وكان هذا المال مجالًا لطاعة الله وعبادته لأهل الإيمان والدين، ينفقونه في مرضات الله بعدما يكتسبونه مما أحلّ الله، وأما أهل الشر والفساد؛ فإنهم يكتسبونه من الحرام، أو ينفقونه في الحرام، أو هما معًا.
وقد قال تعالى عن إبليس: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ? وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [الإسراء: 64] .
ومشاركة إبليس للعباد في أموالهم هو ما يأمرهم به من إنفاقها في معاصي الله تعالى، فكل مال عصي الله فيه بإنفاق في حرام، أو اكتساب في حرام، فهو من مشاركات إبليس لعنه الله، والله تعالى لا يحب الفساد.
والمال في الأصل هو مال الله، أعطاه للإنسان وديعة؛ لينفقه على نفسه، وعلى مجتمعه في سبيل الخير، وهذا ما صرّح به القرآن، قال تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ [النور: 33] .
وقال تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: 7] .
فإسراف الغني في إنفاق المال وتبذيره بغير الطرق المشروعة هو اعتداء على مجموع الأمة؛ لأن المال عصب الحياة، ومصدر قوّة الأمّة.
ولقد وصف الله المبذرين بالسفه، وأمر بالحجر على أموالهم، قال تعالى: وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: 5] . يعني: لئلا يضيعوها.
وإضاعة المال تكون بإنفاقه في غير وجوهه الشرعية، وكذلك تعريضه للتلف.
ولقد راج التبذير في مجتمعنا في الطبقة الغنية والطبقة المتوسطة، وهذا ما ينذر بأوخم العواقب.
ومن صور الترف في المال ما ذكره الله تعالى في قصة قارون؛ فهذا الرجل قد أعطاه الله من الخير المال الكثير والرزق العميم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنه، ولكنه لم يشكر الله تعالى، وبدّل نعمته تعالى كفرًا.
قال تعالى: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ?76? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ?77? قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ?78? فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ?79? وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ?80? فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ?81? وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ?82? تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: 76 - 83] .
هذه الآيات قد فصّلت حاله، وبيّنت مآله، وكشفت شيئًا من ترفه في المال، فمن ذلك:
-أن مفاتح كنوزه تعيي المجموعة من أقوياء الرجالآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
-أنه لم ينتصح بما أسداه إليه قومه من نصح، بل استعد وتجمّل بأعظم ما يمكنفَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ مريدًا بذلك إظهار عظمته وكثرة أمواله. فكان مآله: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ.
وهنا يجب مراعاة أمر مهم ألا وهو أن ما سبق لا يعني محاربة أو رفض الحياة الهانئة، بل إن الأمر يتعلق بمدى الانغماس في النعيم، فلا يجب إنكار هذا التنعم إذا ما وقع في إطار الاعتدال.
قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَ?لِكَ قَوَامًا [الفرقان: 67] .
أما ما كان منه في إطار المبالغة التي تصل إلى حدّ الإسراف والتبذير فإنه ولا شك مذموم مرفوض.
-الترف في الطعام.
لا بد للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ? إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌھ ھ ژ [المؤمنون: 51] .
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ?172? [البقرة: 172] .
لكن البعض يأكل ليس لأجل الحاجة لأكل، بل لأجل التعوّد، فهو مثلا تعوّد على نظام الوجبات الثلاث، والتوسّع في المآكل والمشارب، والتفنّن في إعداد الطعام وتزيينه، والإكثار من الحديث عنه والتفاخر به، والبحث عن أطايبه، والتنادي إلى كل ذلك، والاجتماع عليه والتواصي به، وذلك من مظاهر الترف الذي جعل الجم الغفير من الناس يعانون بسببه من السمنة وكثيرٍ من الأمراض الناشئة عن التّخمة.
ومعظم أمراض الإنسان ناتجة عما يدخله الإنسان إلى جوفه، وقد نهى الحكماء عن إدخال الطعام على الطعام، وقالوا: «إن ذلك أساس المرض» . «والذي يضبط لك هذا الباب، ويحفظ قانونه على الميزان: أن تأكل ما وجد، طيبًا كان أو قفارًا، ولا تتكلف الطيب وتتخذه عادة» 44.
وينبغي أن يكون القصد من الأكل عند الإنسان أن يكون بلغة إلى الآخرة، ومعينًا على عبادة الله، وتحقيق الموازنة القائلة: لا ضرر ولا ضرار. فالقصد هو الاعتدال دون التّخمة في الأكل. وهذه قاعدة نافعة، مبعدة للآخذ بها عن الترف، وقد أمرنا بعدم الإسراف في الطعام.
قال الله تعالى: ژپيَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ?31? [الأعراف: 31] .
والمقصود بالإسراف في الطعام «إما أن يكون بالزيادة على القدر الكافي والشره في المأكولات الذي يضر بالجسم، وإما أن يكون بزيادة الترفّه في المآكل والمشارب واللباس» 45.
-الترف في المسكن والبناء.
من مظاهر الترف صرف الأموال الضخمة في بناء المنازل والدور، والتباهي في إعدادها وتصاميمها البديعة في الشكل الخارجي والداخلي، مع الحرص على تعدّد مواقعها، فبعضها للشتاء والآخر للصيف، وبعضها للسكن وبعضها للنزهة، ومع الحرص على سعتها وكثرة غرفها ووجود ملحقات لها ووفرة وسائل الترفيه فيها، مع الإكثار من الفرش الوثيرة والأواني الفاخرة والمتاع الراقي، مع أن الذي يكفي الإنسان من ذلك الشيء القليل، وأيام العمر تقصر، وتأبى أن تتسع للعبد لكي ينتفع بها ويستخدمها.
وكلامنا هذا لا يعني أن لا نبني بيوتنا بوسائل البناء الحديثة، بل نستفيد مما هو موجود في حدود الاعتدال، مع البعد عن المفاخرة والتظاهر، ومع تذكر أننا راحلون إلى دار آخرة هي خير من هذه، فلا نتمادى في تشييد المباني، بل القصد هو الخير.
والقرآن ذكر لنا صورًا من ترف الأمم المترفة السابقة في المسكن والبناء، من هذه الصور:
الصورة الأولى: قوم (عاد) المترفون: حيث أنكر نبي الله هود عليه السلام عليهم هذا الترف في المساكن بقوله: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء: 128] .
قال ابن كثير رحمه الله: «ولهذا قال: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً أي: معلمًا بناء مشهورًا، تَعْبَثُونَ أي: وإنما تفعلون ذلك عبثًا لا للاحتياج إليه، بل لمجرد اللعب واللهو وإظهار القوة؛ ولهذا أنكر عليه نبيهم عليهم السلام ذلك؛ لأنه تضييع للزمان، وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدنيا ولا في الآخرة» 46.
«فبناء قوم عاد للمساكن يبدو من الآيات أنه كان ترفًا، وأن القصد من ذلك كان هو التفاخر والتطاول بالمقدرة والمهارة، ومن ثمّ سماه عبثًا، ولو كان لهداية المارة، ومعرفة الاتجاه ما قال لهم: تَعْبَثُونَ فهو توجيه إلى أن ينفق الجهد، وتنفق البراعة، وينفق المال فيما هو ضروري ونافع، لا في الترف والزينة ومجرد إظهار البراعة والمهارة» 47.
الصورة الثانية: قوم ثمود: فهؤلاء القوم المترفون ذكر القرآن عنهم على لسان نبيهم صالح عليه السلام أنه قال لهم: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ ?149? [الشعراء: 149] .
قال ابن كثير رحمه الله: «قال ابن عباس وغير واحد: «يعني: حاذقين» ، وفي رواية عنه: «شرهين أشرين» وهو اختيار مجاهد وجماعة، ولا منافاة بينهما؛ فإنهم كانوا يتخذون تلك البيوت المنحوتة في الجبال أشرًا وبطرًا وعبثًا، من غير حاجة إلى سكناها، وكانوا حاذقين متقنين لنحتها ونقشها» 48.
فنخلص من هذا إلى أنّ البناء إذا كان للترف والمفاخرة، وعدم الحاجة فهو المنهي عنه، والمذموم صاحبه، أما إذا كان البناء للحاجة مع الاعتدال، وعدم المفاخرة والتباهي فلا شيء في ذلك، والشرع لم ينه عنه، والله أعلم.
-الترف في الملبس.
قال الله تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] .
عندما أمر الله تعالى بالزينة في الملبس قصد من ذلك أن تضمن لصاحبها مظهرًا مقبولًا، يستر ما تحته من عورة، ويقي من البرد في فصل الشتاء، ويمنع الحرّ في فصل الصيف، وأن لا يكون في ذلك الملبس أي نوع من الخيلاء؛ لأن من سلك مسلك المترفين فلا شك أنه أصيب بالمخيلة، وهو مرض عضال، يسقط صاحبه من حيث رفعه، فهو في نفسه رفيع، وفي نظر الله والناس وضيع، وإن اغترّ به البعض.
ومن مظاهر الترف جعل المال في الملابس الراقية، والاكتفاء بلبس الجديد والفاخر، حتى كثرت بسبب ذلك الملابس غير المستخدمة في المنازل، وتكدست مع وجود تنوع في الاستعمال حسب تعدد فصول العام، واختلاف أوقات اليوم، ويبرز ذلك الجانب أكثر لدى النساء.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن من شرار أمتي الذين غذوا في النعيم يطلبون ألوان الطعام وألوان الثياب يتشدّقون بالكلام) 49.
وليس معنى هذا أن نترك زينة الدنيا ونحرّمها على أنفسنا {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] .
ولكن الأساس في هذا النوع من التنعم وغيره من سائر وجوه التنعم أن ينضبط بحد القصد والاعتدال.
ومن صور الترف في الملبس: لبس الحرير للرجال، فقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لا تشربوا في إناء الذّهب والفضّة، ولا تلبسوا الدّيباج والحرير، فإنّه لهم في الدّنيا، وهو لكم في الآخرة يوم القيامة) 50.
3.الافتخار بالنفر والجاه.
مما درج عليه المترفون في حياتهم افتخارهم بالنفر والجاه، والاستعلاء بهما على الناس، وهذا أمر مطرد بين كل الأمم المترفة، والقرآن ذكر لنا من حال هؤلاء المترفين في افتخارهم بالنفر والجاه عدة آيات، منها: قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 34 - 35] .
«هذا هو رد المترفين على كل دعوة إلى الإيمان بالله، وتلك هي حجتهم عند أنفسهم وعند الناس، إنهم بما يملكون من كثرة في الأموال، وما عندهم من كثرة في الأولاد والرجال لن يكونوا تابعين لغيرهم، ولن يجعلوا لأحد كلمة عندهم، حتى ولو كان رسولًا من رسل الله، يدعوهم إلى الله، ويكشف لهم معالم الطريق إلى الحق والهدى! إنهم أكثر أموالًا وأولادًا من هذا الرسول، فكيف يقوم فيهم مقام الناصح ذي الرأي والسلطان؟! وكيف يتفضّل إنسان على من كان أكثر منه مالًا وولدًا؟!
وفي قولهم: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} إشارة إلى أنهم بما لهم من كثرة في المال والأولاد، لن ينزلوا عن مقام السيادة لأحد، ثم إنهم إذا عذّب غيرهم من الفقراء والمستضعفين لن يعذبوا هم؛ فإن الله ما أعطاهم هذا الوفر في المال والكثرة في الأولاد إلا لأنهم أهل للكرامة، وموضع للفضل عنده، وكما كانوا في الدنيا في هذا المقام بين الناس، فهم في الآخرة -إن كانت هناك عندهم آخرة- في هذا الموضع أيضًا، حيث يعذّب الفقراء والمستضعفون، أما هم فلن يعذّبوا، بل ينزلوا منازل الإكرام والإعزاز؛ ذلك ظنهم بأنفسهم» 51.
والمتمعن في الآية يستطيع أن يستنبط السبب الرئيس للتكذيب من قبل المترفين لأنبيائهم، ألا وهو خوفهم من زوال النعم والشهوات التي نعّموا بها، من قبيل كثرة الأموال والأولاد، واستعلاؤهم بما آتاهم الله من فضله ونعمائه، حيث اعتقدوا أنّ الفيصل في المفاضلة بين الناس هو الثروة وكثرة النسل من الذكور.
وقد ذكر لنا القرآن مثالًا عمليًّا من تكبّر المترفين بنفرهم، واعتزازهم بأولادهم في قصة صاحب الجنتين، حيث قال: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} [الكهف: 32 - 36] .
فصاحب الجنتين «تمتلئ نفسه بهما، ويزدهيه النظر إليهما، فيحس بالزهو، وينتفش كالديك، ويختال كالطاووس، ويتعالى على صاحبه الفقير: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا}
ثم يخطو بصاحبه إلى إحدى الجنتين، وملء نفسه البطر، وملء جنبه الغرور وقد نسي الله، ونسي أن يشكره على ما أعطاه وظن أن هذه الجنان المثمرة لن تبيد أبدًا، أنكر قيام الساعة أصلًا، وهبها قامت فسيجد هنالك الرعاية والإيثار! أليس من أصحاب الجنان في الدنيا فلا بد أن يكون جنابه ملحوظًا في الآخرة! {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا} .
إنه الغرور يخيّل لذوي الجاه والسلطان والمتاع والثراء أن القيم التي يعاملهم بها أهل هذه الدنيا الفانية تظل محفوظة لهم حتى في الملأ الأعلى! فما داموا يستطيلون على أهل هذه الأرض فلا بد أن يكون لهم عند السماء مكان ملحوظ» 52.
والقرآن الكريم لم يترك هذا الاعتقاد عند المترفين دون ردٍّ عليهم وبيان لخطئهم، بل بيّن لهم موازين القيم، وأنها مرتبطة بالإيمان والعمل الصالح، وليس بكثرة النفر والأولاد، فقال تعالى: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ: 37] .
وقد بيّن الله تعالى أن التوسعة في النعم على العباد في الدنيا إنما هو امتحان وابتلاء، بخلاف ما يعتقدونه، فقال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56] .
وقال تعالى: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] .
وكما ذكر القرآن مثالًا عن افتخار المترفين بالنفر فإنه ذكر لنا مثلًا على الافتخار بالجاه يتجلّى في موقف قريشٍ من رسالة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قالوا: {وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} [الزخرف: 31] .
«أي: هلا كان إنزال هذا القرآن على رجلٍ عظيمٍ كبير في أعينهم من القريتين! يعنون: مكة والطائف» 53، «فهم يرون أنفسهم أحق بالرسالة لعظم جاههم، وهذا الجاه النابع عن المادة مردٍ، ويزول بزوال صاحبه، أما الجاه النابع عن الروح -وهو ما يضطر الإنسان إليه- فإنه منجٍ، وباقٍ ولو توفي صاحبه» 54.
-تحدث القرآن الكريم عن المترفين وأخلاقهم وعاقبتهم، وهو ما نتناوله فيما يأتي:
من أخلاق المترفين وسلوكهم:
أولًا: من أخلاق المترفين:
1.الكبر.
المتأمل في نصوص القرآن الكريم يجد أن الله تعالى ذمّ الترف والمترفين، وذكر للمترفين أخلاقًا عرفوا بها في القرآن الكريم، ومن هذه الأخلاق الكبر، وهو بطر الحقّ، وغمط النّاس 5556.
ونجد الكبر ورفض الحقّ واضحًا جليًّا في مقابلة الملأ المترفين لدعوة رسلهم وأنبيائهم.
فمنذ عهد نوحٍ عليه السلام نجد هؤلاء الملأ المترفين المستكبرين يقفون في وجه الدعوة، مستقلّين شأن المتبعين لها من الفقراء الذين لا مال لهم ولا جاه، بل ويطلبون أن يطرد هؤلاء الأراذل في رأيهم؛ قال تعالى: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27) [هود: 27] .
فانظر إلى هؤلاء المترفين للتعرف على كبرهممَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ «فهم يسمون الفقراء من الناس أراذل كما ينظر الكبراء دائمًا إلى الآخرين الذين لم يؤتوا المال والسلطان» 57.
فزينة الحياة الدنيا ومتاعها، أخذت بعقول هؤلاء، فقادهم الترف فيها إلى الكبر، وهذا تجده في القرآن عامًّا في جميع الرسالات، كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?34?وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ?35?فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [سبأ: 34 - 35] .
فـ «الترف يفسد الفطرة ويغشيها فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى وتصر على الباطل، ولا تتفتح للنور» 58.
2.الحرص على الشهوات والمتع.
من أخلاق المترفين التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم، الحرص على الشهوات والمتع والزينة.
فأهل الترف يؤثرون الشهوات والمتع في الدنيا -وإن كانت على حساب الشرع- على الآخرة.
قال الله تعالى: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ? وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ [هود: 116] .
قال الطبري: «اتبعوا ما أنظروا فيه من لذات الدنيا، فاستكبروا عن أمر الله وتجبروا وصدوا عن سبيله» 59. وهذه الآية تنعي على القرى المهلكة عدم وجود جماعة أولي «عقل ورأي وصلاح ينهونهم عن الفساد في الأرض باتباع الهوى والشهوات التي تفسد عليهم أنفسهم ومصالحهم، فيحولون بينهم وبين الفساد» 60.
فهؤلاء المترفون «صبّ عليهم النعمة صبًّا، فجعلوها ذريعة إلى المعاصي واتباع الشهوات» 61، حتى فجأهم العذاب وَكَانُوا مُجْرِمِينَ 62.
وهذا يوحي بأن المرء متى تجرّد للحق فإنه لا يملك إلا اتباع الكتاب والسنة، ما لم يصب بآفة الترف التي تقطعه عن هذا الاتباع المحمود، وتجعله يركن إلى الشهوات ويألف التمرّد والعصيان، ومن ثم تخرجه عن حدّ الاعتدال إلى حدّ الإسراف والظلم للآخرين.
وبذلك يظهر شؤم الترف وأنه «هو الباعث على الفسوق والعصيان والظلم والإجرام، ويظهر ذلك أول ما يظهر في السادة والرؤساء، ومنهم ينتقل إلى العامة والدهماء فيكون ذلك سببًا في الهلاك بالاستئصال، أو في فقد العزّة والاستقلال، وتلك هي سنّة الله في خلقه، كما قال: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ?16? [الإسراء: 16] » 63.
ثانيًا: من سلوك المترفين:
الترف آفة مفسدة ومتى استوطنت كيانًا نخرته ونشرت فيه شتى العلل والأوبئة، وأظهرت عليه الكثير من السلوكيات السيئة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى شيء من سلوك المترفين:
1.التمرد على أحكام الشرع.
من النماذج القرآنية التي يتجلّى فيها سلوك التمرّد على الشرع وتعاليم السماء عند المترفين هو ما قصّه الله علينا في شأن قوم ثمود.
قال تعالى: ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ [المؤمنون: 31 - 34] .
ففي هذه الآيات يظهر سلوك التمرد عند الملأ المترف 64، وكيف أنهم استقبلوا دعوة نبيهم لا بالطاعة والإذعان، ولكن بالرفض والإنكار والتكذيب.
ويقص علينا القرآن في موضع آخر كيف أنهم طلبوا من نبيهم أن يأتيهم بآية: قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ?153?مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ?154? [الشعراء: 153 - 154] .
قال ابن كثير: «اقترحوا عليه آية يأتيهم بها؛ ليعلموا صدقه بما جاءهم به من ربهم فطلبوا منه -وقد اجتمع ملؤهم- أن يخرج لهم الآن من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة عندهم- ناقة عشراء من صفتها كذا وكذا، فعند ذلك أخذ عليهم نبي الله صالح عليه السلام العهود والمواثيق لئن أجابهم إلى ما سألوا ليؤمنن به وليصدقنه وليتبعنه، فأنعموا بذلك، فقام نبي الله صالح عليه السلام فصلى، ثم دعا الله تعالى أن يجيبهم إلى سؤالهم، فانفطرت تلك الصخرة التي أشاروا إليها عن ناقة عشراء، على الصفة التي وصفوها، فآمن بعضهم وكفر أكثرهم» 65.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل دفعهم ترفهم إلى مزيد من التمرّد، فقد قال لهم نبيهم: قَالَ هَ?ذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ (155) [الشعراء: 155] .
يعني: «ترد ماءكم يومًا، ويومًا تردونه أنتم» 66 وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ «بعقر أو غيره فخرجت واستمرّت عندهم بتلك الحال فلم يؤمنوا واستمرّوا على طغيانهم» 67، وفي النهاية قاموا بعقرها فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً ? وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ [الشعراء: 157 - 158] .
وهذا إن دلّ فإنما يدلّ على شدة عتوّهم وتمرّدهم، فآية الناقة آية عظيمة لا يملك الإنسان أمامها إلا الإيمان والتصديق، ولا غرو فقد وصفها الله بقوله: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [الإسراء: 59] .