فهرس الكتاب

الصفحة 593 من 2431

السبب الأول: النفسية العدوانية، وفي الإشارة إلى هذا السبب يقول الله تعالى {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} [يونس: 74] .

السبب الثاني: النفسية الجاهلة المنساقة مع الهوى، والتي لا تريد أن تعلم الحق خشية أن تنغص عليها المعرفة ما هي فيه من استغراق في الفجور، وفي الإشارة إلى هذا السبب يقول الله تعالى {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 59] .

السبب الثالث: النفسية المستكبرة الجبارة، وهذا أخطر الأسباب، ولذلك يكون الطبع بسببه عل كل قلب متكبّرٍ جبار، وفي الإشارة إلى هذا السبب يقول الله تعالى {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] . أي: لا يقتصر على الطبع على بعض قلبه، بل يكون عليه جميعًا 60.

وأسند الله تعالى الختم والطبع على قلوبهم وعلى سمعهم إليه؛ لأنه بيان لسنته تعالى في أمثالهم، وعبّر عنه بالماضي للدلالة على أنه أمر قد فرغ منه، وهو لا يدل على أنهم مجبورون على الكفر، ولا على منع الله تعالى إياهم منه بالقهر، وإنما هو تمثيل لسنته تعالى في تأثير تمرنهم على الكفر وأعماله في قلوبهم بأنه استحوذ عليها وملك أمرها حتى لم يعد فيها استعداد لغيره، كما تقدم مثله عن الراغب، ويوضح ما قلناه قوله تعالى في سورة المنافقين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: 3] .

وقوله عن اليهود في سورة النساء: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 155] .

فذكر أن الطبع على قلوبهم إنما هو بسبب كفرهم وتلك المعاصي التي أسندها إليهم، وقوله تعالى في سورة الجاثية: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] .

فذكر من فعله المسند إليه: أنه اتخذ إلهه هواه، ومن صار هواه معبوده لا يفيد معه شيء 61.

قال ابن القيم في حكم الطبع: «ومعلوم أن هذا ليس حكمًا يعم جميع الكفار، بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم كفارًا قبل ذلك ولم يختم على قلوبهم وعلى أسماعهم، فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين من الكفار، فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا بهذا النوع من العقوبة العاجلة، كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير وبعضهم بالطمس على أعينهم، فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب كما يعاقب بالطمس على الأعين وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة، وقد يعاقب به إلى وقت، ثم يعافي عبده ويهديه كما يعاقب بالعذاب كذلك» 62.

وقال رحمه الله في موضع آخر في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] : «فهذا الإضلال عقوبة منه لهم، حين بين لهم فلم يقبلوا ما بيّنه لهم ولم يعملوا. فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى، وما أضل الله سبحانه أحدًا قط إلا من بعد هذا البيان» 63.

وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر، وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده، والقرآن يصرح بهذا في غير موضع، كقوله تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] .

{وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} فالأول: كفر عناد، والثاني: كفر طبع 64.

وقال صاحب المنار في قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} أي: كان كفرهم الشديد وما له من الأثر القبيح في أخلاقهم وأعمالهم، سببًا للطبع على قلوبهم، أي: جعلها كالسكة المطبوعة - الدراهم مثلًا- في قسوتها، وتكيفها بطبعة خاصة لا تقبل غيرها من النقوش، فهم بجمودهم على ذلك الكفر التقليدي، ولوازمه لا ينظرون في شيء آخر نظر استدلال واعتبار، ولا يتأملون فيه تأمل الإخلاص والاستبصار، وإنما النظر والتأمل من الأمور الممكنة التي ينالها كسبهم، ويصل إليها اختيارهم، ولكنهم لا يختارون إلا ما ألفوا وتعودوا 65.

وقال سيد قطب في تفسيره للآية: إنما هم كفرهم جرّ عليهم أن يطبع الله على قلوبهم، فإذا هي صلدة جامدة مغطاة، لا تستشعر نداوة الإيمان ولا تتذوق حلاوته، فلا يقع منهم الإيمان، إلا قليلًا، ممن لم يستحق بفعله، أن يطبع الله على قلبه. أي: أولئك الذين فتحوا قلوبهم للحق واستشرفوه، فهداهم الله إليه ورزقهم إياه 66.

ومن أسباب الطبع على القلوب: النفاق، والنفاق: وهو الدخول في الشرع من باب والخروج عنه من باب، وعلى ذلك نبه الله تعالى بقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: 67] . أي: الخارجون من الشرع، وجعل الله المنافقين شرًّا من الكافرين. فقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] 67.

وقال الجرجاني: النفاق: «إظهار الإيمان باللسان، وكتمان الكفر بالقلب» 68.

وقال تعالى في المنافقين: {وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 87] .

ومثله في سورتهم، وقال سبحانه: {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [الأعراف: 100] .

أي: فهم بهذا الطبع لا يسمعون الحكم والنصائح سماع تفقه وتدبر واتعاظ، {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [يونس:101] ما يراد منها؛ لأن قلوبهم قد ملئت بما يشغلهم عنها من آراء وأفكار وشهوات ملّكت عليها أمرها، حتى صرفتهم عن غيرها فجعلتهم من الأخسرين أعمالًا {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) } [الكهف:104] 69.

إذًا النفاق والكفر صنوان كلاهما سبب للطبع، وعبّر بالطبع عمّا خلق في قلوبهم من الريب والشك وختم عليهم به من الكفر والمصير إلى النار 70.

وقال القرطبي في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3] : «هذا إعلام من الله تعالى بأن المنافق كافر. أي: أقرّوا باللسان ثم كفروا بالقلب» 71.

فالمنافقون عرفوا الإيمان، ولكنهم اختاروا العودة إلى الكفر. وما يعرف الإيمان ثم يعود إلى الكفر قلب فيه فقه، أو تذوق، أو حياة، وإلا فمن ذا الذي يذوق ويعرف، ويطلع على التصور الإيماني للوجود، وعلى التذوق الإيماني للحياة، ويتنفس في جو الإيمان الذكي، ويحيا في نور الإيمان الوضيء، ويتفيأ ظلال الإيمان الندية.

ثم يعود إلى الكفر الكالح الميت الخاوي المجدب الكنود؟ من ذا الذي يصنع هذا إلا المطموس الكنود الحقود، الذي لا يفقه ولا يحس ولا يشعر بهذا الفارق البعيد 72.

وكان سبب الطبع على قلوب المنافقين إقدامهم على الأعمال السيئة المتعجب من سوئها، وهو استخفافهم بالأيمان ومراجعتهم الكفر مرة بعد أخرى، فرسخ الكفر في نفوسهم فتجرّأت أنفسهم على الجرائم وضريت بها، حتى صارت قلوبهم كالمطبوع عليها أن لا يخلص إليها الخير 73.

قال ابن القيم في سياق حديثه عن المنافقين: «واعلم أنه كلما انقرض منهم طوائف خلفهم أمثالهم، فذكر أوصافهم لأوليائه ليكونوا منها على حذر. وبيّنها لهم فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ، فإنهم لما ردّوا الحق ورغبوا عنه عوقبوا بالطبع والرين وسلب العقل والفهم» 74.

«وإنما كانت عاقبة هذه الطبقة في الدرك الأسفل من النار؛ لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، وباشروا من أعلام الرسالة وشواهد الإيمان ما لم يباشره البعداء، ووصل إليهم من معرفته وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفرًا وأخبث قلوبًا، وأشد عداوة لله ولرسوله وللمؤمنين من البعداء عنهم، وإن كان البعداء متصدين لحرب المسلمين» 75.

ولهذا قال تعالى في المنافقين: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] .

وقال تعالى في الكفار {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] : فالكافر لم يعقل، والمنافق أبصر، ثم عمى وعرف، ثم تجاهل وأقرّ، ثم أنكر وآمن، ثم كفر، ومن كان هكذا كان أشد كفرًا وأخبث قلبًا وأعتى على الله ورسله، فاستحق الدرك الأسفل من النار 76.

ومن أسباب النفاق الذي يوجب الطبع على القلوب: عدم تدبر آيات الله تعالى، والإعراض عنها والكفر بها، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] .

والسياق يتحدث عن المنافقين، والأقفال استعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان ولا يخرج منها الكفر والشرك؛ لأن الله سبحانه قد طبع عليها، والمراد بهذه القلوب قلوب هؤلاء المخاطبين، وهم المنافقون الذين قعدوا عن القتال 77.

ثانيًا: العناد والكبر:

ومن أسباب الطبع على القلوب، العناد والتكبر والتكذيب وعدم الإيمان بالله والرسول والطغيان، قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} [يونس: 74] .

قال ابن عطية: «إنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجّوا في الكفر وتمادوا فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم، وقال بعض العلماء: عقوبة التكذيب الطبع على القلوب. ثم ابتدأ بقوله تعالى: {كَذَلِكَ نَطْبَعُ} أي كفعلنا هذا، و {الْمُعْتَدِينَ} هم الذين تجاوزوا طورهم واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي هاهنا في الكفر 78.

قال الطبري في قوله تعالى: {كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ} [يونس: 74] : «يقول تعالى ذكره: كما طبعنا على قلوب أولئك فختمنا عليها، فلم يكونوا يقبلون من أنبياء الله نصيحتهم، ولا يستجيبون لدعائهم إيّاهم إلى ربهم، بما اجترموا من الذنوب واكتسبوا من الآثام، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى على ربّه، فتجاوز ما أمره به من توحيده، وخالف ما دعاهم إليه رسلهم من طاعته، عقوبة لهم على معصيتهم ربّهم من هؤلاء الآخرين من بعدهم» 79.

وقال الشنقيطي: إن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم: أن تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، كالختم والطبع والغشاوة والأكنة، ونحو ذلك إنما جعلها عليهم جزاء وفاقًا لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل، والإعراض عن آيات الله باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك 80.

ومعنى الاعتداء في الآية: أي أنهم لم ينظروا في آيات الله تعالى، وكفروا بما نزل إليهم من منهج، فهم أصحاب السبب في الطبع على القلوب بالاعتداء والإعراض. وجاء الطبع لتصميمهم على ما عشقوه وألفوه 81.

وترتب على إعراضهم عن الإيمان عنادًا واستكبارًا الطبع على القلوب، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 59] .

أي: مثل ذلك الختم وحجب الخير والحق يختم الله على قلوب الجهلة الذين لا يتعلمون ولا يعلمون حقيقة الآيات البينات في القرآن المجيد، لسوء استعدادهم، وإصرارهم على تقليد الأسلاف، واعتقاد الخرافات 82.

وفسر الاعتداء في الآية: أنه الظلم مع العناد والمجاوزة عن الحد الذي جعل 83. وقيل: معناه: الشرك ومجاوزة الحلال إلى الحرام 84.

وأما السبب الآخر للطبع على القلوب فهو «الكبر» ، قال تعالى واصفا المتكبر والجبار والمجادل بالباطل: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر: 35] .

أي: كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين، فكذلك يطبع على قلب كل متكبر جبار، فيصدر عنه أمثال ما ذكر من الإسراف والارتياب والمجادلة بغير حق، وقرئ بتنوين قلب، فما بعده صفته. ووصف القلب بالتكبر والتجبر؛ لأنه منبعهما 85.

قال الطبري في معنى الطبع على القلب المتكبر: «كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر على الله أن يوحده، ويصدّق رسله. (جبار) يعني: متعظم عن اتباع الحقّ» 86.

وقال الماتريدي: ويطبع الله على كل من تعود التكبر والتجبر على الآيات والرسل 87.

قال الزمخشري: وقرئ: «قلبٍ» 88، بالتنوين. ووصف القلب بالتكبر والتجبر، لأنه مركزهما ومنبعهما، ونحوه قوله عز وجل: {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283] .

وإن كان الآثم هو الجملة. ويجوز أن يكون على حذف المضاف. أي: على كل ذي قلب متكبر، تجعل الصفة لصاحب القلب 89. وقيل: أي: بمثل هذا الطبع والختم على قلب المتكبرين والجبارين، من فرعون وقومه- يطبع الله على قلب كل متكبر جبار من أهل الشرك، الذين يلقون محمدًا بالشك والارتياب والتكذيب 90.

وقيل في معنى الآية: ويتجبرون على الضعفاء بالإذلال والتسخير، والإهانة والقتل بغير حق.

قال الشعبي وغيره: لا يكون الإنسان جبارًا حتى يقتل نفسين. وقال قتادة: آية الجبابرة القتل بغير حق. وقال مقاتل: «متكبّرٍ» عن قبول التوحيد جبّارٍ في غير حق. فهو في الأول يعادي الله، وفي الثاني يقسو على خلق الله 91.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) 92.

ثالثًا: اتباع الهوى والشهوات:

ومن الأسباب التي توجب الطبع والختم على القلب اتباع الهوى والشهوات والشبهات. فالهوى ما خالط شيئًا إلا أفسده، فإن وقع في العلم أخرجه إلى البدعة، والضلالة، وصار صاحبه من جملة أهل الأهواء. وإن وقع الهوى في الزهد أخرج صاحبه إلى الرياء، ومخالفة السنة. فما قارن الهوى شيئًا إلا أفسده، وهو يسري في القلب والأعضاء سريان السم في القلب والأعضاء 93.

والهوى: هو ميل النفس إلى الشهوة. وسمي بذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية 94. ولم يذكر الله تعالى الهوى في كتابه إلا ذمه.

والهوى قسمان: الأول: هوى الشبهات، والثاني: هوى الشهوات، فأما القسم الأول فهو أشد القسمين خطرًا؛ إذ ربما ترتّب عليه الخروج من الإسلام، وصاحبه بعيد عن التوبة؛ لأنه يعتقد أنه على صواب وهو ليس كذلك. وقد أخبر سبحانه وتعالى أن اتباع الهوى يضل عن سبيله فقال: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] 95.

وأخبر سبحانه وتعالى في موضع آخر أنه باتباع الهوى يطبع على قلب العبد فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16] .

وجعل الله سبحانه وتعالى متبع الهوى بمنزلة عابد الوثن فقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43] .

وقال سبحانه في موضع آخر {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} .

قال الحسن: هو المنافق لا يهوى شيئًا إلا ركبه، وقال أيضًا: المنافق عبد هواه لا يهوى شيئًا إلا فعله 96.

قال الطبري في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [الجاثية: 23] : «ومعنى ذلك: أفرأيت من اتخذ دينه بهواه، فلا يهوى شيئًا إلا ركبه، لأنه لا يؤمن بالله، ولا يحرّم ما حرّم، ولا يحلّل ما حلل، إنما دينه ما هويته نفسه يعمل به 97. وقيل: أي: هو مطواع لهوى النفس يتبع ما تدعوه إليه، فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه» 98.

فهذا فريق من الناس قد اتخذ إلهه هواه، فهو يعبد أهواء نفسه، فيطيعها في أوامرها ونواهيها، ويسارع في تحقيق مطالبها وشهواتها، ولو كان في ذلك أذاه وضرّه وهلاكه، ومن اتخذ إلهه هواه فقد ضل سواء السبيل، ومن ضل بجنوحه واتباعه أهواء نفسه أضلّه الله، فحكم عليه بالضلال حكمًا مبينًا على علم بواقع حالة الضال، وإذا وصل الإنسان إلى هذا المستوى من الضلال واتباع الهوى قسا قلبه، وران عليه ما كسب من إثم، فحجب عن إدراك الحقائق الدينية الربانية، وغلّف بغلاف شامل، وختم على هذا الغلاف، وكان شأن أدوات المعرفة لديه كشأن قلبه، فيختم على سمعه أيضًا، فلا يستمع إلى نصيحة، ولا يتقبل موعظة من مواعظ الهداية الربانية، ويجعل على بصره غشاوة، فلا يرى آيات علم الله وحكمته وعدله المنبثّة في الوجود 99.

قال الشعبي: إنما سمي الهوى هوى؛ لأنه يهوي بصاحبه في النار 100. وقال ابن عباس: ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه 101، قال الله تعالى: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} [الأعراف: 176] .

وقال تعالى: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28] .

وقال تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [الروم: 29] .

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50] .

وقال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] .

وثبت في الحديث الصحيح عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا، فأيُّ قلب أُشْرِبها، نُكِتَ فيه نُكتةٌ سوداء، وأيُّ قلبٍ أنكرها، نُكِتَ فيه نُكتةٌ بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادًّا؛ كالكوز مجخيًّا، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه) 102.

وروي عن شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله) 103.

إن التعبير القرآني في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} يرسم نموذجًا عجيبًا للنفس البشرية حين تترك الأصل الثابت، وتتبع الهوى المتقلب وحين تتعبد هواها، وتخضع له، وتجعله مصدر تصوراتها وأحكامها ومشاعرها وتحركاتها. وتقيمه إلها قاهرًا لها، مستوليًّا عليها، تتلقى إشاراته المتقلبة بالطاعة والتسليم والقبول. يرسم هذه الصورة ويعجّب منها في استنكار شديد: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} .

أفرأيته؟ إنه كائن عجيب يستحق الفرجة والتعجيب! وهو يستحق من الله أن يضله، فلا يتداركه برحمة الهدى. فما أبقى في قلبه مكانًا للهدى وهو يتعبد هواه المريض! {وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ} [الجاثية: 23] .

على علم من الله باستحقاقه للضلالة. أو على علم منه بالحق، لا يقوم لهواه ولا يصده عن اتخاذه إلهًا يطاع. وهذا يقتضي إضلال الله له والإملاء له في عماه {وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً} [الجاثية: 23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت