فهرس الكتاب

الصفحة 954 من 2431

قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور:30 - 31] .

تنهي الآية الرجال والنساء عن النظرة الثانية، كما تبين ما في غض البصر من الخير، للمسلم في دنياه و أخراه، كما مر في مبحث الوسائل الوقائية من الوقوع في الزنا.

رابعًا: أسلوب الترهيب:

1.تشريع العقوبة القاسية وتنويعها على مرتكبي الجريمة.

فأقام حد الجلد على غير المحصن، وتغريبه عام، وإسقاط شهادته، والحكم عليه بالفسق، أما المحصن فالرجم حتى الموت، وأهم من ذلك كله الفضيحة بأن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، فقال تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) } [النور:2] .

2.ضمان العدالة في تطبيق هذه الحدود.

بحيث لا يمكن أن يقبل الحاكم بالعفو أو التقليل من الحد إذا وصل الأمر للقضاء. لقول الله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58] .

3.اقتران النهي عن الزنا بالنهي عن الشرك والقتل.

وإذا ما نظرنا إلى سياق الآيات التي جاء النهي عن الزنا وجدنا أنها وردت بين نهيين عن القتل وذلك في قول الله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) } [الإسراء:31 - 33] .

توسطت آية النهي عن قربان الزنى بين آيتين، الأولى تنهى عن قتل الأبناء، والثانية تنهى عن قتل النفس بغير حق فاستنبط من ذلك، أن الزنى نوعٌ من أنواع القتل، بل هو أشد أنواع القتل إذ هو ليس قتل مادي فحسب، بل هو قتل معنوي أيضًا.

فهذه المرأة التي تقع في الزنى كأنك قتلتها فأخرجتها من إنسانيتها، وأبعدتها عن مهمتها المقدسة، وعن الوظيفة العليا التي خلقت من أجلها، وعن أن تقوم بدورها الطبيعي الإنساني، كما أن مرتكبي هذه الفاحشة غالبًا ما يعقبونها بجريمة قتل حرصًا منهما على التخلص من آثار هذه الجريمة فيقتلون هذا الجنين أو حتى بعد أن يولد يلقى على قارعة الطريق ليكون مصيره الموت، ولوشاء الله وقدر له الحياة سيعيش حياة الذل والقهر والحرمان، الأمر الذي يؤدي إلى إنتاج شخصية حاقدة على المجتمع تجنح للقتل وارتكاب الجرائم، ذلك أنه يقتل معنويًا في كل يوم مرات ومرات.

ويكثر في السياق القرآني مجيء النهي عن هذه المنكرات الثلاثة متتابعة: الشرك، والزنا، وقتل النفس.

ذلك أنها كلها جرائم قتل في الحقيقة! الجريمة الأولى جريمة قتل للفطرة، والثانية جريمة قتل للجماعة، والثالثة جريمة قتل للنفس المفردة، إن الفطرة التي لا تعيش على التوحيد فطرة ميتة. والجماعة التي تشيع فيها الفاحشة جماعة ميتة، منتهية حتمًا إلى الدمار. لذلك جعل الإسلام عقوبة هذه الجرائم هي أقسى العقوبات، لأنه يريد حماية مجتمعه من عوامل الدمار 130.

خامسًا: أسلوب النفي الذي غرضه النهي:

ذكره الله تعالى في وصف المؤمنين، الذين نفى عنهم الشرك بالله تعالى، ونفى عنهم أيضًا الزنا، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) } [الفرقان:68] .

هنا وصفهم الله بأنهم لا يزنون، أي: لا يباشرون الزنا نفسه، أما مقدماته فلم ينفها عنهم مصداقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا فهو مدرك ذلك لا محالة. العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليدان زناهما البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه) 131132.

نزّه المؤمنين عن الاتصاف بهذه الفاحشة، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) } [المعارج:29 - 30] .

ووصف المؤمنات بالمحصنات، فعن ابن عباس قوله: {مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} [النساء:25] .

يعني: تنكحوهن عفائف غير زواني في سرّ ولا علانية، {وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ} يعني: أخلاء.

وعنه رضي الله عنه أنه قال: (( كان أهل الجاهليّة يحرّمون ما ظهر من الزّنا، ويستحلّون ما خفي، يقولون: أمّا ما ظهر منه فهو لؤمٌ، وأمّا ما خفي فلا بأس بذلك، فأنزل اللّه تبارك وتعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام:151] ) )133.

دعا الإسلام الحنيف إلى الزواج ورغب فيه؛ لأنه أسلم طريقة لتصريف الغريزة الجنسية، وهو الوسيلة المثلى لإخراج سلالة يقوم على تربيتها الزوجان ويتعهدانها بالرعاية، لكي تستطيع هذه السلالة أن تنهض بتبعاتها وتسهم بجهودها في ترقية الحياة وإعلائها 134.

وإن ممارسة هذه الجريمة وشيوعها ليترك آثارًا وأضرارًا تشيب منها الرؤوس وتقشعر منها الأبدان 135.

وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معشر المهاجرين، خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي لم تكن في أسلافهم) 136.

وعن عبد الله قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك) ، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزني بحليلة جارك) فأنزل الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ} [الفرقان:68] 137.

أولًا: أثر شيوع الزنا على الفرد:

1.انتشار الأمراض الجنسية وضعف بنية الشباب.

فالزنا سبب مباشر في انتشار الأمراض الجنسية الخطيرة التي تفتك بالبدن وتضعف الشباب وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء وأبناء الأبناء 138.

يقول الدكتور جون بيستون وهو أستاذ الطب الوقائي في جامعة كاليفورنيا: «إن القرائن التي جمعت من عدة دراسات تدل على أن الأمراض الجنسية تنتج في معظمها عن العلاقات الجنسية خارج نطاق الزواج أي: من الزنا» 139.

و لا شك، أن هذه الأمراض تشكل عقابًا إلهيًا عاجلًا لمن تجرأ و اعتدى على الفطرة الإنسانية السليمة و سلك غير سبيل الهدى بارتكاب الفواحش.

2.اختلاط الأنساب.

في الزنا ضياع الأنساب واختلاطها وتمليك الأموال لغير أصحابها عند التوارث، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يخلط النسب حينما أراد رجل أن يطأ جارية وكانت حاملًا فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد هممت أن ألعنه لعنًا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له، كيف يستخدمه وهو لا يحل له) 140.

قال ابن القيم: «يعني: إن استلحقه وشركه في ميراثه لا يحل له لأنه ليس بولده، وإن أخذه مملوكا يستخدمه لم يحل له، لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في الولد» .

قال: «وفي هذا دلالة ظاهرة على تحريم نكاح الحامل» 141.

فإذا كان نكاح الحامل محرمًا سواء كانت حرة فتزوجها، أو من السبايا فوطأها؛ فما بالنا إذا زاد الطين بلًا فزنى، والزاني لا يفتّش فيمن يزني بها، وهي إما أن تحمل منه فتدخل على قومها من ليس منهم، وإما أن تكون حاملًا فماء الزاني يزيد في ولدها، وإما لا يعلم أمن زوجها الحمل أم من غيره، ومن هنا تختلط الأنساب والنّطف.

3.مشكلة أولاد الحرام.

إن في هذه الفاحشة جناية على الجنين الذي يأتي من الزنا؛ حيث يعيش مقطوع النسب، محتقرًا ذليلًا، وقد أثبتت تجارب الحرب الأخيرة بين أطفال المحاضن أن الطفل الذي تتناوب تربيته عدة حاضنات تختل شخصيته وتنفك ولا تنمو فيه مشاعر الحب والتعاون 142.

ولقد أخذت هذه المشكلة تتفاقم، حيث بلغت نسبة الأولاد غير الشرعيين في بعض المدن الفرنسية 50? بالنسبة للمجموع الكلي لعدد المواليد 143.

4.الهم والحزن والمقت بين الناس والخوف.

إذ إنه دنس العرض والشرف ونزع شعار الطهر والعفاف والفضيلة ولطخ فاعله بالعار والشنار، ويجعل الزانية والزاني بين خطرين، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها ونكست رؤوسهم، فإن حملت من الزنا وقتلت ولدها جمعت بين جريمتي الزنا والقتل، وإن أمسكته أضافت إلى زوجها غير ولده.

ثانيًا: أثر شيوع الزنا على المجتمع:

1.كثرة الجرائم.

والزنا أحد أسباب جريمة القتل فقد لا يجد الغيور على عرضه وسيلة يغسل بها العار الذي لحقه ولحق أهله إلا سفك الدم 144، أثبت علماء النفس أن معظم المجرمين والجانحين في العالم يكونون من أولاد الحرام وممن عاشوا في ملاجئ الأطفال، وفي أجواء بعيدة عن العاطفة، الأمر الذي يؤدي إلى كثرة الجرائم وعدم الأمن والأمان في المجتمع.

وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة، وقد توسط النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس لذات الصلة وذات المناسبة، إن في الزنا قتلًا من نواحٍ شتى، إنه قتل ابتداء لأنه إراقة لمادة الحياة في غير موضعها. يتبعه غالبا الرغبة في التخلص من آثاره بقتل الجنين قبل أن يتخلق أو بعد أن يتخلق، قبل مولده أو بعد مولده فإذا ترك الجنين للحياة ترك في الغالب لحياة شريرة، أو حياة مهينة، فهي حياة مضيعة في المجتمع على نحو من الأنحاء، وهو قتل في صورة أخرى، قتل للجماعة التي يفشو فيها، فتضيع الأنساب وتختلط الدماء، وتذهب الثقة في العرض والولد، وتتحلل الجماعة وتتفكك روابطها، فتنتهي إلى ما يشبه الموت بين الجماعات.

وهو قتل للجماعة من جانب آخر، إذ إن سهولة قضاء الشهوة عن طريقه يجعل الحياة الزوجية نافلة لا ضرورة لها، ويجعل الأسرة تبعة لا داعي إليها، والأسرة هي المحضن الصالح للفراخ الناشئة، لا تصح فطرتها ولا تسلم تربيتها إلا فيه.

وما من أمة فشت فيها الفاحشة إلا صارت إلى انحلال، منذ التاريخ القديم إلى العصر الحديث، وقد يغر بعضهم أن أوروبا وأمريكا تملكان زمام القوة المادية اليوم مع فشو هذه الفاحشة فيهما، ولكن آثار هذا الانحلال في الأمم القديمة منها كفرنسا ظاهرة لا شك فيها، أما في الأمم الفتية كالولايات المتحدة، فإن فعلها لم تظهر بعد آثاره بسبب حداثة هذا الشعب واتساع موارده كالشاب الذي يسرف في شهواته فلا يظهر أثر الإسراف في بنيته وهو شاب ولكنه سرعان ما يتحطم عند ما يدلف إلى الكهولة فلا يقوى على احتمال آثار السن، كما يقوى عليها المعتدلون من أنداده! والقرآن يحذر من مجرد مقاربة الزنا، وهي مبالغة في التحرز، لأن الزنا تدفع إليه شهوة عنيفة، فالتحرز من المقاربة أضمن، فعند المقاربة من أسبابه لا يكون هناك ضمان 145.

2.تفكك المجتمع وذلك عن طريق تشتيت العلاقة الزوجية.

فالزنا يشتت الحياة الزوجية إذ ينتج عنه الإحجام عن الزواج؛ لأنه يجد إشباعًا لحاجاته دون تحمله لأدنى مسؤولية والزواج يحمله هذه المسؤولية، حتى بعض من يقبل على الزواج سرعان ما تنهار حياته الزوجية 146.

فيفسد نظام البيت ويهز كيان الأسرة ويقطع العلاقة الزوجية، ويعرض الأولاد لسوء التربية مما يتسبب عنه التشرد والانحراف والجريمة، مما يحطم المجتمعات ويفكك روابطها ويكثر فيها اللقطاء والضائعون حيثما يولد الولد وهو لا يدري أباه ولا أمه 147.

والتهرب من مسؤولية بناء الأسرة التي هي لبنة المجتمع، يفكك عرى هذا المجتمع و يحوله إلى أفراد لا يجمع بينهم أي رابط مشترك.

3.ظهور الزنا من أمارات خراب العالم.

فقد ورد في الصحيحين من خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف أنه قال: (يا أمة محمد، والله إنه لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، ثم رفع يديه وقال: اللهم هل بلغت؟) 148.

قال ابن القيم: «وفي ذكر هذه الكبيرة بخصوصها عقب صلاة الكسوف سر بديع لمن تأمله، وظهور الزنا من أمارات خراب العالم» 149.

فتغير حال الشمس وذهاب ضوئها بالكسوف علامة من علامات تغير الحال من الأحسن إلى الأسوأ وقد يكون بسبب المعاصي والذنوب، لذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في صلاة الكسوف.

4.انخفاض نسبة المواليد.

ذلك أن هذه الجريمة تعمل على نشر الأمراض، الأمر الذي يؤدي إلى موت كثير من الأطفال وهم في سن مبكرة، كما أن كل من يمارس هذه الفاحشة سيحرص على أن يخفي أو يتخلص من تبعاتها فربما يقتل الجنين ابن الزنا.

5.انتشار الزنا من أشراط الساعة.

وذلك كما جاء في الصحيحين عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أنه قال: لأحدثنكم حديثًا لا يحدثكموه أحد بعدي، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم: (أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا ويقل الرجال وتكثر النساء حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد) 150151.

وفي إشارة نبوية رائعة لنتائج انتشار هذه الفواحش انتشار الأمراض يقول صلى الله عليه وسلم: (ولم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا) 152.

فكان انتشار هذه الأمراض مع الإباحية الجنسية والعلاقات الفاجرة ما هو إلا تحقيق لنبوءة وإعجاز لسيد البشر بهذا الحديث.

إنّ من الإعجاز التشريعي في تحريم الزنا أنّه لما نهى الله عز وجل عن الزنى نهى عن قربانه قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) } [الإسراء:32] .

أي: لا تقتربوا منه ولا من أسبابه ودواعيه، لأن تعاطي الأسباب مؤد إليه وهو فعل شديد القبح و عظيم الذنب، كمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه خصوصًا هذا الأمر الذي في كثير من النفوس أقوى داع إليه 153.

كما أن الله عز وجل سماه فاحشة وقد نهانا عن الاقتراب من الفواحش في آية أخرى، فقال الله عز وجل: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام:151] 154.

كما أن النهي عن الزنى جاء بعد النهي عن الوأد؛ لأنه من بابه، وإذا كان الوأد قتلًا للولد، فالزاني كذلك؛ لأنه يرمي النطفة، ولذا لوحظ في الأمم التي تكثر فيها الفاحشة، أنها تفنى شيئًا فشيئًا، وأن شيوع الزنى في أمة يضعف قوتها ونخوتها ويجعلها جماعة لاهية لاعبة 155.

قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله) 156.

والدواء نوعان:

-دواء تحصين واكتساب للمناعة ضد هذا المرض ينتج عنه تحصين وحفظ الفرج.

-دواء لاقتلاع المرض بعد حدوثه واستئصال جذوره 157.

وقد استعمل القرآن الكريم أساليب متنوعة في علاج هذه الجريمة؛ فمن الأمور العلاجية ما يلي:

1.فرض الاسلام العقوبات المشددة لمنع الزنا والتحرشات.

قال تعالى في عقوبة الزناة: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ، مع التنكيل بهما {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} ، والتشهير بهم {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، شرع القرآن الكريم حدّ الزّنا، وأوجب الله سبحانه وتعالى على أولي الأمر إقامة الحد عليهم حفاظًا على الأعراض، ومنعًا لاختلاط الأنساب، وتحقيقًا للعفاف والصون وطهر المجتمع.

وفي قول الله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} ثلاث إشارات بيانية:

أولها: في تقديم الزانية على الزاني، قالوا: لأن قوة الشهوة الدافعة إلى الزنى عند المرأة أقوى، وربما لا نوافق على ذلك كثيرًا؛ لأن الرجل يطلب المرأة في أكثر الأحيان، والمرأة لا تطلب الرجل إلا قليلًا، وإن حدثتها نفسها فإن الحياء يكفها إلا إذا خلعته، وقد نقول: إنها إن طلبها الرجل ولم تكن مؤمنة سارعت إليه، ونقول في تعليل ذلك إن العقوبة قاسية، وقد قدمت المرأة لكيلا يمتنع أحد عن إقامة الحد بدعوى ضعفها، والشفقة عليها والرفق بها؛ لأنها من القوارير.

ثانيها: أن كلمة الزاني والزانية وصف بالزنى، وذلك يكون في أكثر الأحوال من تعوّد هذه الجريمة، ولذلك لا يكون إلا ممن أعلن هذه الجريمة الفاحشة ولذلك كان لابد من شروط لإقامة هذا الحد: أن يشهد أربعة بها، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الجريمة معلنة مجاهرًا بها، وذلك لا يكون إلا ممن تعودوا هذه الجريمة، وقد يكون الزنى في أول أمره، ولكن يندر أن يحضره أربعة من الرجال العدول، ومع ذلك يطبق الحكم سدًا للذريعة.

ثالثها: أن التعبير عن الضرب بالجلد للإشارة إلى أنه يؤلم الجلد، وذلك بأن يكون الضرب قريبًا من الجلد، فلا يستره إلا ثوب عادي، ولا يضرب على حشوة من قطن أو نحوه.

وهذه هي العقوبة الأولى، وقد تبعتها عقوبة أخرى، وهي أن تكون هذه العقوبة في العلن لا في السر، ولذا قال تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور:2] .

أي: ليحضر العقوبة {طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} ، وما حد الطائفة، قيل: اثنان. وقيل: أربعة.

والظاهر: أنها الطائفة التي يكون بها الإعلام، بأن تكون العقوبة في مكان تكون فيه علنية لا سرية، وسمى الله هذه العقوبة عذابا؛ لأنها عذاب الدنيا، ووراءها عذاب الآخرة، إن لم يتوبا توبةً نصوحًا؛ ولأنها قاسية غليظة، والرحمة بالجاني تشجيع على الجناية، والغلظة في عقابه رحمة بالجماعة الإنسانية.

ولغلظة العقوبة قال تعالى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2] .

والرأفة انفعال نفسي يدفع إلى الشفقة والألم، فلا يصح أن تكون الرأفة هي المسيطرة، أي: لا يصح أن تستولي عليكم حتى يقال: إنها أخذتكم، فالرأفة بالجاني استهانة بالحكم وتشجيع عليه 158.

وقد خص الله سبحانه وتعالى حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص:

الأولى: القتل فيه بأشنع القتلات للزاني المحصن، فقد دلّت السّنة الصحيحة على أنّ الحدّ لكل منهما هو الرجم 159، وعندما يكون الحد جلدًا للزاني غير المحصن، فقد جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.

جاء في الصحيحين: أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن ابني كان عسيفًا (أجيرًا) على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة، ووليدة (جارية) ، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني: جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجل: الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) ، فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت 160.

الثانية: نهى الله تعالى عباده المؤمنين أن تأخذهم بالزناة رأفة في دين الله عند إقامة الحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت