فهرس الكتاب

الصفحة 1828 من 2431

والإشارة إلى الجنة بصفاتها بحيث صارت كالمشاهدة ترغيبًا فيها، أي: صفة الجنة التي وعد الله بها الذين يخشونه أنها تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، ثمرها لا ينقطع، وظلها لا يزول ولا ينقص، تلك المثوبة بالجنة عاقبة الذين خافوا الله، فاجتنبوا معاصيه، وأدوا فرائضه، وعاقبة الكافرين بالله النار.

ونظيره: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15] .

فهذا المتاع والاسترواح، ومشهد الظل الدائم، والثمر الدائم، والأنهار المتنوعة، مشهدٌ تطمئن له النفس وتستريح وترغب، وتشتاق إليه.

ومن الأمور التي رغب فيها المثل القرآني: الإيمان والإسلام.

قال تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 122] .

فقد جاء هذا التشبيه بديعًا مشوقًا؛ إذ جعل حال المسلم بعد أن صار إلى الإسلام بحال من كان عديم الخير عديم الإفادة، كالميت، فإن الشرك يحول دون التمييز بين الحق والباطل، ويصرف صاحبه عن السعي إلى ما فيه خيره ونجاته، وهو في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف؟ فإذا هداه الله إلى الإسلام تغير حاله فصار يميز بين الحق والباطل، ويعلم الصالح من الفاسد، فصار كالحي، وصار يسعى إلى ما فيه الصلاح، ويتنكب عن سبيل الفساد فصار في نور يمشي به في الناس 70.

ثالثًا: التنفير:

ومن مقاصد ضرب المثل في القرآن التنفير من الأعمال السيئة والأخلاق القبيحة، كقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175 - 176] .

يكشف هذا المثل الأبعاد النفسية التي اشتملت عليها شخصية الذي يتخلى تمامًا عن آيات الله، ويعرض عنها ابتغاء عرض زائل، ومتاع قليل، وقد استعار كلمة (انسلخ) وعبر بها تعبيرًا دقيقًا عن مدى التصميم في الإعراض والتخلي، وصور بذلك حالة النزاع الشديد في مفارقتها، فهذا التجرد من عناصر الخير يوحي بكيفية تجرد الشاة عن أهابها، ونزعها لردائها أثناء السلخ في مشهد أليم، حتى عادت سنحًا آخر في الهيكل والصورة والتحول، وكذلك أمر هذا الرجل؛ إذ استحال إلى حقيقة أخرى، جوفاء مترهلة، وتأتي الصور متقاطرة العبارات والعبائر، مجلجلة الوقع، فيعقب صورة الانسلاخ صورة الكلب اللاهث في حالتيه، وإخلاده إلى الأرض، وهي شديدة الأثر في تحقيرها لشأن المشبه، وإظهارها لضياعه، وتشرده وضلاله.

فقد ضرب الله عز وجل هذا المثل لمن لا يعمل بعلمه على سبيل التبكيت والتشنيع والتنفير؛ حتى لا يصير الإنسان مثل الحمار حينما يكون له علم ولا يعمل به.

وكقوله: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 275] .

ضرب الله هذا المثل للتنفير من تعاطي الربا، بعد الترغيب في بذل الصدقة لمستحقيها.

والآية الكريمة تصور المرابي بتلك الصورة المرعبة المفزعة التي تحمل كل عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا، وهنا ينبغي توضيح أمرين:

الأول: أن جمهور المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم القيامة، حين يبعثون من قبورهم، فقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه؛ ولعل الله تعالى جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له.

أو يكون المراد: تشبيه المرابي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع، كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة: قد جن، ولا يخفى أن هذا تأويل مصادم لما عليه سلف الأمة؛ ولما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داعٍ، سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات.

والصواب: أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا في قلق مستمر، وانزعاج دائم، واضطراب ظاهر، بسبب جشعهم وشرههم في جمع المال، ووساوسهم التي لا تكاد تفارقهم، وهم يفكرون في مصير أموالهم، ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين بالربا يراهم أشبه بالمجانين في أقوالهم وحركاتهم، أما في الآخرة فقد توعدهم الله تعالى بالعقاب الشديد، والعذاب الأليم 71.

وجمهور المفسرين يرون أيضًا أن التشبيه في الآية الكريمة على الحقيقة، بمعنى أن الآية تشبه حاله بحال المجنون الذي مسه الشيطان؛ لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالصرع والجنون، ولا عبرة بمن أنكر ذلك، قال القرطبي: «وفي هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن، وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان، ولا يكون منه مس» 72، فالذي عليه جمهور العلماء من أن التشبيه على الحقيقة هو الحق؛ لأن الشيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالجنون.

وكذلك ضرب الله مثلًا للتنفير من الركون إلى الدنيا فقال تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} [الكهف: 45] .

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أصلًا ولمن قام بوراثته بعده تبعًا-: اضرب للناس مثل الحياة الدنيا؛ ليتصوروها حق التصور، ويعرفوا ظاهرها وباطنها، فيقيسوا بينها وبين الدار الباقية، ويؤثروا أيهما أولى بالإيثار، وأن مثل هذه الحياة الدنيا كمثل المطر ينزل على الأرض فيختلط نباتها، تنبت من كل زوج بهيج، فبينا زهرتها وزخرفها تسر الناظرين وتفرح المتفرجين، وتأخذ بعيون الغافلين إذ أصبحت هشيمًا تذروه الرياح، فذهب ذلك النبات الناضر، والزهر الزاهر، والمنظر البهي، فأصبحت الأرض غبراء ترابًا، قد انحرف عنها النظر، وصدف عنها البصر، وأوحشت القلب، كذلك هذه الدنيا، بينما صاحبها قد أعجب بشبابه، وفاق فيها على أقرانه وأترابه، وحصل درهمها ودينارها، واقتطف من لذته أزهارها، وخاض في الشهوات في جميع أوقاته، وظن أنه لا يزال فيها سائر أيامه؛ إذ أصابه الموت أو التلف لماله، فذهب عنه سروره، وزالت لذته وحبوره، واستوحش قلبه من الآلام، وفارق شبابه وقوته وماله، وانفرد بصالح أو سيئ أعماله، هنالك يعض الظالم على يديه، حين يعلم حقيقة ما هو عليه، ويتمنى العود إلى الدنيا لا ليستكمل الشهوات بل ليستدرك ما فرط منه من الغفلات، بالتوبة والأعمال الصالحات، فالعاقل الجازم الموفق يعرض على نفسه هذه الحالة، ويقول لنفسه: قدري أنك قد مت ولابد أن تموتي، فأي: الحالتين تختارين؟ الاغترار بزخرف هذه الدار، والتمتع بها كتمتع الأنعام السارحة، أم العمل لدار أكلها دائم وظلها، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين!! فبهذا يعرف توفيق العبد من خذلانه، وربحه من خسرانه 73.

1.لضرب الأمثال آثار تربوية، وآثار دعوية، وآثار جمالية وفنية، نبينها فيما يأتي:

أولًا: آثار تربوية:

ضرب الأمثال أسلوب من أساليب التربية يحث النفوس على فعل الخير، ويحضها على البر، ويدفعها إلى الفضيلة، ويمنعها عن المعصية والإثم، وهو في نفس الوقت يربي العقل على التفكير الصحيح، والقياس المنطقي السليم؛ لما فيه من تقريب وتسهيل للمعاني البعيدة، أو الغامضة عن طريق عرض أمثالها، وما يشابهها من المعاني المحسوسة والواضحة.

فالأمثال أوقع في النفس، وأبلغ في الوعظ، وأقوى في الزجر، وأقوى في الإقناع، ولأهمية الأمثال وفعاليتها استخدمها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، وقد أخبر سبحانه وتعالى أنه لا يعقلها ولا يعيها إلا العالمون، فقال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: 43] .

فالأمثال القرآنية ذات مدلولاتٍ تربويةٍ عميقة التأثير، عظيمة الفائدة، تتضافر مع غيرها من وسائل التربية القرآنية، كالقصة، والحوار، وأساليب الإقناع وغيرها في تكوين النظرية التربوية الإسلامية الرائدة، يقول عبد الرحمن النحلاوي ما ملخصه: «لم تكن الأمثال القرآنية والنبوية مجرد عمل فني يقصد من ورائه الرونق البلاغي فحسب، بل إن لها غايات نفسية تربوية، حققتها نتيجة لنبل المعنى، وسمو الغرض، بالإضافة إلى الإعجاز البلاغي، وتأثير الأداء» 74.

وهناك آثار تربوية عديدة للأمثال، منها:

1.شحذ الذهن واستثارته للتفكير والقياس والتأمل.

وغير ذلك من العمليات الفكرية والذهنية التي يثيرها المثل، بقصد الإقناع بصحة رسالة الإسلام وصدق الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث تنطوي معظم الأمثال على قياس تذكر مقدماته ويطلب من العقل أن يتوصل إلى النتيجة التي لا يصرح القرآن بها في كثير من الأحيان، بل يشير إليها ويترك للعقل معرفتها.

ونذكر منها على سبيل المثال: المعنى الذي ضربه الله مثلًا للحق والباطل، في قوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ? وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ? فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ? وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ? كَذَ?لِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ) [الرعد: 17] .

ففي هذا المثل استثارة العقل على التفكير والتأمل، حيث شبه الباطل بالزبد الذي يذهب جفاء، وشبه الحق بالماء الذي يمكث في الأرض، فالباطل يضمحل وينمحق، كالزبد الذي يحتمله السيل، وإن علا على الحق في بعض الأوقات، كما يعلو الزبد، والحق ثابت باقٍ، يمكن في القلب، فينتفع به المؤمن، فيثمر عملًا صالحًا، كما يمكث الماء وأسباب الإنبات في الأرض، فيثمر عشبًا وزرعًا ونخلًا وأعنابًا.

2.تقريب ما غاب عن الذهن من المعاني بصورة بلاغية موجزة.

تنفذ إلى أعماق النفس، مثيرة للعواطف والوجدان، اعتمادًا على التصوير والتشبيه، كطريقة تربوية وتعليمية، تساعد على توضيح المقاصد، وشرح الأفكار، وتقريب المعاني للأذهان.

فضرب الأمثال من الأساليب التربوية الإسلامية التي تقرب المعاني المجردة إلى الأذهان، وتقرب المعقول إلى المحسوس فيتقبله العقل، ويدركه ويفهمه؛ وتؤثر في سلوك الأفراد، فتذكر الغافل، وتنبه المعاند، وتبرز المعقول في صورة المحسوس، كما تكشف الأمثال عن الحقائق، وتعرض الماضي في معرض الحاضر، وتضرب الأمثال للترغيب والترهيب.

وقد تنبه علماء التربية المسلمون إلى هذا الغرض التربوي، فبينوا في دراساتهم أن القرآن يستخدم التشبيه والتمثيل كي يقرب المعاني، ويشير إلى أمور حسيةٍ لشرح أفكار مجردة، فالقرآن لا يخاطب فئة المثقفين وحدهم وإنما يخاطب مختلف الفئات التي منها أقوام أميون لا تستطيع عقولهم أن تقفز مرة واحدة إلى المعقولات، وإنما لابد لها من المرور بمرحلة الإدراك الحسي، فيكون بذلك أقرب إلى الأفهام وأرسخ.

3.إثارة الانفعالات المناسبة للمعنى وتربية العواطف.

فنجد المثل القرآني أحيانًا يثير في النفس انفعالًا إيجابيًا، وأحيانًا يثير انفعال الاشمئزاز من الضالين والشعور بتفاهتهم وضياع عقولهم، فانظر إلى معنى قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَڑ) [الجمعة: 5] .

أي: كلفوا العمل بما فيها (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ?) [الجمعة: 5] .

فتشبيههم بالحمار الذي يحمل أسفارًا يثير في النفس قمة النفور والاشمئزاز من حالهم.

4.حمل الناس على الخير وتنفيرهم من الشر، صيانة لفطرهم من الزلل، ووقاية لهم من الوقوع في الخطأ.

5.توضيح الفضائل والترغيب فيها.

فالأمثال كما أنها وسيلة نافعة في الترغيب فهي كذلك وسيلة نافعة للتنفير من الأشياء التي لا يرغب فيها.

6.القدرة على التوضيح والتأثير والإقناع وعرض الحقائق والاحتجاج لها.

وذلك مع ما فيها من الإيجاز الذي يفعل فعل الإطناب، فإن ما يحمله المثل من المعاني يفوق بكثير قدرة ما يعادله في الحجم من الكلام المجرد؛ ولهذا يوصى بالتعمق في دراسة أمثال القرآن والسنة وأسلوبهما من أجل الوصول إلى ما فيهما من مناجم السبل النافعة في التعليم والتربية، وبلورتها في منهج واضح يساعد على الانتفاع بها.

كما ضرب الله مثلًا للدلالة على أنه الإله الحق، وأن الأوثان لا تستحق أن تعبد بقوله: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى? شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ? هَلْ يَسْتَوُونَ ? الْحَمْدُ لِلَّهِ ? بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [النحل: 75] .

إذ دل بالمثل على عجز الأصنام عن أن تنفع عابدها بشيء؛ إذ مثل حالها بحال العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، ودل على كمال قدرته؛ إذ جعل في مقابلة العبد المملوك الممثل للأصنام من اتسع رزقه، وكان ينفق منه كيف يشاء، ومن له مسكة من العقل لا يتولى العاجز بالعبادة ويدع عبادة القادر على كل شيء.

7.تختصر القول وتدرب الإنسان على جودة التفكر وسلامة القياس.

ولأهمية الأمثال في التربية جاء في كتاب: (التربية الإسلامية وتحديات العصر) : «أن الأمثال أوقع في النفس، وأبلغ في الوعظ وأقوى في الزجر، وأقوم في الإقناع، والباحث في التراث التربوي الإسلامي يجد إلى جانب استخدام القرآن الكريم والحديث الشريف للأمثال والأشباه طريقة للتربية والتعليم اهتمام المربين المسلمين بذلك» 75.

8.إشراك أكثر من حاسة من الحواس الإنسانية في تلقي المعنى.

وتوظيف قدرة العقل الإنساني على التخيل والتصوير في تجلية الحقائق وتقريبها وفهمها، كما أنه يجعل الحقائق أعلق في النفوس، وأثبت في العقول، ويسهل استدامتها وبقاءها في الذاكرة فترة أطول، هذا بالإضافة إلى أنها تساعد في جعل المعنى واضحًا ومشوقًا وممتعًا، وتسهم في دفع الملل عن نفس المتلقي.

9.مخاطبة النفس الإنسانية بكل أبعادها وجوانبها.

وتركيزها على العبرة والفائدة المتوخاة دون الاعتداد بالمظهر أو الشكل أو الحجم، ما لم تكن العبرة من المثل متعلقة بشيء منها، وهي تتميز بالدقة في اختيار اللقطة المنتقاة التي تبرز أشد جوانب المثل إثارة، وكذلك استخدامها وشمولها لمختلف مظاهر الطبيعة مما هو من أسرار خلودها، إضافةً إلى السهولة والقرب والبعد عن التعقيد والصعوبة، مما أضفى عليها الصلاحية لمخاطبة مختلف المستويات العلمية والاجتماعية.

ومن الآثار التربوية التي تثيرها الأمثال القرآنية أيضًا:

تعرية الباطل وتزييفه، وفضح مواقفه.

10.كشف الحقائق وإيضاح المعنى في عبارة موجزة بليغة.

11.توضيح الحق وتثبيته وإقامة حججه وبراهينه.

12.التحذير من عاقبة كفر النعمة وبطر المعيشة.

13.استخلاص سنن الله تعالى في الكون والحياة والإنسان.

14.تقريب الحقائق الغيبية للأذهان.

15.تصوير الحقائق الإيمانية المجردة بصورة محسوسة.

16.ربط عالم الشهادة بعالم الغيب.

17.فضح تناقض المشركين والمنافقين في مواقفهم.

18.تقرير حقائق للترغيب بها أو التنفير منها.

19.تفاهة مواقف الكافرين من الحقائق الكبرى 76.

ثانيًا: آثار دعوية:

للأمثال القرآنية أثر بليغ في تلقي الدعوة بالقبول لما لها من تأثير على النفس والعقل والوجدان؛ ولما تحتويه من بلاغة وإعجاز؛ ولما فيها من تقريب وتسهيل للمعاني البعيدة أو الغامضة، عن طريق عرض أمثالها، وما يشابهها من المعاني المحسوسة والواضحة.

يقول الزركشي: «وفي ضرب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى؛ إذ الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والشاهد بالغائب، فالمرغب في الإيمان -مثلًا- إذا مثل له ب تأكد في قلبه المقصود، والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحه في نفسه، وفيه أيضًا تبكيت الخصم، وقد أكثر الله تعالى في القرآن، وفي سائر كتبه من الأمثال» 77.

ويقول العز بن عبد السلام: «إنما ضرب الله الأمثال في القرآن تذكيرًا ووعظًا، فما اشتمل منها على تفاوت في ثواب، أو على إحباط عمل، أو على مدح أو ذم أو نحوه، فإنه يدل على الإحكام» 78.

ولقد جاء القرآن الكريم داعيًا إلى الهداية والرشاد بأساليب شتى؛ فتارةً بالوعد والوعيد، وتارة بالإقناع العقلي، وتارة ثالثة بوخز الضمير والوجدان، ورابعةً بتوجيه الفطرة إلى حقيقتها، وخامسة بالإعجاز بشتى ألوانه، وأحيانًا بأسلوب ضرب المثل الذي هو أقرب الوسائل الدعوية إلى فطرة الإنسان، وأكثر العوامل النفسية تأثيرًا، لما له من الواقعية والصدق، ودقة التصوير، وله من السمات ما ليس لغيره! فيمكن أن يستخدم هذا الأسلوب كوسيلة للتهذيب الخلقي من حثه على الخير أو دفع الشر، فالأمثال بما فيها من تجسيد للمعاني المجردة أقرب إلى النفوس في إحداث الترغيب والترهيب من الوعظ المباشر.

وهناك آثار دعوية عديدة للأمثال، منها:

1.ما تورثه في النفس من العظة والعبرة والتذكر.

قال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَ?ذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ?27?) [الزمر: 27] .

وهو نظير قوله: (وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [القصص: 51] .

وتأكيد الخبر في قوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا) [الزمر: 27] .

بلام القسم وحرف التحقيق منظور فيه إلى حال الفريق الذين لم يتدبروا القرآن، وطعنوا فيه، وأنكروا أنه من عند الله، والتعريف في (الناس) للاستغراق، أي: لجميع الناس، فإن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم للناس كافة، و (ضرب المثل) : ذكره ووصفه، وتنوين (مثلٍ) ؛ للتعظيم والشرف، أي: من كل أشرف الأمثال، فالمعنى: ذكرنا للناس في القرآن أمثالًا هي بعضٌ من كل أنفع الأمثال وأشرفها، والمراد: شرف نفعها.

وخصت أمثال القرآن بالذكر من بين مزايا القرآن؛ لأجل لفت بصائرهم للتدبر في ناحية عظيمة من نواحي إعجازه، وهي بلاغة أمثاله، فإن بلغاءهم كانوا يتنافسون في جودة الأمثال وإصابتها المحز من تشبيه الحالة بالحالة.

ومعنى الرجاء في (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) : منصرف إلى أن حالهم عند ضرب الأمثال القرآنية كحال من يرجو الناس منه أن يتذكر، وهذا مثل نظائر هذا الترجي الواقع في القرآن.

ومعنى التذكر: التأمل والتدبر؛ لينكشف لهم ما هم غافلون عنه، سواء ما سبق لهم به علم فنسوه، وشغلوا عنه بسفساف الأمور، وما لم يسبق لهم علم به، مما شأنه أن يستبصره الرأي الأصيل، حتى إذا انكشف له كان كالشيء الذي سبق له علمه، وذهل عنه، فمعنى التذكر معنًى بديع شامل لهذه الخصائص 79.

ومما ضربه الله لنا من الأمثال للعظة والعبرة قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل: 112] .

حيث أخبر الله تعالى هنا أن هناك قرية كان أهلها في أمن واستقرار وسعادة ونعيم، تأتيها الخيرات من كل جهة، فلم يشكر أهلها ربهم على ما آتاهم من خير ورزق، فسلبهم الله نعمة الأمان والاطمئنان، وأذاقهم آلام الخوف والجوع والحرمان بسبب كفرهم ومعاصيهم.

وهذا مثل أهل مكة الذين أمنهم الله بالبيت العتيق، يقصده الناس جميعًا، ولهم تجارتان، في الصيف للشام، وفي الشتاء لليمن، فلما جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الإيمان بالله كفروا به وعصوه، فإن لم يتوبوا إلى الله فجزاؤهم سيكون كجزاء أهل القرية المضروب بها المثل، حيث نزلت بها عقوبة الله، وحلت بساحتها نقمته. والمقصود أن من آثار ضرب الأمثال في القرآن حصول التذكر والاتعاظ بما فيها، والتدبر هو غاية كل ذلك ونتيجته؛ ولذلك قال الله عز وجل: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ?29?) [ص: 29] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت