فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 2431

المشي

أولًا: المعنى اللغوي:

تأبى بعض معاجم لغتنا العربية أن تنشئ حدًّا لهذه الكلمة (المشي) ؛ متعللة -بلسان الحال- بأن هذه الكلمة تعبر عن نفسها بمجرد النطق بها 1، فيما نجد البعض الآخر يشير إلى بيان حقيقة هذه الكلمة، وقد اخترنا منها ما يلي:

قال الراغب: «المشي: الانتقال من مكان إلى مكان بإرادة» 2.

وقال ابن فارس: «الميم والشين والحرف المعتل أصلان صحيحان، أحدهما يدل على حركة الإنسان وغيره، والآخر النماء والزيادة.

والأول: مشى يمشي مشيًّا، وشربت مشوًا ومشيًا، وهو الدواء الذي يمشي، أي: يطلق البطن.

والآخر: المشاء، وهو النتاج الكثير، وبه سميت الماشية. وامرأةٌ ماشية: كثر ولدها. وأمشى الرجل: كثرت ماشيته» 3.

وفي المصباح المنير: «مشى: (يمشي) (مشيًا) إذا كان على رجليه -سريعًا كان أو بطيئًا- فهو (ماشٍ) ، والجمع (مشاةٌ) ، ويتعدى بالهمزة والتضعيف، و (مشى) بالنميمة فهو (مشاء) ، و (الماشية) : المال من الإبل والغنم، قاله ابن السكيت وجماعة، وبعضهم يجعل البقر من (الماشية) » 4.

فالمشي إذًا: الانتقال من مكان إلى آخر مشيًا على الأقدام.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يخرج المشي في معناه الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

وردت مادة (مشي) في القرآن الكريم (23) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} [البقرة:20]

الفعل المضارع ... 18 ... {إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ} [طه:40]

فعل الأمر ... 2 ... {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} [الملك:15]

المصدر ... 1 ... {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان:19]

صيغة المبالغة ... 1 ... {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) } [القلم:11]

وجاء المشي في القرآن على وجهين 6:

الأول: المشي بعينه: ومنه قوله تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان:63] . يعني: المشي بعينه.

الثاني: الهدى: ومنه قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ} [الأنعام:122] . يعني: يهتدي به.

السير:

السير لغة:

المضي والجريان، وذلك يكون ليلًا ونهارًا.7

قال تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) } [آل عمران:137] .

وقال سبحانه لقوم سبأ: {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ} [سبأ:18] وقد ورد هذا اللفظ في أكثر من آية.

السير اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين السير والمشي:

لفظ (السير) يحمل معنى التؤدة في المشي.

السعي:

السعي لغة:

يأتي السعي في اللغة على معان، منها: المشي، والإسراع في المشي، والجد.8

السعي اصطلاحًا:

العمل والفعل الجاد الذي يقوم على النية والقصد سواء أكان ذلك في الخير أو الشر.

الصلة بين السعي والمشي:

لفظ (السعي) : يحمل معنى السرعة في المشي، وهو كناية عن العمل والفعل الجاد.

النسلان:

النسلان لغة:

هو الإسراع في المشي.9

النسلان اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي، والنسلان بفتحتين الإسراع مع تقارب الخطا وهو دون السعي.10

قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) } [الأنبياء:96] .

الصلة بين النسلان والمشي:

(النسلان) يحمل معنى السرعة في المشي، لكنه دون السعي.

أولًا: المشي المشروع:

1.مشي القصد والتوسط بين الناس.

من ذلك قوله سبحانه وتعالى في حكاية نصيحة لقمان لابنه: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ?18?وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ? إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ?19?) [لقمان:18 - 19] .

أي: امش مشيًا مقتصدًا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين 11.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ) 12.

فقوله تعالى: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا) ينهى أيضًا عن ضد ذلك تمامًا؛ وهو مشي المتماوت الذي يرى من نفسه الضعف تزهدًا! فقال هنا: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) أي: كن وسطًا بين الطرفين المذمومين 13.

وهل للأمر بالغض من الصوت مناسبة مع الأمر بالقصد في المشي؟

الجواب: لاشك في ذلك، علمها من علمها وجهلها من جهلها، لكن الإمام الرازي رحمه الله ذكر لذلك ثلاث حكم، ننقل الأوليين منهن لوضوحهما وقوتهما:

الأولى: أن الإنسان لما كان شريفًا تكون مطالبه شريفة فيكون فواتها خطرًا؛ فأقدر الله الإنسان على تحصيلها بالمشي، فإن عجز عن إدراك مقصوده ينادي مطلوبه فيقف له أو يأتيه مشيًّا إليه، فإذا كان المشي والصوت مفضيين إلى مقصود واحد لما أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر.

الثانية: أن الإنسان له ثلاثة أشياء: عمل بالجوارح، وقول باللسان، وعزم بالقلب وهو لا اطلاع عليه إلا الله، وقد أشار إليه بقوله: يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) [لقمان:16] ، أي: أصلح ضميرك فإن الله خبير، بقي الأمران فقال: (?وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ) إشارة إلى التوسط في الأفعال والأقوال 14.

2.المشي لطلب الرزق.

يقول الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [الملك:15] .

«إنه من تسخير الله تعالى للأرض أن جعلها كفاتًا للإنسان في حياته؛ بتسهيل معيشته منها وحياته على ظهرها، فإذا مات كانت له أيضًا كفاتًا بدفنه فيها.

ولو شاء الله لجعلها حديدًا ونحاسًا، فلا يستطيع الإنسان أن يحرث فيها، ولا يحفر ولا يبني، وإذا مات لا يجد مدفنًا فيها!

ومما يشير إلى هذه المعاني كلها قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} » 15.

«والأمر في قوله تعالى: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ} للإباحة، ولكن التقديم لهذا الأمر بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا} فيه امتنان من الله تعالى على خلقه، مما يشعر أن في هذا الأمر مع الإباحة توجيهًا وحثًّا للأمة على السعي والعمل والجد، والمشي في مناكب الأرض من كل جانب؛ لتسخيرها وتذليلها؛ مما يجعل الأمة أحق بها من غيرها.

كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} [الحج:65] » 16.

ثم في «قوله تعالى: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} بعد المشي في مناكب الأرض وتطلب الرزق، وما يتضمن من النظر والتأمل في مسببات الأسباب وتسخير الله لها، كقوله تعالى: {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14) } [الزخرف:14] ، بعد ذكر {خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا} [الزخرف:12] ، أي: الأصناف، وتسخير الفلك والأنعام والبحر والبر؛ فيه ضمنًا إثبات القدرة على البعث، فيكون المشي في مناكب الأرض، واستخدام مناكبها، واستغلال ثرواتها، والانتفاع من خيراتها؛ لا لطلب الرزق وحده -وإلا لكان يمكن سوقه إليهم- ولكن للأخذ بالأسباب أولًا، وللنظر في المسببات، والعبرة بالمخلوقات، والتزود لما بعد الممات، كما في آية «الجمعة» : {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) } [الجمعة:10] .

أي: عند مشاهدة آيات قدرته وعظيم امتنانه.

وعليه فقد وضع القرآن الأمة الإسلامية في أعز مواضع الغنى والاستغناء، والاستثمار والإنتاج، فما نقص عليها من أمور دنياها إلا بقدر ما قصرت هي في القيام بهذا العمل وأضاعت من حقها في هذا الوجود» 17.

ثانيًا: المشي المنهي عنه:

1.المشي بالنميمة.

قال الله تعالى: (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) [القلم:11] .

«أي: كما أنعمنا عليك يا محمد وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم (فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) ثم قال تعالى: (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ) ؛ وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى، واستعمالها في كل وقتٍ في غير محلها» 18.

وفي قوله تعالى: (هَمَّازٍ) ثلاثة أوجه:

أحدها: أنه الفتان الطعان. قاله ابن عباس وقتادة.

الثاني: أنه الذي يلوي شدقيه من وراء الناس. قاله الحسن.

الثالث: أنه الذي يهمزهم بيده دون لسانه ويضربهم. قاله ابن زيد، والأول أشبه لقول الشاعر:

تدلي بودٍّ إذا لاقيتني كذبًا

وإن أغيب فأنت الهامز اللمزة

وفي قوله: (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) وجهان:

أحدهما: الذي ينقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض. قاله قتادة.

الثاني: هو الذي يسعى بالكذب، ومنه قول الشاعر:

ومولى كبيت النمل لا خير عنده

لمولاه إلا سعيه بنميم 19

«والمشي: استعارة لتشويه حاله بأنه يتجشم المشقة لأجل النميمة! مثل ذكر السعي في قوله تعالى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ?) [المائدة:64] .

ذلك أن أسماء الأشياء المحسوسة أشد وقعًا في تصور السامع من أسماء المعقولات، فذكر المشي بالنميمة فيه تصوير لحال النمام، ألا ترى أن قولك: (قطع رأسه) أوقع في النفس من قولك: (قتل) ؟! ويدل لذلك أنه وقع مثله في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» 20» 21.

وهل في تقدم (هماز) على (مشاء) من حكمة؟

ذكر بعض العلماء حكمة في ذلك، وهي أن تقدم هماز على مشاء بنميم كان بالرتبة؛ لأن المشي مرتب على القعود في المكان، والهماز هو العياب، وذلك لا يفتقر إلى حركة وانتقال من موضعه، بخلاف النميمة، فإنها تفتقر إلى حركة وانتقال للتحريش بين فلان وفلان 22.

2.مشي التكبر والخيلاء، والرقص.

من ذلك قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) } [الإسراء:37] .

إن «الإنسان حين يخلو قلبه من الشعور بالخالق القاهر فوق عباده؛ تأخذه الخيلاء بما يبلغه من ثراء أو سلطان، أو قوة أو جمال، ولو تذكر أن ما به من نعمة فمن الله وأنه ضعيف أمام حول الله لطامن من كبريائه، وخفف من خيلائه، ومشى على الأرض هونًا لا تيهًا ولا مرحًا.

والقرآن يجبه المتطاول المختال المرح بضعفه وعجزه وضآلته: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} فالإنسان بجسمه ضئيل هزيل، لا يبلغ شيئًا من الأجسام الضخمة التي خلقها الله» 23.

قال سبحانه: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) } [النازعات:27 - 29] .

قال الشوكاني رحمه الله: «وذكر الأرض مع أن المشي لا يكون إلا عليها أو على ما هو معتمد عليها؛ تأكيدًا وتقريرًا» 24.

«وأصل المرح في اللغة: شدة الفرح والنشاط، وإطلاقه على مشي الإنسان متبخترًا مشي المتكبرين؛ لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة» 25.

«ويروى أن سبأ دوخ الأرض بأجناده شرقًا وغربًا وسهلًا وجبلًا، وقتل سادةً وسبى -وبه سمي سبأ- ودان له الخلق، فلما رأى ذلك انفرد عن أصحابه ثلاثة أيام، ثم خرج إليهم فقال: إني لما نلت ما لم ينل أحدٌ رأيت الابتداء بشكر هذه النعم، فلم أر أوقع في ذلك من السجود للشمس إذا أشرقت! فسجدوا لها، وكان ذلك أول عبادة الشمس، فهذه عاقبة الخيلاء والتكبر والمرح، نعوذ بالله من ذلك» 26.

وقوله تعالى: {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} فيه وجهان، كما يقول الماوردي:

«أحدهما: إنك لن تخرق الأرض من تحت قدمك، ولن تبلغ الجبال طولًا بتطاولك؛ زجرًا له عن تجاوزه الذي لا يدرك به غرضًا.

الثاني: أنه مثلٌ ضربه الله تعالى له، ومعناه: كما أنك لن تخرق الأرض في مشيك ولن تبلغ الجبال طولًا؛ فإنك لا تبلغ ما أردت بكبرك وعجبك، إياسًا له من بلوغ إرادته» 27.

«ذلك التطامن والتواضع الذي يدعو إليه القرآن بترذيل المرح والخيلاء أدبٌ مع الله، وأدبٌ مع الناس، أدبٌ نفسي وأدبٌ اجتماعي.

وما يترك هذا الأدب إلى الخيلاء والعجب إلا فارغٌ صغير القلب صغير الاهتمامات، يكرهه الله لبطره ونسيان نعمته، ويكرهه الناس لانتفاشه وتعاليه» 28.

أولًا: المن، وبيان القدرة الإلهية:

قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) } [النور:45] .

قال القرطبي رحمه الله: «المشي على البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره، وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى، والأربع لسائر الحيوان.

قال النقاش: إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشى على أربع عن ذكر ما يمشى على أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهى قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها.

قال ابن عطية: والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلًا، بل هي محتاجٌ إليها في تنقل الحيوان، وهى كلها تتحرك في تصرفه.

وقال بعضهم: ليس في الكتاب ما يمنع من المشى على أكثر من أربع، إذ لم يقل ليس منها ما يمشى على أكثر من أربع.

وقيل: فيه إضمار (ومنهم من يمشى على أكثر من أربع) كما وقع في مصحف أبي، والله أعلم» 29.

ثانيًا: حكاية اعتراضٍ لأهل الباطل:

كما قال سبحانه في سورة الفرقان: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) } [الفرقان:7] .

«والمعنى: إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا؟! وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات؛ فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمورٍ جسمانية؛ وإنما هو بأحوالٍ نفسانية، كما أشار إليه تعالى بقوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف:110] » 30.

ولقد رد الله سبحانه وتعالى على أصحاب هذه الشبهة شبهتم في عدة مواضع من القرآن، منها:

قوله سبحانه في نفس سورة الفرقان: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ} [الفرقان:20] .

وهذا في معنى قوله تعالى: {قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف:9] .

إن أنا إلا رسول مثل سائر الرسل، فإذا جاز أن يكون سائر الرسل آدميين؛ فيجوز أن أكون آدميًا رسولًا 31.

وقال في سورة أخرى: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ} [الأنبياء:8] .

قال السعدي رحمه الله: «هذا جواب لشبه المكذبين للرسول القائلين: هلا كان ملكًا، لا يحتاج إلى طعام وشراب وتصرفٍ في الأسواق، وهلا كان خالدًا؟! فإذا لم يكن كذلك دل على أنه ليس برسول!

وهذه الشبه ما زالت في قلوب المكذبين للرسل، تشابهوا في الكفر فتشابهت أقوالهم؛ فأجاب تعالى عن هذه الشبه لهؤلاء المكذبي المقرين بإثبات الرسل قبله -ولو لم يكن إلا إبراهيم عليه السلام الذي قد أقر بنبوته جميع الطوائف، والمشركون يزعمون أنهم على دينه وملته- بأن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كلهم من البشر، الذين يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، وتطرأ عليهم العوارض البشرية، من الموت وغيره، وأن الله أرسلهم إلى قومهم وأممهم، فصدقهم من صدقهم، وكذبهم من كذبهم، وأن الله صدقهم ما وعدهم به من النجاة والسعادة لهم ولأتباعهم، وأهلك المسرفين المكذبين لهم.

فما بال محمد صلى الله عليه وسلم تقام الشبه الباطلة على إنكار رسالته وهي موجودة في إخوانه المرسلين الذين يقر بهم المكذبون لمحمد؟! فهذا إلزام لهم في غاية الوضوح، وأنهم إن أقروا برسولٍ من البشر، ولن يقروا برسول من غير البشر! إن شبههم باطلة، قد أبطلوها هم بإقرارهم بفسادها وتناقضهم بها» 32.

وقال سبحانه في رد عقلي منطقي: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } [الأنعام:9] .

والمعنى: أنا لو جعلناه ملكًا لجعلناه ولا بد في خلق رجل؛ لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد 33.

ومن لطائف هذه الآية: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) } [الفرقان:20] : أن بعض العلماء استنبط من ذلك أن «من آداب الداخل في السوق: أن يكون ماشيًا على رجليه لا راكبًا، كما وصف الله تعالى الرسل عليهم السلام» في هذه الآية 34.

ثالثًا: ضرب المثل للناس:

من ذلك قول الحق سبحانه في سورة الملك: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) } [الملك:22] .

«هذا مثل ضربه الله للكافرين والمؤمنين، أو لرجلين: كافر ومؤمن.

والذي انقدح لي: أن التمثيل جرى على تشبيه حال الكافر والمؤمن بمشيتين مختلفتين، وعلى تشبيه الدين بالطريق المسلوكة كما يقتضيه قوله: {عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}

فالمشرك يتوجه بعبادته إلى آلهة كثيرة لا يدري لعل بعضها أقوى من بعض، وأعطف على بعض القبائل من بعض، فقد كانت ثقيف يعبدون اللات، وكان الأوس والخزرج يعبدون مناة، ولكل قبيلة إلهٌ أو آلهةٌ، فتقسم الحاجات عندها، ويستنصر كل قوم بآلهتهم، ويطمعون في غنائها عنهم، وهذه حالة يعرفونها فلا يمترون في أنهم مضرب المثل الأول، وكذلك حال أهل الإشراك في كل زمان!

ألا تسمع ما حكاه الله عن يوسف عليه السلام من قوله: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) } [يوسف:39] ؟

وينور هذا التفسير أنه يفسره قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام:153] .

وقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) } [يوسف:108] .

فقابل في الآية الأولى الصراط المستقيم -المشبه به الإسلام- بالسبل المتفرقة المشبه بها تعداد الأصنام، وجعل في الآية الثانية الإسلام مشبهًا بالسبيل، وسالكه يدعو ببصيرة، ثم قابل بينه وبين المشركين بقوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

وفي قوله: {مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} تشبيه حال المتحير المتطلب للآثار في الأرض بحال المكب على وجهه، في شدة اقترابه من الأرض.

وقوله: {أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا} تشبيه لحال الذي آمن برب واحد الواثق بنصر ربه وتأييده، وبأنه مصادف للحق بحال الماشي في طريق جادة واضحة، لا ينظر إلا إلى اتجاه وجهه، فهو مستوٍ في سيره» 35.

ومن ذلك قوله تعالى عن المنافقين: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} [البقرة:20] .

فهذا مثلٌ ضربه الله للقرآن وصنيع الكافرين والمنافقين معه، فالمطر: القرآن؛ لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان، والظلمات: ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك، والرعد: ما خوفوا به من الوعيد وذكر النار، والبرق: ما فيه من الهدى والبيان والوعد وذكر الجنة 36.

وقيل: أي: لذهب بأسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما أذهب أسماعهم وأبصارهم الباطنة {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} 37.

قال حقي: «وإيثار المشي على ما فوقه من السعي والعدو للإشعار بعدم استطاعتهم لهما لكمال دهشتهم» 38.

رابعًا: لحكاية حادثة معينة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت