وقد ذكر أن معنى {عَلَى بَصِيرَةٍ} هنا أي على «علم ويقين، من غير شك، ولا امتراء، ولا مرية» 39.
وكذلك أتى البصر المعنوي في قوله جل وعلا: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] .
حيث ضل من جعل مع الله إلهًا من الهوى، فأطاعه حتى ختم على حواسه فهو لا يتعظ، وقد جعل على بصره الإدراكي غشاوة مانعةً عن الاستبصار والاعتبار، وعن فهم الآيات وسماع الحق 40.
وقد ورد البصر المعنوي في قوله تعالى: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [آل عمران: 13] .
والآية تصف ما حصل يوم بدر، فقد رأى الكفار - على كثرتهم- المسلمين القليلين ضعفيهم، أو على المعنى الثاني وهو أن المسلمين رأوا الكفار مثليهم، وهم في الحقيقة كانوا ثلاثة أمثالهم، والعبرة في أيٍ من المعنيين هي نزول تأييد الله ونصره لعباده المؤمنين المتقين، ولا يدرك هذه العبرة إلا أولي {الْأَبْصَارِ} أي العقول المدركة التي تتدبر سنن الله في خلقه 41.
وجاءت البصائر بمعنى البرهان أو القرآن، كما في قوله تعالى: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 203] .
قال ابن أبي زمنين عن البصائر: هي «القرآن» 42، أي أن معنى الآية: قل لهم يا محمد على سبيل التبكيت ردًا على تهكمهم بك: إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي فأنا متبع لا مبتدع، فأنا أبلغكم الوحي دون تغيير أو تبديل 43.
وفي الاستخدام المعنوي تشبيه بليغ، فقد شبه الدلالات على صدق النبوة وبرهان القرآن الكريم المعجز بالبصائر، حيث حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه.
والمعنى: هذا القرآن بمنزلة بصائر القلوب التي تجعلها تدرك وتقر 44 ز
والبصائر التي أمدنا بها كتاب الله تعالى بها يبصر الإنسان الحق، ويدرك الصواب، وهي الحجج البينة، والبراهين النيرة على وحدانية الخالق، وعلى كماله وجلاله -عز وعلا-45.
-كما تكرم الله تعالى علينا بالبصر، أوجب علينا صيانته وحفظه، والتقصير في ذلك نكران للنعمة، لذا نحن مسئولون عنه ملزمون بتهذيبه ومنعه من الوقوع فيما حرم الله، فهو شاهد علينا يوم القيامة، ولبيان ذلك نفصل الحديث كما يلي:
أولًا: مسئولية البصر:
البصر نعمة وأمانة، وفي التقصير بهذه النعمة العظيمة جحود ونكران، ولعلنا مسئولون عن توجيه البصر بنوعيه للخير، فعلينا أن نقوي بصيرتنا ونغذيها بالعلم والإيمان، كما علينا الاهتمام ببصرنا من خلال حفظ العين من الإصابة بمكروه، فلا يعرضها الإنسان إلى الأخطار ولا يهملها إذا ما تعرضت للأسقام، بل يعتني بها كل العناية، وعليه حفظها من النظر إلى ما حرم الله تعالى، فلا يتلفها بالتلصص على الآخرين، أو باستراق النظر إلى النساء الأجنبيات، فهذا باب الزنا ومدخله الأساس؛ فلا يتصور أن يتجرأ الإنسان على انتهاك الحرمات والسقوط في الرذائل وهو غاضٌ لبصره، إذ لابد للشيطان من مدخل يدمر به الأخلاق ويزين من خلاله الفاحشة، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) 46.
قال ابن عاشور: «ولم يذكر الرجال لأن ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع، وإنما تحصل المحبة منهن للرجال بالإلف والإحسان» 47.
لكنهن مأمورات أيضًا بغض البصر عمن لا يحل لهن: قال تعالى: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) [النور: 31] .
فالأمر بالغض عام للجنسين؛ لأن السماح للعين برؤية الحرام يجعلها تعتاد وتدمن على ذلك، وهذا الأمر يورث خللًا في السلوك وضعفًا في الإيمان، وقد يسبب لصاحبه مشاكل اجتماعية ونفسية جمة، فالحرام يجر حرامًا، والنظر الحرام لا يأتي بخير.
ثانيًا: صيانة البصر:
على المسلم صيانة بصره وتربيته على عدم النظر إلى الحرام، ومن الأمور التي تساعد على ذلك:
-الإخلاص في الرغبة في غض البصر، والعزم الداخلي على ذلك.
-مراقبة الله تعالى واستحضار وجوده دومًا، فهذا مانع قوي للذنوب.
-الاستعانة بالدعاء، فمن دعا الله مخلصًا واثقًا في الاستجابة أكرمه الله في الدنيا والآخرة، قال عز وجل: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ? إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ?60? [غافر: 60] .
-تكثيف الطاعات وإشغال النفس بالنافع من الأفعال؛ سدًا لأبواب الشيطان ومداخله، ومن هذه الطاعات الوضوء، فقد ورد في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا توضأ العبد المسلم -أو المؤمن- فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء-، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء-، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيا من الذنوب) 48.
-تجنب الاستسلام لوسائل الإعلام الفاسدة، فقد كثر هذه الأيام المحتوى السيء على المواقع الإلكترونية من صور ومقاطع، وكذلك محطات التلفاز المتزايدة التي تبث سمومها في أبناء هذا الجيل، فالسمة الغالبة على القنوات الفضائية هي الفجور والعري، ولا تخلو الأفلام والمسلسلات التي تبث ليلًا ونهارًا من الأفكار الهدامة والمناظر التي توقد شهوة الشباب، وتحرفهم عن الطريق القويم.
والرسالة الموجهة إلى الآباء والأمهات هي أن يتقوا الله في أبنائهم، فقد جعلوا أمانة عندهم، فليراقبوهم جيدًا، وليحرصوا أن يوجهوهم إلى ما فيه النفع للأمة، فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، والشاب يملك القوة والوقت اللذين يمكنانه من الإبداع والابتكار إن لم تترك طاقاته فريسة للشهوات والنزوات.
وعلى رجال الإعلام تقوى الله فيما يبثون من أفكار، فعقول الشباب أمانة، وعليهم استغلالها وتوجيهها إلى ما فيه خير الأمة.
أما ولاة الأمر فعليهم أكبر المسئوليات؛ لأنهم يملكون الميزانيات التي يمكن أن تنفق في إصلاح الإعلام ورقابته، وزيادة وعي الناس بالتثقيف ونشر الدعاة، بدلًا من إتلافها فيما لا تستفيد منه الأمة لا من قريب ولا من بعيد.
ثالثًا: شهادة البصر:
قرر القرآن الكريم أن أعضاء الجسم تشهد يوم القيامة على صاحبها، فتنطق بما فعلت في الدنيا، قال تعالى: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} [القيامة: 14] .
وقد ذكر الطبري في تفسيره للآية: «أن جوارح الإنسان كلها من سمع وبصر وأيدي وأرجل، وكل الأركان تشهد بما فعل من خير وشر» 49، ولا حاجة لله تعالى بهذه الشهادة لأنه عز وجل: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] .
لكنه عز وجل يجعل من شهادة الجوارح أمام صاحبها حجة له أو عليه، وفي الحديث الشريف عن أنس بن مالك، قال: (كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل) 50.
وقال تعالى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
والمعنى: أن حواس الإنسان تسأل، يسأل السمع على حدة عما سمع، ويسأل البصر على حدة عما بصر، ويسأل القلب عما عزم 51.
فالمسئولية ثابتة في حق جميع الأركان، وفي حق البصر والبصيرة على حد سواء.
-من كمال حكمة الله تعالى أن جعل العين البشرية تدرك بعض الأمور؛ لغاية الاهتداء والعبادة، وتعجز عن إدراك أمور أخرى استأثر الله تعالى بها في علم الغيب عنده، نبين المدركات وغير المدركات كما يلي:
أولًا: ما يدركه البصر:
من حكمة الله جل وعلا أن تدرك العين البشرية جزءًا من قدرات الله المطلقة في آيات الكون؛ حتى تذعن وتستسلم للخالق العظيم الذي ليس له ندٌ، فهي تبصر خلق السماء بلا عمد، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} [الرعد: 2] .
فالسماء أعجوبة بتوازنها ومكوناتها، وقد ذكر بعض المفسرين: «أنها مرفوعة بأعمدة ربانية لا يراها الإنسان، لكن العين وإن لم تدرك العمد فإنها تدرك الأعظم، وهي السماء المحكمة البديعة التي تحمل الخير والغيث، وتتألق فيها النجوم والكواكب» 52.
وحفظ السماء هو بحد ذاته آية من الآيات العظيمة، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] .
فلم يكن فيها -على كبر مساحتها- صدوع أو فتوق 53، وفي الآية: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحج: 65] .
قال ابن كثير: «فالله هو الذي يمسكها بقدرته وفضله، وكونها كذلك هو الأكمل في القدرة» 54.
ومما تدركه العين أيضًا نزول الغيث من السماء الذي تتجلى فيه قدرة الله تعالى العظيمة، حيث يمر الماء بمراحل التبخر من المسطحات المائية بفعل الحرارة، ثم التكثف بفعل البرودة والنزول على هيئة ماء صافٍ عذب يشربه الناس ويسقي الزرع؛ فيخرج الثمر بإذنه تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} [البقرة: 22] .
ومن آياته التي تتجلى في السماء تسخير الشمس والقمر، يقول عز وجل: {وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 33] .
أي: خلقهما دائرين لإدارة الزمان وتجديد الأيام، وعدد الشهور والأعوام، وتنظيم الهواء على الوجه الملائم لمصالح البشر ومعايشهم، كل هذا بنظام بالغ الدقة والحكمة 55.
قال تعالى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ} [الحجر: 16] .
وقد فسرت البروج في الآية بالنجوم، تشبيهًا لها بحصون الأرض وقصورها؛ لأن النجوم هياكل فخمة عظيمة، وقد زينت السماء بتلك النجوم المختلفة الأشكال والأضواء المرئية للناظرين إلى حركاتها وأضوائها، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بها على قدرة موجدها ووحدانيته 56.
وفي الآية الكريمة: {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164] .
يقول سيد قطب: «وهذه الطريقة في تنبيه الحواس والمشاعر جديرة بأن تفتح العين والقلب على عجائب هذا الكون، العجائب التي تفقدنا الألفة جدتها وغرابتها وإيحاءاتها للقلب والحس، وهي دعوة للإنسان أن يرتاد هذا الكون كالذي يراه أول مرة مفتوح العين، متوفز الحس، حي القلب، وكم في هذه المشاهد المكررة من عجيب وكم فيها من غريب، وكم اختلجت العيون والقلوب وهي تطلع عليها أول مرة، ثم ألفتها ففقدت هزة المفاجأة، ودهشة المباغتة، وروعة النظرة الأولى إلى هذا المهرجان العجيب» 57.
ومن فضل الله علينا أنه يذكرنا دومًا بضرورة التأمل في آياته الكثيرة، قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] .
فمن يقدر على تسخير هذا الطير الذي نراه في الجو؟ إنه الخالق العظيم! ثم قال تبارك وتعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الحج: 65] .
فقد أنعم علينا بالأرض وما فيها وعليها، وبالفلك التي تسير في البحر لتنقلنا من مكان إلى آخر، وقد أنعم علينا كذلك بمطعومات البحر وحليته، وكانت هذه النعم المسخرة للإنسان عبرة لمن له عين تبصر وقلب يدرك.
قال عز وجل: {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [النحل: 13] .
وقال أيضًا: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 14] .
وقد نبه الله تعالى على نعمه الوفيرة، مثل تثبيت الأرض، ووجود الأنهار والبحار، والدواب التي نتخذ منها طعامنا ووسيلة نقلنا وملبسنا، والبيوت التي تقي الإنسان البرد والحر، وكل ما خلق.
يقول رب العزة: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 15 - 18] .
ويقول أيضًا: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 80 - 81] .
أجل النعم التي أنعمها الله تعالى علينا هي خلقنا، فقد أبدع تعالى في تكوين الإنسان، ابتداءً بإخراجنا من ذلك الماء المهين.
قال تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [يونس: 31] .
والمعنى إخراج الناس الأحياء من النطف، والنطف من الأحياء، وكذلك الأنعام والنبات الذي يخرج من البذور اليابسة 58.
ثم تطور مراحل الخلق مرورًا بمرحلة النطفة والعلقة والمضغة ثم خلق العظم واللحم واكتمال جميع الحواس.
يقول المولى عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12 - 14] .
وكذلك تفضل الله تعالى علينا بإبداع الخلق في أجسامنا، والمطلع بقليل من التفكر في خلق الإنسان يدرك أن هذا التكامل بين أجهزة جسم الإنسان، وتوافق عملها بهذه الآلية لابد وأنه من صنع خبير قدير، وليتأمل جهازه البصري.
قال تعالى: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] .
ذلك الجهاز فائق الدقة الذي ينقل له كل ما يدور حوله بكل التفاصيل الشكلية واللونية، ثم لينظر إلى طريقة عمل جهازه السمعي، وكيف تنتقل الذبذبات الصوتية في أجزاء الأذن بكل سلاسة، وليتخيل كيف يمكن أن يكون حاله لو خلق بلا سمع، ولو تأمل قليلًا في جهازه الهضمي وكيف يعمل في هدوء ونظام لينتج للجسم ما يحتاجه من عناصر، ويخلصه مما يضره من سموم، وكيف له أن يعيش إن ثقبت معدته أو أزيلت أمعاؤه؟ وكيف سنشعر بالأشياء من حولنا إن فقدنا الشعور بالإحساس في جلدنا؟
إنه التفكر، ما يلزمنا للارتقاء بعقولنا وزيادة إيماننا بالله عز وجل، فقد وجهنا ربنا إلى ذلك في قوله: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 5 - 7] .
وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ} [الحج: 5] .
من الأمور التي ندركها بأبصارنا أيضًا آثار إهلاك الأمم الماضية، فالكثير منها باقٍ إلى يومنا هذا، ولا يأخذ العبرة منها إلا من يعتبر، قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الأنعام: 11] .
أي سافروا في الأرض فانظروا وتأملوا ماذا حل بالمكذبين الكفرة من هلاك وعذاب، وكيف أصبحوا عبرة للمعتبرين 59.
وقد أتى الأمر للكفار بالتفكر أثناء سيرهم، فقد كانت قوافل القرشيين إلى الشام واليمن يجعلها قادرة على أن ترى آثار المكذبين، سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم، وكان عليهم أن يأخذوا العبرة من ذلك ويؤمنوا، والآية عامة لكل من له عين تبصر وعقل يدرك 60.
وقد أثبت الله تعالى وجود آثار إهلاك الأمم البائدة في أكثر من موضع، وأكد وجود آثار المساكن التي عاشوا فيها.
قال تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} [العنكبوت: 38] .
فقد كان أهل مكة يمرون على أماكن سكنى الأمم السابقة في الحجاز واليمن، وبالرغم من ذلك استسلموا للشيطان الذي زين لهم كفرهم وعنادهم، وكفروا مع إبصارهم للحق وتمييزهم 61.
والتبيان المذكور في الآية مدرك بالبصر، ويستحيل أن يحثنا الله تعالى على التفكر في آثار إهلاك الكافرين دون تمكن حواسنا من إدراك هذه الآثار!.
وتثبت الدراسات التاريخية التي تكتشف يوما بعد يوم هذه الآثار، فمنذ أعوام اكتشفت آثار يعتقد أنها لمدينتي سدوم وعمورة اللتين وجدتا في قاع البحر الميت في المياه الأردنية، والتي يعتقد الباحثون أنها أنقاض قوم لوط الذين أهلكهم الله سبحانه وتعالى بعد ارتكابهم الفاحشة وعصيانهم لأمر ربهم الذي أتاهم عبر نبيهم لوط عليه السلام 62.
وجسد فرعون شاهد على عقاب الله للكافرين، يراه الناس إلى يومنا هذا فيتعظ من يتعظ ويغفل من يغفل.
يقول عز وجل: {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس: 92] .
فقد شكك بنو إسرائيل أول الأمر في غرق فرعون وقالوا عله تأخر في البحر لعلة، فأمر الله تعالى البحر أن يلفظه، فألقاه على نجوة مرتفعة ليكون عبرة للمعتبرين من قومه وممن تبعهم إلى يومنا، وما التمثال الموجود في مصر لرمسيس الثاني إلا جثته الباقية، والله أعلم.
من كمال عدالة الله عز وجل أن يرى المؤمن ببصره الثاقب يومئذ النعيم الذي أعده الله له، كما يرى الكافر عذابه بذات الحاسة.
قال تعالى: {فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 22] .