ومعنى قوله: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا) ، يعني: رغبة فيما عند الله من الثواب وهو الجنة، ورهبًا أي فزعًا من عذاب الله تعالى، وكانوا لنا خاشعين، يعني: مطيعين، ويقال: متواضعين» 60.
وقوله تعالى أيضًا: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ?57?وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ?58?وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ?59?) [المؤمنون:57 - 59] .
والمعنى: لما ذم الله سبحانه وتعالى المشركين وتوعدهم عقب ذلك بمدح المؤمنين وذكرهم بأبلغ صفاتهم، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ?57?) أي: هم من جلال الله وعظمته خائفون، ومن خوف عذابه حذرون، وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ) أي: يصدقون بآيات الله القرآنية، وآياته الكونية وهي البراهين الدالة على وجوده سبحانه.
وقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ) أي: لا يعبدون معه غيره، بل يوحدونه ويخلصون العمل لوجهه، وقيل: ليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي الشريك لله فإن ذلك داخل في الآية السابقة، بل المراد منه نفي الشرك الخفي وذلك بأن يخلص في العبادة لوجه الله عز وجل وطلبًا لرضوانه 61.
3.عدم الثقة في قبول العمل والخوف من أن يرد.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ?60?أُولَ?ئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ?61?) [المؤمنون:60 - 61] .
والمعنى: من الآيات الكريمة في سورة المؤمنون والتي أشرنا إليها سابقًا، يبدو فيها أثر الإيمان في القلب، من الحساسية والإرهاف والتحرج، والتطلع إلى الكمال، وحساب العواقب، مهما ينهض بالواجبات والتكاليف.
فهؤلاء المؤمنون يشفقون من ربهم خشية وتقوى وهم يؤمنون بآياته، ولا يشركون به، وهم ينهضون بتكاليفهم وواجباتهم، وهم يأتون من الطاعات ما استطاعوا، ومع ذلك كله، (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) لإحساسهم بالتقصير في جانب الله، بعد أن بذلوا ما في طوقهم، وهو في نظرهم قليل.
عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يا رسول الله: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر، وهو يخاف الله عز وجل؟ قال: (لا يا بنت الصديق! ولكنه الذي يصلي ويصوم ويتصدق، وهو يخاف الله عز وجل) 62.
إن قلب المؤمن يستشعر يد الله عليه، ويحس آلاءه في كل نفس وكل نبضة .. ومن ثم يستصغر كل عباداته، ويستقل كل طاعاته، إلى جانب آلاء الله ونعمائه، كذلك هو يستشعر بكل ذرة فيه جلال الله وعظمته ويرقب بكل مشاعره يد الله في كل شيء من حوله .. ومن ثم يشعر بالهيبة، ويشعر بالوجل، ويشفق أن يلقى الله وهو مقصر في حقه، لم يوفه حقه عبادة وطاعة ولم يقارب أياديه عليه معرفة وشكرا، وهؤلاء هم الذين يسارعون في الخيرات، وهم الذين يسبقون لها فينالونها في الطليعة، بهذه اليقظة، وبهذا التطلع، وبهذا العمل، وبهذه الطاعة 63.
ويقول ابن عباس: هذه الآيات بما ذكرته من الصفات التي يتصفون بها من فعل الخيرات، بأن يعطوا ما أعطوا من الصدقة، وينفقوا ما أنفقوا من المال في سبيل الله، ويقال: يعملون ما عملوا من الخيرات، ومع ذلك قلوبهم خائفة أنهم إلى ربهم راجعون في الآخرة فلا يقبل منهم 64.
4.الإنفاق في سبيل الله والعفو عن الناس.
وهذه صفتان اتصف به هؤلاء، لقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ? وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ?134?) [آل عمران:134] .
والمعنى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ) أي: في حال الرخاء واليسر، (وَالضَّرَّاءِ) أي: في حال الضيقة والعسر، وإنما افتتح بذكر الإنفاق لأنه أشق شيء على النفس، فمخالفتها فيه منقبة شامخة، وقوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) أي: الممسكين عليه في نفوسهم، الكافين عن إمضائه مع القدرة عليه، اتقاء التعدي فيه إلى ما وراء حقه، وقوله: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) أي: ظلمهم لهم، ولو كانوا قد قتلوا منهم، فلا يؤاخذون أحدا بما يجني عليهم، ولا يبقى في أنفسهم موجدة، كما قال تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى:37] .
وقوله: (ٹ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) عبر عنهم بالمحسنين إيذانًا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي، والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها 65.
5.إذا عصوا سرعان ما يتوبون.
كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، ولا معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم ولكن المسارع إلى الخيرات إذا عصى الله سبحانه وتعالى تذكر فخاف، وأقلع وأناب إلى رب الأرباب.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ?135?) [آل عمران:135] .
6.اغتنام الكنوز الربانية.
يغتنم المسارعون في الخيرات كل ما يجلب لهم الأجر والثواب، وكثرة الحسنات، كالتكبير والحمد والتسبيح والتهليل وكثير من أوجه الخير، فمثلًا الاسراع إلى حمد الله سبحانه وتعالى وشكره على نعمه ورحمته بهم.
قال تعالى: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ? إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34] .
والمعنى: «أنهم لما أعطوا ما أعطوه زال عنهم ما كانوا فيه قبل من هول الموقف ومن خشية العقاب بالنسبة للسابقين والمقتصدين ومما كانوا فيه من عقابٍ بالنسبة لظالمي أنفسهم، وجملة (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) استئناف ثناءٍ على الله شكروا به نعمة السلامة، أثنوا عليه بالمغفرة لما تجاوز عما اقترفوه من اللمم وحديث الأنفس ونحو ذلك مما تجاوز الله عنه بالنسبة للمقتصدين والسابقين، ولما تجاوز عنه من تطويل العذاب وقبول الشفاعة بالنسبة لمختلف أحوال الظالمين أنفسهم، وأثنوا على الله بأنه شكورٌ لما رأوا من إفاضته الخيرات عليهم ومضاعفة الحسنات مما هو أكثر من صالحات أعمالهم» 66.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قال سبحان الله وبحمده غرست له نخلة في الجنة) 67.
7.فعل الواجبات والمستحبات وبعض المباحات وترك المحرمات والمكروهات.
قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ? فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ?32?) [فاطر:32] .
قال ابن كثير في الآية: الله سبحانه وتعالى جعل القائمين بالكتاب العظيم، المصدق لما بين يديه من الكتب، والذين اصطفيناهم من عبادنا، وهم هذه الأمة، مقسمين إلى ثلاثة أنواع، فقال: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) وهو: المفرط في فعل بعض الواجبات، المرتكب لبعض المحرمات، (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) وهو: المؤدي للواجبات، التارك للمحرمات، وقد يترك بعض المستحبات، ويفعل بعض المكروهات، (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) وهو: الفاعل للواجبات والمستحبات، التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات، فالسابق بالخيرات: يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد: يدخل الجنة برحمة الله، والظالم لنفسه: يدخل الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه والسلام 68.
وذكر سيد قطب في كتابه: «إن الله سبحانه وتعالى في هذه الآية قد أكرم هذه الأمة بالاصطفاء للوراثة، ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء: (? فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) .
فالفريق الأول: ولعله ذكر أولًا لأنه الأكثر عددا (ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) تربى سيئاته في العمل على حسناته.
والفريق الثاني: وسط (مُقْتَصِدٌ) تتعادل سيئاته وحسناته.
والفريق الثالث: (سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) تربى حسناته على سيئاته، ولكن فضل الله سبحانه وتعالى شمل الثلاثة جميعًا فكلهم انتهى إلى الجنة وإلى النعيم الموصوف في الآيات التالية على تفاوت في الدرجات» 69.
8.علو الهمة.
همة هؤلاء عالية، يفعلون الخيرات دون كلل ولا ملل، لقوله تعالى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ? يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور:37] .
وقوله تعالى: (وَفِي ذَ?لِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) [المطففين:26] .
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي، خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خيرٌ احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيءٌ، فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) 70.
9.الاهتمام بالقلب.
المسارع إلى الخيرات يحرص علي تنقية القلب من الشوائب ويجعلها عامرة بذكر الله عز وجل وطالما الخوف موجود في قلوبهم، يدفعهم إلى عمل الاكثار من الصالحات، وأداء العبادات، لقوله تعالى: (ا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى? رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون:60] .
10.المراقبة.
المسارع إلى الخيرات يراقب الله في كل حركات هو سكناته، في السر والعلانية، لا يرضى أن يكون الله سبحانه وتعالى أهون الناظرين إليه، وقد وعد الله هؤلاء بجنات النعيم، لقوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) } [الرحمن:46 - 47] .
والمعنى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ} أي: «مقامه بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية والشهوة، قال مجاهد: هو الذي يهم بالمعصية فيذكر الله، فيدعها، {جَنَّتَانِ} قال مقاتل يعني: جنة عدن وجنة النعيم.
وقال الضحاك: هذا لمن راقب الله في السر والعلانية بعمله، فما عرض له من محرم تركه من خشية الله، وما عمل من خير أفضى به إلى الله، لا يحب أن يطلع عليه أحد فله جنتان» 71.
ويستفاد من ذلك: حرص المؤمنين على التحلي بهذه الصفات، وعليهم أن يربوا أنفسهم ليكونوا من المسارعين في الخيرات، فعليهم الإكثار من ذكر الله، ومصاحبة المسارعين في الطاعات، واغتنام الوقت، ومعرفة قدر الدنيا بالنسبة للآخرة، والمجاهدة، وغيرها.
المؤمن الفطن يعلم أن أنفاسه معدودةٌ، وساعات إقامته في الدنيا محدودةٌ، ويدرك أن الحياة فرصٌ، من اغتنم هذه الفرص وعمل الصالحات، فاز وسعد في الدنيا والآخرة، ومن ضيعها خاب وخسر، وقد حدث ابن عباسٍ رضي الله عنهما قائلًا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ وهو يعظه: (اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) 72.
والله سبحانه وتعالى يعطي كل واحد على قدر أعماله، ويكافئه ويجازيه الجزاء الحسن، كيف وإن كانوا من الحرصين كل الحرص على فعل الخيرات، بل والمسارعين إليها؟
فالأجر والثواب عظيم لهم في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) } [المؤمنون:10] .
وهذا وعد الله سبحانه وتعالى الصادق، بل القرار الأكيد بفلاح المؤمنين، وعد الله لا يخلف الله وعده وقرار الله لا يملك أحد رده، الفلاح في الدنيا والفلاح في الآخرة، فلاح الفرد المؤمن وفلاح الجماعة المؤمنة، الفلاح الذي يحسه المؤمن بقلبه ويجد مصداقه في واقع حياته والذي يشمل ما يعرفه الناس من معاني الفلاح، وما لا يعرفونه مما يذخره الله لعباده المؤمنين 73.
والله مطلع على كل شيء، فلن يضيع أجر العاملين، لقوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران:115] .
والمعنى: لن يحرموا ثوابه ولن يمنعوه، وسمى إيصال الثواب شكرا في قوله: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة:158] .
ثم ختم الكلام بقوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} مع أنه عالم بكل الأشياء بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده بالكرامة إلا أهل التقوى، وتنبيهًا على أن الملتزم لوعدهم هو معبودهم الحق القادر الغني الحميد الخبير الذي لا غاية لكرمه ولا نهاية لعلمه، فما ظنك بمثيب هذا شأنه؟ 74.
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران:199] .
يعني: {أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ} ثواب أعمالهم، {عِنْدَ رَبِّهِمْ} يؤتونه مرتين، {إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا 75.
وقوله تعالى أيضًا: {لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) } [إبراهيم:51] .
وسنتناول بيان ثواب المسارعين في الخيرات في كلٍ من الدنيا والآخرة.
أولًا: ثواب المسارعين في الخيرات في الدنيا:
لهم ثوابٌ جزيلٌ ينالونه من الخير والنصر والسعادة والهناء وراحة البال والتوفيق والمتاع الطيب في الأرض، والرحمة، والمغفرة، وهذا أقل ما يستحقونه من الله عز وجل جزاء أعمالهم.
فالمسارعة في الخير تتطلب أن يتدرج الإنسان في ازدياد المعرفة بفضله، واختياره والسرور بتعاطيه، وتقدمه على الأمور الدنيوية، وأن لا يتأخر عن أول وقت إمكان فعله للخيرات، وعلى ذلك قوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [الحديد:21] .
وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران:133] .
فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية ندبهم إلى المبادرة للخيرات والمسارعة إلى فعلها؛ لنيل القربات، والفوز بمغفرته ورضوانه، ويحققون ما وعدهم الله عز وجل به من السعادة والهناء.
وقوله تعالى أيضًا: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون:61] .
والمعنى: السابق إلى رضوان الله تعالى، وقيل: سبقت لهم السعادة في الأزل، وقيل: سبقوا الأمم إلى الخيرات 76.
ومدح تعالى قومًا فقال عنهم في كتابه العزيز: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) } [الواقعة:10] .
أي: يسابقون بهممهم وأبدانهم، فلذلك كرره، ولمراعاة المسارعة وكون بعض المسارعين أعلى منزلة من بعض 77.
وهذا المدح لكونهم استجابوا لأمر الله سبحانه وتعالى بفعل الخيرات والمسارعة والمسابقة في أدائها، فيستحقون من الله عز وجل الثواب العظيم والجزيل على ما قاموا به مغفرة لذنوبهم، وتطهيرًا لقلوبهم، لقوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} [آل عمران:136] .
والمعنى: أولئك السعداء المستغفرون المتذكرون التائبون الآيبون الخائفون الراجون جزاؤهم مغفرةٌ ستر ومحو لآثامهم عطاء من ربهم وامتنانًا منه عليهم لإخلاصهم في الانابة والرجوع.
وقوله تعالى أيضًا: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } [الزمر:53] .
ونصرًا وغلبةً على أعداء الدين، وفتحًا قريبًا من الله عز وجل لقوله تعالى: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) } [الصف:13] .
ولهم الخيرات بكل ما تشمله كلمة خير، لقوله تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) } [التوبة:88] .
والمعنى: {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ} يعني: «الإشارات إلى الموصوفين بالأوصاف السابقة، أي أولئك الذين كانوا مع الرسول، ولزموه في جهاده، ولم يتخلفوا عنه، وأحبوا الله تعالى وبذلوا أموالهم وأنفسهم، ولم يريدوا شيئا إلا إرضاء الله، لهم الخيرات، والخيرات جمع خير، وعبر بالجمع للدلالة على كثرة ما يمنحهم الله من خير وتنوعه، فخير في الرزق، وخير في نيل المطالب، وخير في النصرة، وخير في العزة، وخير في منع تحكم الأعداء، وخير في رضا الله تعالى، وخير في صلاح الولد، وخير في الهداية ... إلى آخره من الخيرات في الدنيا، والخير الأكبر في الآخرة» 78.
وفي تكرار الإشارة إلى الرسول والمؤمنين المجاهدين في قوله تعالى: {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} تأكيد للتنويه بهم، وتقرير لدرجتهم العالية، ومنزلتهم الكريمة التي أنزلهم الله إياها .. كما أن في ذلك إشارة إلى أن مقامهم هذا الرفيع الذي هم فيه، لا تبلغه الإشارة التي يقصر عنها النظر، وأنه لكي يمكن أن يرتفع النظر إلى هذا المستوى، ينبغي أن يكون ذلك على مراحل يقطعها صعودًا في الوصول إليهم 79.
وإذا ما توجهوا إلى الله عز وجل بالدعاء، أجابهم الله عز وجل وأعطاهم ما يتمنون ويستحقونه ثوابًا من عنده، وعطاءً لا ينتهي، لقوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) } [آل عمران:8] .
فهم في رحمة الله عز وجل خالدون، لقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) } [آل عمران:107] .
ومهتدون إلى الطريق المستقيم، ألا وهو طريق الاسلام الذي هو بمنزلة نجاةٍ وفوزٍ وفلاحٍ في الدنيا والآخرة، لقوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) } [النساء:175] .
وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ} أي: وحدوه في ربوبيته، {وَاعْتَصَمُوا} أي: تمسكوا بدينه أو بكتابه، وقوله: {فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ} وهي الجنة، وفضلٍ: النظر لوجهه الكريم، وقيل: {فِي رَحْمَةٍ} أي: ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله، رحمة منه، لا قضاء لحق واجب، وفضل إحسان زائد عليهما، وقيل: سيحفظ عليهم إيمانهم في المآل عند التوفي، كما أكرمهم به وبالعرفان في الحال، وقوله: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ} أي: إلى الوصول إليه، {صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} وهو طريق السير الذي لا اعوجاج فيه، العلم والعمل، وقيل: هو الإسلام والطاعة في الدنيا، وطريق الجنة في الآخرة 80.
ثانيًا: ثواب المسارعين في الخيرات في الآخرة:
يجد هؤلاء في الآخرة من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحد منهم، جزاءً لهم من الله سبحانه وتعالى على أعمالهم، والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وقد وعدهم الله عز وجل بذلك والله لا يخلف وعده، لقوله تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72) } [التوبة:72] .
بشرهم الله سبحانه وتعالى بالجنات رزقًا لهم، ومكافئةً على أعمالهم، وترغيبًا للآخرين، ليفوزوا بما فاز به هؤلاء، لقوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) } [البقرة:25] .
والمعنى: لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقب بجزاء المؤمنين، ليجمع بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه، والتبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي الجلدة الظاهرة، من البشر والسرور، فبشرهم بالجنة، والجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح، والجنات: البساتين، وهو اسمٌ لدار الثواب كلها وهي مشتملةٌ على جناتٍ كثيرةٍ، وقوله: {كُلَّمَا رُزِقُوا} وصفٌ آخر للجنات، وقوله: {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} أنه شبيهه ونظيره، لا أنه هو، والمراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابهًا فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخره، فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعمًا غير طعم الأول، والمراد بتطهير الأزواج أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض والنفاس وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها بنساء الدنيا، والخلود: البقاء الدائم الذي لا ينقطع 81.
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) } [الأنعام:141] .
وقوله تعالى: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) } [آل عمران:136] .