وسورة النحل، وسورة العنكبوت، ومن الحشرات التي ذكرها القرآن الكريم ما يأتي:

أولًا: النمل:

النمل: اسم جنس لحشرات صغيرة، ذات ست أرجل، تسكن في شقوق من الأرض.

وهي أصناف متفاوتة في الحجم، والواحد منه نملةٌ، وسميت النملة نملة لتنملها، وهو كثرة حركتها وقلة قرارها.

وقيل: إن النمل أكثر جنسه حِسًّا؛ لأنه إذا التقط الحبّة من الحنطة والشعير للادخار قطعها اثنين لئلا تُنْبِت، وإن كانت كزبرة قطعها أربع قطع 16.

ومن عجائب مخلوقات الله تعالى والتي ذكرها القرآن الكريم النمل، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) } [النمل:18] .

لما ذكر القرآن الكريم ملك سليمان عليه السلام وجنوده من الجن والإنس والطير أراد الله تعالى أن يطلع سليمان عليه السلام على مملكة من خلقه، وهي مملكة النمل، فقد ذكرت الآية أن سليمان عليه السلام حين مرّ على وادي النمل تنبهت نملة للخطر الذي سوف يصيب جماعتها، فتكلمت النملة مخاطبة جماعتها: ادخلوا مساكنكم، حتى لا يقتلكم سليمان وجنوده.

وكانت هذه النملة فزعةً فزعًا شديدًا، وحريصةً أشد الحرص على سلامة جماعتها، وعبرت عن ذلك بقولها: {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} .

والحطم: حقيقته الكسر لشيء صلب، واستعير هنا للرفس بجامع الإهلاك.

و {لَا يَحْطِمَنَّكُمْ} (لا) ناهية، والجملة مستأنفة تكريرًا للتحذير ودلالة على الفزع؛ لأن المحذر من شيء مفزع يأتي بجمل متعددة للتحذير من فرط المخافة، والنهي عن حطم سليمان إياهن كناية عن نهيهن عن التسبب فيه وإهمال الحذر منه، والنون توكيد للنهي.

ولم يكن سليمان عليه السلام مستبدًا ولا غليظًا ولا ظالمًا، وإنما كان نبيًّا وملكًا عادلًا، ينظر إلى مخلوقات الله، ويقدر لها رأيها، ويسمع قولها، وقد أدركت النملة ذلك فقالت: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} بجريمتهم، لكثرة غلبتهم ومراعاتهم نظام المشي، وذلك أن الجند إذا سيرهم قائدهم على جهة كان مشيهم بانتظام نحوها حتى إذا كان أمامهم شيء يدوسونه ولم يحيدوا عنه، ولهذا تقدمت النملة بالعذر لسليمان عليه السّلام ووصفته وجنوده بالعدل والرحمة والتباعد عن الجور، إذ علمت بإلهام الله إياها أنه نبي لا يجور ولا يتيه ولا يظلم، فسمع سليمان عليه السلام حديث النملة، ولم يغضب، ولم يعاتب، ولم يغير أمرها لإخوانها، وإنما استحسن صنيعها، وتوجه بالشكر لله الذي علمه منطق النمل 17.

قال أهل التفسير: في كلام هذه النملة أنواع من البلاغة: نادت، ونبّهت، وسمت، وأمرت، ونصت، وحذرت، وخصت، وعمت، وأشارت، وأعذرت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت