فهرس الكتاب

الصفحة 786 من 2431

وجرت العادة أن هذه الكلمة إذا سمعت فإنها توحي بمصيبة، وهذا ما جاءت في القرآن لأجله؛ ولذلك ينطقها اللسان بنبرات حزينة، وربما برأس مخفوض، ووجه عبوس، وقلب مكلوم، نعم هي ترافق المصيبة، وتأتي معها؛ لكن لا لتزيدها أو تعمق جراحها، بل لتخففها، وتقوي الصبر عليها؛ وهل التعزية إلا التقوية؟! يقولها أهل المصائب مؤمنون بها، مستسلمون لحكمها.

أمر الله تعالى في القرآن بالإكثار من الذكر في جميع الأحوال والأوقات دون تقييد بوقت محدد أو عدد محدد، وجاء الأمر بالذكر في أوقات معينة، ويمكن تقسيم الذكر الوارد في القرآن إلى الذكر المطلق من التقييد بوقت أو حال أو عدد، والذكر المقيد بأوقات معينة:

أولًا: ذكر مقيد:

أمر الله تعالى في القرآن بالذكر عمومًا، والتسبيح خصوصًا، مقيدًا في الأوقات التالية:

أمر الله تعالى في القرآن بالذكر بكرة وعشيًا، مقيدًا بهذين الزمانين، قال تعالى: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 25] .

وخص من الذكر التسبيح، فقال: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 42] .

وقال: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفتح: 9] .

فـ {بُكْرَةً} أول النهار {وَأَصِيلًا} آخر النهار، وخصا بالذكر؛ لأن ملائكة الليل وملائكة النهار يجتمعون فيهما 213.

أو هو إشارة إلى المداومة؛ وذلك لأن مريد العموم قد يذكر الطرفين، ويفهم منهما الوسط، كقوله عليه السلام: (لو أن أولكم وآخركم) 214 ولم يذكر وسطكم، ففهم منه المبالغة في العموم 215.

فإذا أمر العبد بالذكر في هذين الوقتين، وهما وقتا شغل ابتداء أو انتهاء، فوجوب الذكر في غيرهما من باب الأولى.

وقيل: إن ذلك إشارة إلى صلاة الصبح والعصر، وقال ابن عطية: «أراد في كل الأوقات، فحد النهار بطرفيه» 216.

وخص التسبيح بالذكر من جملة الذكر لفضله على سائر الأذكار، ففيه تنزيه عما لا يجوز عليه 217.

والحاصل: أنه خص البكرة والأصيل في قوله: {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} بالذكر؛ لإظهار فضلهما، والتنويه بهما؛ لأن العبادة فيهما آكد على الإنسان، كما خص التسبيح وهو من أنواع الذكر؛ ليبين فضله على سائر الأذكار.

وقد يكون السر أيضًا في اختيار هذين الوقتين لأنهما أصلح الأوقات وأنسبها لذكر الله، واستحضار جلاله وعظمته.

ففي أول النهار يتزود الإنسان بهذا الزاد الطيب الذي يغذي به مشاعره وأحاسيسه، ويشحن به عواطفه ونوازعه، ثم يخرج إلى الحياة ومعه هذا الرصيد العظيم من أمداد الله ورحماته، فيواجه الحياة بقلب سليم، وعزم موثق، ولسان عف، ويد نقية، فيكون من هذا كله في حراسة أمينة يقظة، فلا يزل ولا ينحرف!

فإذا كان آخر النهار كان له إلى نفسه عودة ومراجعة، فيعرضها على الله، ويصلح ما وقع لها من خلل أثناء رحلتها مع الحياة طوال اليوم، وبهذا يظل المؤمن -المتصل بالله هذا الاتصال- على الصحة والسلامة أبدًا 218.

وأمر الله تعالى بالذكر بالعشي والإبكار، مقيدًا بهذين الزمانين، فقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران: 41] .

و (العشي) : هو من الزوال إلى الغروب، قاله مجاهد، وقيل: من العصر إلى ذهاب صدر الليل (والإبكار) أي: وقته وهو من الفجر إلى الضحى، وإنما قدر المضاف؛ لأن الإبكار بكسر الهمزة مصدر لا وقت، فلا تحسن المقابلة كذا قيل، وهو مبني على أن بالعشي جمع عشية، الوقت المخصوص، وإليه ذهب أبو البقاء، والذي ذهب إليه المعظم أنه مصدر أيضًا على فعيل لا جمع 219.

وخص هذان الوقتان بالذكر؛ لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد، وما بينهما من أوقات الغالب فيها الانقطاع لأمر المعاش.

وأمر الله تعالى بالذكر بالغدو والآصال، مقيدًا بهذين الزمانين، فقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] .

وقال: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [النور: 36] .

والغدو: أول النهار، مصدر غدا يغدو، والمراد وقت الغدو، والآصال: جمع أصيل، وهو آخر النهار، وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب، وقد يقال: اشتقاقه من الأصل، واليوم بليلته إنما يبتدئ في الشرع من أول الليل، فسمي آخر النهار أصيلًا؛ لكونه ملاصقًا لما هو الأصل لليوم الثاني 220.

وأفرد الغدو بالذكر: لأن فيه صلاة واحدة هي صلاة الصبح، وجمع الأصيل؛ لأنه زمن ممتد فيه صلاة الظهر والعصر والعشاءين (المغرب والعشاء) 221.

وخص سبحانه أوقات الغدو والآصال بالذكر؛ لشرفها، وكونها أشهر ما تقع فيه العبادات.

قال الرازي: «خص الغدو والآصال بهذا الذكر والحكمة فيه أن عند الغدوة انقلب الإنسان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم انقلب من الظلمة التي هي طبيعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودية، وأما عند الآصال فالأمر بالضد؛ لأن الإنسان ينقلب فيه من الحياة إلى الموت، والعالم ينقلب فيه من النور الخالص إلى الظلمة الخالصة، وفي هذين الوقتين يحصل هذان النوعان من التغيير العجيب القوي القاهر، ولا يقدر على مثل هذا التغيير إلا الإله الموصوف بالحكمة الباهرة، والقدرة الغير المتناهية، فلهذه الحكمة العجيبة خص الله تعالى هذين الوقتين بالأمر بالذكر.

ومن الناس من قال: ذكر هذين الوقتين والمراد: مداومة الذكر والمواظبة عليه بقدر الإمكان، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في قوله: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [الأعراف: 191] .

لو حصل لابن آدم حالة رابعة سوى هذه الأحوال لأمر الله بالذكر عندها، والمراد منه أنه تعالى أمر بالذكر على الدوام» 222.

وقال الشوكاني: «وخص هذين الوقتين لشرفهما» 223. وفي البحر المديد: «وإنما خص الوقتين؛ لأنهما محل الاشتغال فأولى غيرهما» 224.

والحاصل: أن من أعظم الأوقات لهذا الذكر وقتان أول النهار وآخره؛ لأنهما طرفا النهار، ومن افتتح نهاره بذكر الله واختتمه به كان جديرًا بأن يراقب الله ولا ينساه فيما بينهما، وأهم الذكر فيهما صلاتا الفجر والعصر اللتان تحضرهما ملائكة الليل وملائكة النهار، ويشهدان عند الله تعالى بما وجدا عليه العبد، كما ورد في الصحيح.

قال سيد: «وذكر الله لا يقتصر على هذه الآونة -في مطالع النهار وفي أواخره- فذكر الله ينبغي أن يكون في القلب في كل آن، ومراقبة الله يجب أن تكون في القلب في كل لحظة؛ ولكن هذين الآنين إنما تطالع فيهما النفس التغير الواضح في صفحة الكون من ليل إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ويتصل فيهما القلب بالوجود من حوله، وهو يرى يد الله تقلب الليل والنهار، وتغير الظواهر والأحوال، وإن الله سبحانه ليعلم أن القلب البشري يكون في هذين الآنين أقرب ما يكون إلى التأثر والاستجابة؛ ولقد كثر في القرآن التوجيه إلى ذكر الله سبحانه، وتسبيحه في الآونة التي كأنما يشارك الكون كله فيها في التأثير على القلب البشري وترقيقه وإرهافه وتشويقه للاتصال بالله» 225.

قال تعالى: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130] .

وقال: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [ق: 39] .

قال ابن كثير: «وكانت الصلاة المفروضة قبل الإسراء ثنتين: قبل طلوع الشمس في وقت الفجر، وقبل الغروب في وقت العصر، وقيام الليل كان واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أمته حولًا، ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات، ولكن منهن صلاة الصبح والعصر، فهما قبل طلوع الشمس، وقبل الغروب» 226.

فالتسبيح هنا إما أن يكون المراد به الصلاة، وإما عموم الذكر، ولعل حمله على المعنيين أولى.

قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} [الإنسان: 26] .

وقال: {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى} [طه: 130] .

وقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ} [ق: 40] .

[الطور: 49] .

وخص طرفي النهار؛ لشرفهما، وقيل: داوم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإن الأصيل يتناولهما.

{وَمِنَ اللَّيْلِ} بعض الليل {فَاسْجُدْ لَهُ} فإنه وقت الاقتراب إليه؛ لدنو رحمته، وخلو الوقت للمناجاة، وقيل: صلاتي المغرب والعشاء، ويؤيده: {وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا} أي: نزهه، أو صل له تطوعًا.

والوجه في الاهتمام بـ {آنَاءِ اللَّيْلِ} وزلفه أن الليل وقت تميل فيه النفوس إلى الدعة، فيخشى أن يتساهل في أداء الصلاة فيه، وعلل له الفخر الرازي بقوله: «لأن الجمعية -أي جمع القلب والهمة- فيه أكثر؛ وذلك لسكون الناس وهدوء حركاتهم، وتعطيل الحواس عن الحركات وعن الأعمال؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل: 6] .

وقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر: 9] .

ولأن الليل وقت السكون والراحة، فإذا صرف إلى العبادة كانت على الأنفس أشق، وللبدن أتعب، فكانت أدخل في استحقاق الأجر والفضل» 227.

ولعل النكتة البلاغية لجمع (طرف) في قوله جل شأنه: {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ} [طه: 130] .

على الرغم من أن للنهار طرفان، ورد ذكرهما في قوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ} [هود: 114] .

وقوعه في حال الجمع معمولًا لـ (سبح) ، ووقوعه في حال التثنية معمولًا لـ (أقم الصلاة) ، وفي هذا ما يشير إلى أن الصلاة وإن كان الأمر فيها قاصرًا على طرفي النهار أوله وآخره، وهما على ما ترجح (الفجر والعصر) ، فإنه لا يعني أن يخلو سائر يوم المسلم من تسبيح لله، وشغل للسان بذكره، وأنه إذا كان للنهار طرفان يتم شغلهما بتأدية الصلاة التي لا تشغل حيزًا كبيرًا من الوقت، فإن ثمة طرفين آخرين يستغرقان سائر ساعات النهار، ينبغي ملؤهما مع سابقيهما، بالتقديس والتنزيه لصاحب العظمة والكبرياء جل جلاله.

أولهما: عند انتهاء النصف الأول من الطرف الأول من النهار، وهو طرف سير الشمس في قوس الأفق، وبلوغ سيرها وسطه، والمعبر عنه بالزوال.

والثاني: عند ابتداء النصف الثاني من القوس، والذي يوافق الشطر الأول من النصف الثاني من النهار.

فيكون للنهار أربعة أطراف أوله وآخره، وآخر نصفه الأول وأول نصفه الثاني، والكل مستغرق بالتسبيح؛ ولذا نزع الخافض، وإن كان لا يوجد بأسًا في الاستئناس في ذلك من إمكانية أن يكون السر في جمع طرف حاصلًا من كون الطرف يتكرر في كل نهار ويعود، فتكون (أل) في النهار للجنس الشامل لكل نهار، ويكون الجمع باعتبار تعدد النهار، وأن لكلٍ طرفين، أو يكون من باب إطلاق الجمع على المثنى، وهو متسع فيه في العربية عند أمن اللبس؛ والذي حسن جمعه هنا وقوعه مشاكلة لجمع آخر هو قوله: {وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ} [طه: 130] 228.

قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} [ق: 40] .

{وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} قال ابن أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما: «هو التسبيح بعد الصلاة» .

والقول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: {وَأَدْبَارَ السُّجُودِ} هما الركعتان بعد المغرب 229.

قال تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} [الطور: 49] .

أي: آخر الليل، ويدخل فيه صلاة الفجر. والله أعلم 230.

وقت القيام:

قال تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48] .

فقوله: {حِينَ تَقُومُ} فسر بإرادة القيام إلى الصلاة، وهو قول زيد بن أسلم والضحاك، وفسر بالقيام من النوم، وهو قول أبي الجود، وفسر بالقيام من المجالس 231.

ومما جاء في الذكر المقيد بزمن أو مكان أو حال:

قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198] .

وقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} [الكهف: 24] .

وقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة (203] .

وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] .

وقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} [البقرة: 239] .

ثانيًا: ذكر مطلق:

أمر الله في القرآن بالذكر مطلقًا في سائر الأوقات، والمراد بالمطلق: ما لم يقيد بزمان، ولا مكان، ولا عدد، فأطلق في العدد، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] .

وقال تعالى في سياق صفات المؤمنين والمؤمنات: {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] .

فقوله: {كَثِيرًا} أي: في أكثر الأوقات، خصوصًا أوقات الأوراد المقيدة كالصباح والمساء، وأدبار الصلوات المكتوبات 232.

قال مجاهد: «لا يكون العبد من الذاكرين الله كثيرًا حتى يذكر الله قائمًا وقاعدًا ومضطجعًا» ، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبق المفردون) ، قالوا: وما المفردون؟ قال: (الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات) 233234.

قال الفخر: « {وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ} يعني: هم في جميع هذه الأحوال يذكرون الله، ويكون إسلامهم وإيمانهم وقنوتهم وصدقهم وصبرهم وخشوعهم وصدقتهم وصومهم بنية صادقة لله، واعلم أن الله تعالى في أكثر المواضع حيث ذكر الذكر قرنه بالكثرة ها هنا، وفي قوله بعد هذا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا} [الأحزاب: 41] .

وقال من قبل: {لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ؛ لأن الإكثار من الأفعال البدنية غير ممكن أو عسر، فإن الإنسان أكله وشربه وتحصيل مأكوله ومشروبه يمنعه من أن يشتغل دائمًا بالصلاة، ولكن لا مانع له من أن يذكر الله تعالى وهو آكل، ويذكره وهو شارب أو ماشٍ أو بائع أو شارٍ.

وإلى هذا أشار بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] . ولأن جميع الأعمال صحتها بذكر الله تعالى، وهي النية» 235.

وأطلق في كل الأحوال، فقال: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191] .

وقال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] .

فكأنه قيل: تضرعًا وإعلانًا وخيفة وإسرارًا، وفي ذلك من الشمول والاستيعاب لجميع أحوال الإنسان، ومن التحذير من الغفلة ما لا يخفى.

الذكر عبادة عظيمة، وله منزلة رفيعة، ودرجة سامية، وأهمية عظيمة، وفوائد جليلة، شاملة للدين والدنيا والآخرة، أوصلها ابن القيم في كتابه الوابل الصيب إلى أكثر من سبعين فائدة، والذي يهمنا هنا ذكر فوائده المذكورة في القرآن:

أولًا: ذكر الله عز وجل لعبده الذاكر:

من أعظم فوائد الذكر ذكر الله تعالى للذاكر. قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] .

فقوله: {فَاذْكُرُونِي} الفاء هنا هي فاء السببية، وهي ما يكون قبلها سببًا لما بعدها، وهي للتفريع، عاطفة جملة الأمر بذكر الله وشكره على جمل النعم المتقدمة، أي: إذ قد أنعمت عليكم بهاته النعم فأنا آمركم بذكري.

وهذا الأمر {فَاذْكُرُونِي} جوابه {أَذْكُرْكُمْ} وفيه: معنى المجازاة 236 والجزاء من جنس العمل في الخير والشر.

قال أبو عثمان النهدي: «إني لأعلم حين يذكرني ربي عز وجل، قيل: كيف ذلك؟ قال: إن الله عز وجل قال: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني» 237. وقال الحكماء: إنما كان الذكر أفضل الأشياء؛ لأن ثواب الذكر الذكر، قال الله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} 238.

والذكر هنا يحمل على العموم، فيشمل الذكر باللسان، وهو: الحمد والتسبيح والتمجيد وقراءة كتب الله، وبالقلب، وهو: الفكر في الدلائل الدالة على التكاليف والأحكام، والأمر والنهي والوعد والوعيد، والفكر في الصفات الإلهية، والفكر في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم التقديس، فإذا نظر العبد إليها انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال، وبالجوارح بأن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها، خالية عن الأعمال المنهي عنها، وعلى هذا الوجه سمى الله الصلاة ذكرًا بقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] 239.

وسمي الثواب المترتب على ذلك ذكرًا على سبيل المقابلة لما كان نتيجة الذكر وناشئًا عنه سماه ذكرًا 240. هذا ذكر العبد ربه.

أما ذكر الله لعبده: فهو ثناؤه عليه في الملإ الأعلى بين الملائكة، ومباهاتهم به، وتنويهه بذكره 241.

قال أبو جعفر: «أذكركم برحمتي إياكم، ومغفرتي لكم» 242.

وعن السدي قال: «ليس من عبد يذكر الله إلا ذكره الله، لا يذكره مؤمن إلا ذكره برحمة» 243.

فليس العجب من ذكر العبد الفقير المحتاج الضعيف لربه، إنما العجب والشأن في ذكر الرب الملك العظيم لعبده.

يا للتفضل الجليل الودود! الله جل جلاله يجعل ذكره لهؤلاء العبيد مكافئًا لذكرهم له في عالمهم الصغير، إن العبيد حين يذكرون ربهم يذكرونه في هذه الأرض الصغيرة، وهم أصغر من أرضهم الصغيرة! والله حين يذكرهم يذكرهم في هذا الكون الكبير، وهو الله العلي الكبير، أي تفضل! وأي كرم! وأي فيض في السماحة والجود؟! {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} إنه الفضل الذي لا يفيضه إلا الله الذي لا خازن لخزائنه، ولا حاسب لعطاياه، الفضل الفائض من ذاته تعالى بلا سبب ولا موجب إلا أنه هكذا هو سبحانه فياض العطاء.

إنه ذلك الفضل الذي لا يصفه لفظ، ولا يعبر عن شكره الحق إلا سجود القلب، وذكر الله ليس لفظًا باللسان، إنما هو انفعال القلب معه أو بدونه، والشعور بالله ووجوده والتأثر بهذا الشعور تأثرًا ينتهي إلى الطاعة في حده الأدنى، وإلى رؤية الله وحده ولا شيء غيره لمن يهبه الله الوصول، ويذيقه حلاوة اللقاء 244.

فالله سبحانه وتعالى لا ينسى حتى يذكر فيذكر، بل هو -جل شأنه- يذكرنا دائمًا ذكرناه أو لم نذكره! ولعل المراد بذكره لنا هنا إذا ذكرناه هو أننا إذا ذكرناه وجدناه سبحانه حاضرًا في قلوبنا وعقولنا، وأننا إذا لم نذكره فهو سبحانه حاضر كذلك، ولكن هذا الحضور لا نحس به، ولا نتأثر له.

فإذا ذكر المؤمن ربه وجد ربه تجاهه، وكأنه بتفلته عن ذكر ربه قد بعد عن الله، فإذا ذكر ربه، وأشرق عليه بنوره السني البهي، وفي الحديث القدسي: (من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت