فهرس الكتاب

الصفحة 1269 من 2431

ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (المستشار مؤتمن) 75 أي: أمين على المشورة، فإذا كان يعرف الصواب يجب أن يذكره من دون خداع، وإذا كان لا يعرف أحاله على من يعرفه واعتذر.

ولكن لو أنه عرف الصواب في النصيحة وأخفاه، وذكر سواه كان خائنًا، ويؤكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (من أشار على أخيه بأمر يعلم أن الرشد في غيره فقد خانه) 76.

وأما تقديمها على العهد فلأهميتها، وحسب ذلك أن يكون الشرع كله كما مر أمانة، وحسبك من ذلك قوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) 77.

الالتزام بالعهود والمواثيق:

ونلحظ هنا أن الله سبحانه وتعالى ذكر العهد بعد ذكر الأمانات، فقال: {لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ} والعهد: التزام بين اثنين أو أكثر على شيء يعامل كل واحد من الجانبين الآخر به، وسمي عهدًا؛ لأنهما يتحالفان بعهد الله، أي: بأن يكون الله رقيبًا عليهما في ذلك.

والعهد شامل لعهد الله وعهد الناس، وهو ما عقده الإنسان على نفسه، وهو يضاف إلى المعاهد والمعاهد، فيجوز هنا الإضافة إلى الفاعل والمفعول 78.

وقد بين سبحانه وتعالى أن له على عباده عهدًا ولهم عليه عهد، وبين أنهم متى ما وفوا بعهدهم فإنه سبحانه يفي أيضًا بعهده، فقال: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] .

ثم في سائر الآيات أفرد عهد العباد بالذكر، وأفرد عهد نفسه أيضًا بالذكر، أما عهد العباد فقال فيه: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} [البقرة:177] .

وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8] .

وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ} [التوبة: 111] .

ثم بين عهده إلى أبينا آدم، فقال: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} [طه: 115] .

ثم بين عهده إلينا، فقال: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ} [يس:60] .

ثم بين عهده مع بني إسرائيل، فقال: {إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ} [آل عمران:183] .

ثم بين عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فقال: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} [البقرة:125] .

ثم بين أن عهده لا يصل إلى الظالمين، فقال: {لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124] .

وهذه المبالغة الشديدة في هذه العهود والمعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه العهود، فنقول: العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد العبودية، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد.

والعهود التي بين العباد وبين بعضهم هي: كل عقدٍ يعقد لتوثيق أمرٍ وتوكيده، كعقد البيع والشركة، وعقد اليمين والنذر، وعقد الصلح، وعقد النكاح وغيرها، فمقتضى هذه الآية أن كل عهدٍ وعقدٍ يجري بين إنسانين فإنه يجب عليهما الوفاء بذلك العقد والعهد إلا إذا دل دليل منفصلٌ على أنه لا يجب الوفاء به.

والوفاء بالعهد من أعظم خلق الكريم؛ لدلالته على شرف النفس وقوة العزيمة.

قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء:34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت