فهرس الكتاب

الصفحة 2064 من 2431

وخلاصة الأمر: أن هذه الآيات تدل على أن تلك الأخلاق مما لا يقره الشرع لمخالفتها للمنهج الحق والطريق السوي؛ ولذلك جاءت الآيات تبين ما يجب أن يكون عليه المسلم من خلق صادق، بعيدًا عن الخلق الذميم سواء كان إفراطًا أو تفريطًا، وهذه الآيات هي التي ترسم المنهج الوسط في الأخلاق والمعاملة.

رابعًا: الوسطية في المعاملات:

لقد تجلت وسطية القرآن في المعاملات، حيث البعد عن التشدد والغلو من جهة، والتسيب والتميع من جهة أخرى، فللقرآن منهج وسطي يضبط جميع المعاملات من طعام وشراب، وبيع وشراء، وطلاق وزواج، حتى في معاملاتنا مع غير المسلمين.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8) } [المائدة:8] .

قال الطبري: «يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله محمد، ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام لله شهداء بالعدل في أوليائكم وأعدائكم، ولا تجوروا في أحكامكم وأفعالكم فتجاوزوا ما حددت لكم في أعدائكم لعدواتهم لكم، ولا تقصروا فيما حددت لكم من أحكامي وحدودي في أوليائكم لولايتهم لكم، ولكن انتهوا في جميعهم إلى حدي، واعملوا فيه بأمري» 66.

فقد نهي الله سبحانه عن ترك الطيبات تنسكًا وعبادة، وطلب عدم تجاوز الحد إلى الإسراف الضار بالجسد، والإسراف الضار بالمال، وطلب عدم الاسترسال في الشهوات من مطعم ومشرب وغيرهما، حتى لا تكون اللذات هي السهم الأكبر في الحياة، فإن للمؤمن في الحياة قصدًا أسمى هو العلم والمعرفة والعبادة، والإحسان إلى الناس، والنفع العام للجماعة، وإذا كانت اللذات مشغولًا بها إلى حد البحث والطلب والانتظار والألم عند فقدها كان ذلك صارفًا عن المقاصد السامية للمؤمن.

وقد بين الله تعالى ذلك فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) } [المائدة:87] .

قال الزمخشري: «لا تمنعوها أنفسكم كمنع التحريم، أو لا تقولوا: حرمناها على أنفسنا، مبالغة منكم في العزم على تركها تزهدًا منكم وتقشفًا» 67.

وفي هذه الآية ردٌ على من حرم زينة الله التي أخرجها لعباده، فإن التحريم والتحليل حق الله لا يشاركه أحد فيه، قال المراغي: «بعد أن مدح سبحانه النصارى بأنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين، وذكر من أسباب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانًا، ظن المؤمنون أن في هذا ترغيبًا في الرهبانية، وظن الميالون للتقشف والزهد أنها منزلة تقربهم إلى الله، ولن تتحقق إلا بترك التمتع بالطيبات من الطعام واللباس والنساء، إما دائما كامتناع الرهبان من الزواج، وإما في أوقات معينة كأنواع الصيام التي ابتدعوها، فأزال الله هذا الظن وقطع عرق هذا الوهم بذلك النهى الصريح» 68.

كما أمر الله عز وجل بالتوسط حتى في المأكل والمشرب وعدم المغالاة في ذلك فقال: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) } [الأعراف:31] .

قال ابن عاشور: «والإسراف تجاوز الحد المتعارف في الشيء أي: ولا تسرفوا في الأكل بكثرة أكل اللحوم والدسم؛ لأن ذلك يعود بأضرار على البدن وتنشأ منه أمراض معضلة» 69.

كما أظهر القرآن منهج الوسطية وعد المغالاة في المعاملات المالية أمرًا مذمومًا.

قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) } [الإسراء:26 - 27] .

قال السعدي: « {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} لأن الشيطان لا يدعو إلا إلى كل خصلة ذميمة فيدعو الإنسان إلى البخل والإمساك، فإذا عصاه دعاه إلى الإسراف والتبذير، والله تعالى إنما يأمر بأعدل الأمور وأقسطها، ويمدح عليه» 70.

وقال تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) } [الإسراء:29] .

قال الزمخشري: «هذا تمثيلٌ لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، وأمر بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير {فَتَقْعُدَ مَلُومًا} فتصير ملومًا عند الله؛ لأن المسرف غير مرضي عنده وعند الناس، يقول المحتاج: أعطى فلانًا وحرمني، ويقول المستغني: ما يحسن تدبير أمر المعيشة» 71.

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) } [الفرقان:67] .

يقول سيد قطب: «وهذه سمة الإسلام التي يحققها في حياة الأفراد والجماعات، ويتجه إليها في التربية والتشريع، يقيم بناءه كله على التوازن والاعتدال، والمسلم مع اعتراف الإسلام بالملكية الفردية المقيدة ليس حرًا في إنفاق أمواله الخاصة كما يشاء كما هو الحال في النظام الرأسمالي، وعند الأمم التي لا يحكم التشريع الإلهي حياتها في كل ميدان، إنما هو مقيد بالتوسط في الأمرين الإسراف والتقتير، فالإسراف مفسدة للنفس والمال والمجتمع، والتقتير مثله حبس للمال عن انتفاع صاحبه به وانتفاع الجماعة من حوله، فالمال أداة اجتماعية لتحقيق خدمات اجتماعية، والإسراف والتقتير يحدثان اختلالًا في المحيط الاجتماعي والمجال الاقتصادي، وحبس الأموال يحدث أزمات ومثله إطلاقها بغير حساب، ذلك فوق فساد القلوب والأخلاق» 72.

وأما في معاملات الزواج والطلاق فكان المنهج الوسطي بارزًا بروز الشمس في رابعة النهار، فلقد حث الإسلام على الزواج ورغب فيه، وذلك حفاظًا على النوع البشري، وقد ذكر القرآن الكريم أسس هذا الاختيار.

يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الروم:21] .

فأسس هذه العلاقة قائمة على السكن والمودة والرحمة.

كذلك وضع لنا الشرع الحكيم صفات الزوجة الصالحة، فقال صلى الله عليه وسلم: (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك) 73.

عند غير المسلمين منهم من لا يتزوج كالنصارى الذين ابتدعوا الرهبانية، ومنهم من يتجاوز حدود شرع الله، فيقع بالإباحية بانتهاك الحرمات وضياع الأنساب.

يقول تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:27] .

كذلك وضع الشرع الحكيم صفات الزوج الصالح، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض) 74.

هذه الأسس في اختيار الزوج الصالح غير متوفرة في الأمم غير الإسلامية، فاختيار الزوج يكون فقط للمتعة الجنسية، دون مراعاة تلك الضوابط والأسس التي وضعها الشرع الحكيم.

خامسًا: الوسطية في التشريع:

جاء الإسلام وسطًا في التحليل والتحريم بين اليهودية التي أسرفت في التحريم، وكثرت فيها المحرمات مما حرمه إسرائيل على نفسه، ومما حرمه الله على اليهود جزاء بغيهم وظلمهم قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) } [النساء:160] .

وبين المسيحية التي أسرفت في الإباحة حتى أحلت الأشياء المنصوص على تحريمها في التوراة.

فالإسلام قد أحل وحرم، ولكنه لم يجعل التحليل والتحريم من حق بشر، بل هو من حق الله وحده، ولم يحرم إلا الخبيث الضار، كما لم يحل إلا الطيب النافع.

وفي التشريع الإسلامي موازنة دقيقة بين التكليف وبين الاستطاعة، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، والمشقة تجلب التيسير، والضرورات تبيح المحظورات.

ولقد وردت آيات كثيرة تبين أن الله لا يكلف نفسًا فوق طاقتها، ولا يكلف نفسًا إلا وسعها وقدرتها، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] .

وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق:7] .

وقال أيضًا: {لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:233] .

وقال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام:152] .

وقال: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأعراف:42] .

وقال تعالى: {وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ} [المؤمنون:62] .

قال الطبري: «يعني بذلك جل ثناؤه: لا يكلف الله نفسًا فيتعبدها إلا بما يسعها، فلا يضيق عليها ولا يجهدها» 75 فهناك تكليف وأمر بالتعبد، لكن في حدود الوسع والطاقة، قال الزمخشري: «أي: لا يكلفها إلا ما يتسع فيه طوقه، ويتيسر عليه دون مدى الطاقة والمجهود، وهذا إخبار عن عدله ورحمته كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] لأنه كان في إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة» 76.

وخلاصة القول: إن هذه الآيات تقرر منهج الوسطية في التكليف، فهناك أوامر ونواه، ولكنها في حدود الوسع، وعدم المشقة، وليس فيها تضييق وعسر وإحراج.

ولقد ظلمت بنو إسرائيل نفسها وبغت، فشدد الله عليهم.

قال تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) } [الأنعام:146] .

قال المراغي: «أي: إنما حرم الله ذلك عليهم عقوبة بغيهم فشدد عليهم بذلك» 77.

وقال ابن عاشور: «والمقصود من ذكر هذا الأخير: أن يظهر للمشركين أن ما حرموه ليس من تشريع الله في الحال، ولا فيما مضى، فهو ضلال بحت» 78.

ولقد امتن الله على هذه الأمة في الكتاب العزيز بأن وضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على من قبلها، ولم يحملها ما حمل من قبلها، فكان ذلك مظهرًا من مظاهر وسطية هذا الدين.

قال تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف:157] .

قال الطبري: ويضع النبي الأمي العهد الذي كان قد أخذه الله على بني إسرائيل، من إقامة التوراة والعمل بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم، ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً، فنسخها حكم القرآن 79.

وتظهر وسطية التشريع في بيان كفارة اليمين.

قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) } [المائدة:89] .

والوسطية في هذه الآية من ثلاثة وجوه:

1.إن إطعام المساكين يراعى منه نوعية الطعام أو الكسوة الوسط، وجعل المقياس الذي يرجع إليه في اختيار هذا الوسط إطعام الرجل لأهله أو كسوتهم، فينظر في ذلك ويخرج الوسط منه.

2.إنه جعل الكفارة تدور على أحد ثلاثة أمور: إما الإطعام، أو الكسوة، أو الإعتاق، والحالف مخير بينها دون إلزام بواحد منها، وهذا فيه من التوسعة والتيسير ما لا يخفى.

3.إذا لم يجد الحالف أو لم يستطع على أي نوع من هذه الثلاثة انتقل إلى الصيام، وهذه رحمة من الله وتوسعة على عباده.

وبهذا اجتمعت أطراف الوسطية في هذه القضية، وهي قضية جزئية يسيرة، فلا شك أن ما كان أعلى منها وأشد كلفة تكون مراعاة الوسطية فيه من باب أولى؛ لأن الله غني عنا وعن أعمالنا، ولكن التشريع ميدان للامتحان والابتلاء، والله بنا رؤوف رحيم 80.

إن المجتمع الصالح يتكون من الأفراد الصالحين، وبصلاح الفرد صلاح للأمة والدولة والمجتمع، فإذا ما صلح المجتمع سادت السكينة والمودة والمحبة وشعر الناس بنعمة الإخاء الإيماني، وانطلقوا يبحثون عن موارد الرزق، وترقي الأحوال، وتجنب المفاسد والمضار.

وإذا كان هناك شيء من التكاليف الشاقة للأفراد، واختل ميزان الحق والعدل والتوسط في الأمور، وانعدمت الحريات التي هي تعبير عن الوسطية، وقع المجتمع فريسة الأمراض الفتاكة، والانحرافات القاتلة، فتأتي الوسطية بآفاقها البعيدة، فهي إيجابية النفع، فتكاد السلبيات أو الأخطاء تنعدم، أو تكون في طريقها إلى الذوبان والنسيان.

وذلك لما تفرزه من آثار اجتماعية ملموسة من إشاعة المحبة، وتنامي المودة، والابتعاد عن التعصب، والأحقاد، وتوافر الثقة للآخرين وإحسان التعامل معهم، وصارت أحوال الأسرة والمجتمع في طمأنينة وشعور بالاستقرار، وتفرغ للإنجاز والعطاء، والتزام الحق والعدل، والبعد عن الشر والفتنة والفساد في الأرض؛ فما من مشكلة اجتماعية تثور إلا وكان سببها شذوذًا في التخطيط والعمل، أو انحرافًا عن المقصد الشريف.

أما حال الوسطية فتكون من أهم الأسباب الداعية إلى الاستقرار والوئام، وإسعاد الفرد والجماعة، وتقدم المدنية وازدهار الحضارة 81.

ويظهر أثر الوسطية في الخطاب الديني على الفرد والمجتمع فيما يأتي:

1.انتشار التقارب والتعايش بين الناس: فالوسطية مطلوبة في الخطاب الديني بعيدًا عن التشدد والغلو وتحريض الناس، فالرسول صلى الله عليه وسلم خاطب جميع الفئات وعاش معها، فعاش في مكة مع الكفار، وكذلك في المدينة أبرم عهدًا مع اليهود، وتعايش معهم تحت سقف دولة واحدة.

2.نبذ العصبية والدعوة إلى الحوار وتقبل الآخر: فهذا الأمر مطلوب بين التيارات والجماعات والفئات الإسلامية لجمع كلمتهم وتوحيد صفهم، وقد نبذ الرسول العصبية القبلية الضيقة حيث قال لأبي ذر رضي الله عنه: (إنك امرؤ فيك جاهلية) 82 ولقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحوار كما حصل مع اليهود، حيث قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى? كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ? فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ?64?) [آل عمران:64] . قال الرازي: «واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أورد على نصارى نجران أنواع الدلائل وانقطعوا، ثم دعاهم إلى المباهلة فخافوا وما شرعوا فيها وقبلوا الصغار بأداء الجزية، وقد كان عليه السلام حريصًا على إيمانهم، فكأنه تعالى قال: يا محمد اترك ذلك المنهج من الكلام واعدل إلى منهج آخر يشهد كل عقل سليم وطبع مستقيم أنه كلام مبني على الإنصاف وترك الجدال» 83، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستخدم الحجة والبرهان في الخطاب، وكذلك اللين والرحمة شعاره: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) 84.

3.التعايش السلمي داخل المجتمع المسلم: فالوسطية في الخطاب الديني تنشر المحبة بين المجتمع والطوائف المختلفة تحت شعار: (لا يؤمن أحدكم حتي يحب لأخيه ما يحب لنفسه) 85، ولكن النجاح في ذلك لا يكون إلا بالرجوع إلى مرجعٍ أصيل ألا وهو الكتاب والسنة، تحت هذا الدستور الواضح البين الصالح إلى قيام الساعة القائم على منهج الوسطية.

4.ترشيد الخطاب الديني: وهو المبتغى تحقيقًا لشعار يسروا ولا تعسروا و بشروا ولا تنفروا، ومن ثم يتم قبول الخطاب من الناس، ويترجم إلى عمل بعيدًا عن المناكفات المذهبية والطائفية، ويبدأ الناس بداية جادة بالبحث عن الخير للبشرية جمعاء.

5.انتشار القيم والمبادئ العظيمة الداعية إلى التسامح، وحب الخير للآخرين، ونشر ثقافة التسامح ونبذ الأحقاد والغل فيما بيننا مصداقًا لقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10] .

6.انتشار الأمن والأمان بين المجتمع، إذ إن محاربة الأفكار الهدامة الداعية إلى الإخلال بالأمن والسلم المجتمعي مطلب لبقاء البشرية، ومطلب للبناء والتعمير للأرض، ونشر الدين وتعليم البشرية دين ربها تعالى، حيث شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على عدم إيواء المحدث فقال: (من أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) 86، وكذلك جعل في الإسلام حد الحرابة للمفسدين في الأرض قال تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ? ذَ?لِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ? وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ?33? [المائدة:33] .

7.التكافل الاجتماعي والتراحم بين المجتمعات على اختلاف مذاهبها ومشاربها الفقهية والطائفية؛ فبالخطاب الديني المعتدل الوسطي المنهج ينتشر التعايش بين الناس والتراحم والتعاطف، فكل واحد يسعى إلى الأجر والمثوبة من الله، وتقديم يد المساعدة للآخرين اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم؛ فإذا التزم الناس والدعاة وأصحاب الخطاب الديني بما سبق كان أدعى للناس إلى التطبيق والتنفيذ ونشر الخير بين الناس. 87.

لقد امتن الله على أمة الإسلام بجعلها أمة وسطًا؛ لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

ولقد اختلف مفهوم الوسط عند أهل اللغة والمفسرين اختلاف تنوعٍ وليس تضاد، ونعرض مفهوم الأمة الوسط، وبيان أثرها بين الأمم، وذلك فيما يأتي.

أولًا: مفهوم الأمة الوسط:

تميزت الأمة الإسلامية بخاصية منفردة لم تكن لأمة من الأمم السابقة، وهي ميزة الوسطية التي جعلها الله خصيصة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

فأمة الوسط هي المقياس الشرعي الدقيق، والصفة القرآنية الجليلة، والمصطلح القرآني الهام، والذي لم يعد في هذا الزمان يحظى بتلك الأهمية في حياة الناس، إذ اختلط أمره على الكثيرين، بل وأفسد معناه الكثيرون، فأخرج البعض مضامينه الحقيقية منه، وأدخلوا إليه مضامين جديدة لا تخضع للشرع، وإنما تخضع لحكم العقل ومقاييس الهوى.

لقد فسره البعض تفسيرات حديثة مسايرة للواقع، ونابعة من فقه الهزيمة وثقافة الاستسلام، فقالوا بأن الوسط هو ما بين التطرف والاعتدال، وأقام البعض الآخر حزبًا متوسطًا أسموه بحزب الوسط، بحيث يتوسط بين العلمانية والتدين، وهكذا اختلط أمر هذا المصطلح على الناس، واختلط فيه الحابل بالنابل، فأصبح أمره بحاجة إلى إعادة توضيح وبلورة، وتسليط الضوء عليه؛ لمعرفة واقعه معرفةً واضحةً، ولإدراك معناه إدراكًا صحيحًا بحيث تتضح صورته في الذهن فتكون دقيقة ومبلورة وقاطعة تزيل كل التباس.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

في هذه الآية الكريمة يقترن معنى الوسط الذي وصفت به أمة الإسلام بمعنيين إضافيين هما: شهادة الأمة على الأمم الأخرى، وشهادة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم على الأمة الإسلامية.

والوسط من ناحية لغوية يتضمن ثلاثة معانٍ:

1.العدالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت