فهرس الكتاب

الصفحة 2223 من 2431

وهكذا بلغ منهم العبث، وبلغ منهم الاستهتار، وبلغ منهم الالتواء أيضًا في التعامل مع الله والتعامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المبلغ .. وهي صورة تمثل أهل كل كتاب حين يطول عليهم الأمد، فتقسو قلوبهم وتبرد فيها حرارة العقيدة، وتنطفئ شعلتها، ويصبح التفصي من هذه العقيدة وشرائعها وتكاليفها هو الهدف الذي يبحث له عن الوسائل ويبحث له عن الفتاوى؛ لعلها تجد مخرجًا وحيلة، أليس الشأن كذلك اليوم بين الذين يقولون: إنهم مسلمون {مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} ؟!

أليسوا يتلمسون الفتوى؛ للاحتيال على الدين، لا لتنفيذ الدين؟!

أليسوا يتمسحون بالدين أحيانًا؛ لكي يقر لهم أهواءهم ويوقع بالموافقة عليها؟! فأما إن قال الدين كلمة الحق وحكم الحق فلا حاجة بهم إليه .. {يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا} ! إنه الحال نفسه. ولعله لهذا كان الله سبحانه يقص قصة بني إسرائيل بهذا الإسهاب وهذا التفصيل؛ لتحذر منها أجيال المسلمين وينتبه الواعون منها لمزالق الطريق 146.

ثالثًا: حذر فرعون وهامان وجنودهما:

كان فرعون وهامان قد أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل، فكانوا من ذلك على وجل منهم؛ ولذلك كان فرعون يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فأرى الله فرعون وهامان وجنودهما، من بني إسرائيل على يد موسى بن عمران نبيه، ما كانوا يحذرونه منهم من هلاكهم وخراب منازلهم ودورهم 147.

قال تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} [القصص: 4 - 6] .

قال ابن كثير رحمه الله: «أراد فرعون بحوله وقوته أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك مع قدر الملك العظيم الذي لا يخالف أمره القدري، بل نفذ حكمه، وجرى قلمه في القدم بأن يكون إهلاك فرعون على يديه، بل يكون هذا الغلام الذي احترزت من وجوده، وقتلت بسببه ألوفًا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك، وفي دارك، وغذاؤه من طعامك، وأنت تربيه وتدلله وتتفداه، وحتفك، وهلاكك وهلاك جنودك على يديه؛ لتعلم أن رب السموات العلا هو القادر الغالب العظيم، العزيز القوي الشديد المحال، الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن» 148.

وهذه قصة تعرض قوة الحكم، قوة فرعون الطاغية المتجبر اليقظ الحذر، وفي مواجهتها موسى طفلًا رضيعًا لا حول له ولا قوة، ولا ملجأ له ولا وقاية، وقد علا فرعون في الأرض، واتخذ أهلها شيعًا، واستضعف بني إسرائيل، يذبّح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وهو على حذر منهم، وهو قابض على أعناقهم، ولكن قوة فرعون وجبروته، وحذره ويقظته لا تغني عنه شيئًا، بل لا تمكن له من موسى الطفل الصغير، المجرد من كل قوة وحيلة، وهو في حراسة القوة الحقيقية الوحيدة، ترعاه عين العناية، وتدفع عنه السوء، وتعمي عنه العيون، وتتحدى به فرعون وجنده تحديًا سافرًا، فتدفع به إلى جحره، ويقتحم به عليه قلب امرأته، وهو مكتوف اليدين إزاءه، مكفوف الأذى عنه، يصنع بنفسه لنفسه ما يحذره ويخشاه 149.

ولما ظهر أمر موسى عليه السلام، وانتشرت دعوته؛ زاد خوف فرعون وحذره من خروج بني إسرائيل مع موسى، وعدم سيطرته عليهم، ولما أوحى الله تعالى إلى موسى أن يسير ليلًا باتجاه البحر مع قومه، ففعل موسى، وخرج ببني إسرائيل، فلما أصبح فرعون وقومه، وعلم بما صنع بنو إسرائيل؛ غاظه ذلك، وأرسل في مدائن مصر من يجمعوا الجند لملاحقة بني إسرائيل، أعلن التعبئة الكاملة من أجل تدمير هذه القوة المتنامية وإرجاعهم عبيدًا له، وتعذيبهم أشد العذاب، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 52 - 56] .

واستخدم فرعون أسلوب التعبئة المعنوية لتحريض قومه على الخروج معه، فوصف بني إسرائيل بثلاث صفات:

1. {إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} إن بني إسرائيل لطائفة قليلة؛ فيسهل متابعتهم وأسرهم أو قتلهم أو إعادتهم إلى العبودية.

2. {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} أي: إنهم في كل آونة يغيظوننا ويضايقوننا، بالفتنة والشغب، وقد ذهبوا بأموالنا، وخرجوا عن عبوديتنا، وخالفوا ديننا.

3. {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} أي: وإن جميعنا قوم آخذون حذرنا وأهبتنا ومستعدون بالسلاح، وإني أريد إبادتهم واستئصالهم 150.

قال سيد قطب: «نبأ الله موسى بأن فرعون سيتبعهم بجنده، وأمره أن يقود قومه إلى ساحل البحر، وعلم فرعون بخروج بني إسرائيل خلسة، فأمر بما يسمى (التعبئة العامة) ، وأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجند؛ ليدرك موسى وقومه، ويفسد عليهم تدبيرهم، وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير، وانطلق عملاء فرعون يجمعون الجند ... زاعمين أنهم حاذرون، أي: مستيقظون لمكائدهم، ومحتاطون لأمرهم، ممسكون بزمام الأمور، إنها حيرة الباطل المتجبر دائمًا في مواجهة أصحاب العقيدة المؤمنين» 151.

«وكلام فرعون هذا- الذي حكاه القرآن عنه- يوحى بهلعه وخوفه مما فعله موسى عليه السلام؛ إلا أنه أراد أن يستر هذا الهلع والجزع بالتهوين من شأنه، ومن شأن الذين خرجوا معه وبتحريض قومه على اللحاق بهم وتأديبهم، وبالظهور بمظهر المستعد هو وقومه؛ لمجابهة الأخطار والتمرد بكل قوة وحزم» 152.

-أولًا: النجاة من الفتن:

لقد أطلع الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم على الكثير من الفتن التي ستواجه هذه الأمة؛ ولهذا أطال الرسول بالحديث عن الفتن والتحذير منها، وبيان المخرج منها، ففي الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم عن عمرو بن أخطب رضي الله عنه قال (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر. وصعد المنبر؛ فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر؛ فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى. ثم صعد المنبر؛ فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا) 153.

ولا سبيل للتخلص من الفتن إلا بالحذر من مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] .

أي: عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبيله هو ومنهاجه وطريقته وسنته وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك؛ قبل، وما خالفه؛ فهو مردود على قائله وفاعله، كائنًا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد) 154155.

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [المائدة: 92] .

إنها القاعدة التي يرجع إليها الأمر كله: طاعة الله وطاعة الرسول الذي لا تبقى معه إلا الطاعة المطلقة لله وللرسول، والحذر من المخالفة {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} وقد بلّغ وبيّن، فتحددت التبعة على المخالفين 156.

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132] .

فطاعة الله وطاعة رسوله، من أسباب حصول الرحمة.

وعندما يعرف الإنسان أهمية أمر النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من التعرض للفتنة، ويتقي أسباب الوقوع فيها، قال صلى الله عليه وسلم: (من تشرّف لها تستشرفه) 157. أي: من تطلع إليها وتعرض لها؛ أصابته ووقع فيها، ومن كان حذرًا منها؛ نجا من الوقوع فيها ولم تصبه.

ثانيًا: فعل الطاعات والابتعاد عن المنهيات:

الحذر من الله تعالى يحرك دواعي الخوف الكامنة في أعماق النفوس، ويجعل من نفس العبد رقيبًا على نفسه؛ فيمنعها من ارتكاب المحرمات، ويلتزم بأوامر الله تعالى ونهيه؛ فيكون ممن مدحهم الله تعالى بقوله: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} [النجم: 32] .

فيلتزم بالواجبات وتقربه إلى الله بالنوافل، مما يجعله قريبًا من الله تعالى وينال محبته، قال تعالى في الحديث القدسي: (من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته) 158.

فيعيش في سعادة ولذة لا تضاهيها لذة وهو يناجي ربه، قال تعالى في وصف عباده الحذرين الخائفين: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة: 16] .

والمعنى: أن هؤلاء المؤمنين الصادقين، تتنحى وترتفع أجسامهم، عن أماكن نومهم، وراحتهم، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص وإنابة؛ خوفًا من سخطه عليهم، وطمعًا في رضاه عنهم 159.

وقال تعالى مخبرًا عن حال المؤمن الحذر من عذاب الله: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9] .

أي: أذلك الكافر أحسن حالًا ومآلًا، أم المؤمن بالله، الذي هو مطيع خاشع يصلي الله في ساعات الليل، وخشوعه مستمر حال سجوده وحال قيامه، يخاف الآخرة، ويرجو رحمة ربه، فيجمع بين الخوف والرجاء، وتلك هي العبادة الكاملة، التي يفوز بها صاحبها؟! 160.

فإذا علم الإنسان أن الأنفاس تعد عليه، وأن الحفظة الكاتبين يراقبون أعماله، وأنه حيثما حلّ متابع، وأن طريق الهروب من الله مسدود، ولا حيلة له إلا الاستسلام والانقياد والإقبال على طاعة الله، والاستفادة من المهلة الممنوحة له، بادر إلى فعل الطاعات واجتناب المنهيات.

ثالثًا: الاستعداد لمواجهة العدو:

من أهم ثمار الحذر، وأوسعها تأثيرًا على المسلمين: الاستعداد لملاقاة الأعداء، وإعداد العدة من أجل ملاقاتهم، وكلما زادت التجهيزات، وأعداد الجنود؛ قلت خسائر المسلمين.

والحذر في المعركة يكون عن طريق اختيار الموقع المناسب للجيش، وإرسال العيون؛ لمتابعة أخبار العدو والتقصي عن أحوالهم، ويكون أيضًا عن طريق رفع الروح المعنوية لجنود المسلمين، وتشجيع الصناعات العسكرية التي تساعد على النصر، والآيات الدالة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} [النساء: 71] .

قال ابن كثير رحمه الله: «يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد، وتكثير العدد بالنفير في سبيله» 161.

وقال القرطبي: «أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه، وإعلاء دعوته، وأمرهم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم» 162.

ومن الآيات الدالة على أهمية الاستعداد ووجوبه قوله تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا} [النساء: 102] .

قال الشوكاني: «قوله تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح» 163.

قال الألوسي: « {وَلْيَأْخُذُوا} أي: الطائفة الأخرى {حِذْرَهُمْ} أي: احترازهم، وشبهه بما يتحصن به من الآلات ولذا أثبت له الأخذ تخييلًا وإلا فهو أمر معنوي لا يتصف بالأخذ» 164.

وحكمة الأمر بالحذر للطائفة الثانية: أن العدوّ قلّما يتنبه أول الصلاة؛ لبدء المسلمين فيها، إذ هو إذا رآهم صفًّا؛ ظن أنهم قد اصطفوا للقتال، واستعدوا للحرب والنزال، فإذا رآهم سجدوا علم أنهم في صلاة، فيخشى أن يميل على الطائفة الأخرى عند قيامها في الصلاة كما يتربص ذلك بهم عند كل غفلة.

وقد بين الله تعالى علة الأمر بأخذ الحذر والسلاح حتى في الصلاة بقوله: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} أي: تمنى أعداؤكم الذين كفروا بالله وبما أنزل عليكم لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم، التي بها بلاغكم في سفركم؛ بأن تشغلكم صلاتكم عنها؛ فيميلون حينئذ عليكم، ويحملون حملة واحدة، وأنتم مشغولون بالصلاة، واضعون السلاح، تاركون حماية المتاع والزاد؛ فيصيبون منكم غرّة؛ فيقتلون من استطاعوا قتله، وينتهبون ما استطاعوا نهبه؛ فلا تغفلوا عنهم 165.

وليس في الآية دليل على أن الحذر يتعارض مع القدر؛ لأن الأمر بالحذر داخل في القدر؛ فالأمر به؛ لندفع عنا شر الأعداء، لا لندفع ما قدره الله، إذ القدر: هو جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب بإذن الله على قدر المسببات التي أرادها الله، والحذر من جملة الأسباب، فهو عمل بمتقضى القدر لا بما يضاده.

رابعًا: تحقيق المغفرة والرحمة والفوز بالجنة:

من ثمار الحذر المحمود تحقيق المغفرة والرحمة، وذلك أن الأخذ بالأسباب والحذر من العواقب يحقق مغفرة الله ورحمته بالعباد، والله سبحانه وتعالى واسع المغفرة.

وبسبب الحذر تحصل المغفرة والرحمة، قال تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 235] .

قال الألوسي: « {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ} من العزم على ما لا يجوز، أو من ذوات الصدور التي من جملتها ذلك {فَاحْذَرُوهُ} ولا تعزموا عليه أو -احذروه- بالاجتناب عن العزم ابتداء، أو إقلاعًا عنه بعد تحققه {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} يغفر لمن يقلع عن عزمه أو ذنبه خشية منه {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة، فلا يتوهم من تأخيرها أن ما نهي عنه لا يستتبع المؤاخذة، وإعادة العامل اعتناء بشأن الحكم، ولا يخفى ما في الجملة مما يدل على سعة رحمته تبارك اسمه» 166.

فهو سبحانه لا يعجل بالعقوبة على من خالف أمره ونهيه 167.

قال ابن عطية: هذا تحذير من الوقوع فيما نهى عنه، وتوقيف على غفره وحلمه في هذه الأحكام التي بيّن ووسّع فيها من إباحة التعريض ونحوه 168.

ومما يدل على تحقيق المغفرة والرحمة لمن اتقى وحذر من عذاب الله قوله سبحانه: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 28 - 31] .

وفي هذه الآيات يحذر الله الناس عقابه الصارم إن خالفوا، ويبين أنه رءوف بالعباد إن أطاعوا والتزموا الأوامر واجتنبوا النواهي.

وفي قوله: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه بعباده لطفًا بهم 169.

فليحذر الإنسان يوم القيامة الرهيب، ففيه يجد كل إنسان ما قدمه من عمل خير أو شر، قليل أو كثير، فإن كان العمل خيرًا؛ سرّ صاحبه، وإن كان شرًّا؛ ودّ صاحبه أن يكون بينه وبين عمله بعد ما بين المشرقين.

فالحذر من الله تعالى وخوفه طريق إلى الجنة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) 170.

وهذا مثل ضربه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لسالك الآخرة؛ فإن الشيطان على طريقه، والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه، فإن تيقظ في مسيره، وأخلص النية في عمله؛ أمن من الشيطان وجنده 171.

موضوعات ذات صلة:

الأمن، التقوى، الجهاد، الحرب، القتال، النصر

1 مقاييس اللغة، ابن فارس 2/ 37.

2 لسان العرب، ابن منظور 4/ 176.

3 الكليات، الكفوي ص 409.

4 تفسير المنار، محمد رشيد رضا 5/ 204.

5 مرقاة المفاتيح، الملا على القاري 8/ 3162.

6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 196.

7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 191.

8 مقاييس اللغة، ابن فارس، 2/ 230.

9 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 303.

10 التعريفات، الجرجاني، ص 101.

11 دليل الفالحين، البكري، 4/ 283.

12 الفروق اللغوية، العسكري ص 240.

13 انظر: الصحاح، الجوهري 3/ 873، مختار الصحاح، الرازي، ص 70.

14 مجمل اللغة، ابن فارس ص 225.

15 التوقيف، المناوي، ص 40.

16 الفروق اللغوية، العسكري ص 240.

17 العين، الفراهيدي 8/ 388.

18 التعريفات، الجرجاني، ص 37.

19 التوقيف، المناوي، ص 63.

20 التفسير الوسيط، طنطاوي 1/ 540.

21 التفسير المنير، الزحيلي 5/ 330.

22 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 2/ 31.

23 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 186.

24 التفسير المنير، الزحيلي 20/ 77.

25 في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2149.

26 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة، 5/ 58، رقم 3905.

27 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من أراد غزوة فورى بغيرها، ومن أحب الخروج يوم الخميس، 4/ 48، رقم 2948، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، 4/ 2128، رقم 2769.

28 فيض القدير، المناوي 5/ 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت