وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1] .
وقوله: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:10] .
وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ} [النحل:91] .
ونقض العهد مع الله أو مع عباده من علامة النفاق، ومن شيم أهل البعاد والشقاق، والوفاء بالعهد من علامة الإيمان، ومن شيم أهل المحبة والعرفان.
وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق سرًا وجهرًا امتازت الشريعة الإسلامية على غيرها، فشعار أهل الإسلام الوفاء بالعهود، والبعد عن الخيانة والغدر.
وقد ذم الله تعالى الذين ينقضون العهد، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] .
والمراد من نقض عهد الله عدم الوفاء بما أمر وأوجب على عباده.
والمراد من قوله: {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أي: من بعد أن وثق الله تلك الأدلة وأحكمها؛ لأنه لا شيء أقوى مما دل الله على وجوبه في أن ينفع فعله، ويضر تركه.
فإن قيل: إذا كان العهد لا يكون إلا مع الميثاق فما فائدة اشتراطه تعالى بقوله: {مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} قلنا: لا يمتنع أن يكون المراد بـ (العهد) : هو ما كلف الله العبد، والمراد بـ (الميثاق) : الأدلة المؤكدة؛ لأنه تعالى قد يؤكد إليك العهد بدلائل أخرى، سواء كانت تلك المؤكدة دلائل عقلية أو سمعية 79.
وقال في الآية الأخرى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران:76] .
فجمع بين الوفاء والتقى، وهما أصلان لجميع مكارم الأخلاق، فالوفاء بالعهد يشمل عهد الميثاق، وعهد الله تعالى بالتزام التكاليف الخاصة والعامة، والتقوى تتممها وتزينها؛ حتى يأتي بها على وجه الكمال من غير شائبة الاختلال، فكل متقٍ موفٍ بالعهد، ولا يلزم العكس؛ فلهذا اقتصر على قوله: {يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} دون أن يقول: يحب الموفين، أو الموفين والمتقين 80.
والجمع بين رعي الأمانات ورعي العهد؛ لأن العهد كالأمانة؛ لأن الذي عاهدك قد ائتمنك على الوفاء بما يقتضيه ذلك العهد. إلا أن العهد أخص من الأمانة والأمانة أعم من العهد؛ لأنها قد تكون بعهد وبغير عهد متقدم 81.
وذكرهما عقب أداء الزكاة؛ لأن الزكاة أمانة الله عند الذين أنعم عليهم بالمال؛ ولذلك سميت حق الله، وحق المال، وحق المسكين.
وقوله: {رَاعُونَ} أي: قائمون على حفظ الأمانة والعهد، فالرعي: مراقبة شيء بحفظه من التلاشي، وبإصلاح ما يفسد منه، فمنه رعي الماشية، ومنه رعي الناس، ومنه أطلقت (المراعاة) على ما يستحقه ذو الأخلاق الحميدة من حسن المعاملة، والقائم بالرعي راع، فرعي الأمانة: حفظها؛ ولما كان الحفظ مقصودًا لأجل صاحبها كان ردها إليه أولى من حفظها، ورعي العهد مجاز، أي: ملاحظته عند كل مناسبة 82.
أما اختيار كلمة {رَاعُونَ} مع الأمانة والعهد دون (الحفظ) الذي استخدم مع الفروج فله سبب لطيف؛ وذلك أن {رَاعُونَ} اسم فاعل من (رعى) وأصل الرعي: حفظ الحيوان، وتولي أمره، وتفقد شأنه، فالرعي ليس مجرد الحفظ، بل هو الحفظ والإصلاح والعناية، وما إلى ذلك، وليس مجرد الحفظ كافيًا.
فمن ائتمن عندك أهله وصغاره فلابد من أن تتفقد أمورهم، وتنظر في أحوالهم وحاجاتهم، علاوة على حفظهم، وكذلك من تولى أمر الرعية، ومثله من اؤتمن على زرع أو ضرع، وكذلك ما حمله الله للإنسان من أمر الشرع، يحتاج إلى قيام به، وتحرٍ للحق فيما يرضي الله، ومثل هذه الأمور لا يصح معها مجرد الحفظ، فالرعاية أشمل وأعم.