فهذه الآية من جملة ما قاله إبراهيم عليه السلام لقومه وهو يعظهم ويرشدهم؛ فأخبرهم بحقيقة يتجاهلونها، وهي أنهم ما اتخذوا تلك الأوثان آلهة يعبدونها إلا لأجل التعارف عليها والتوادد والتحاب من أجلها، فيقيمون الأعياد لها، ويجتمعون حولها، فيأكلون ويشربون، لا أنهم حقيقة يعتقدون أنها آلهة وهي أحجار نحتوها بأيديهم، وأخبرهم نبيهم محذرًا لهم بما سيؤول إليه أمرهم يوم القيامة، حينما تنعكس الأمور فـ {يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} أي: يكفر المتبوعون وهم الرؤساء بمن اتبعوهم، وهم الأتباع وعوام الناس، ويلعن كل من الأتباع والمتبوعين بعضهم بعضًا، وذلك عند معاينة العذاب الأليم 27.
سادسًا: اللعن من المؤذن بين أهل الجنة وأهل النار:
أخبر الله عز وجل أنه في يوم القيامة عندما يدخل أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ينادي أهل الجنة أهل النار ويسألونهم: هل وجدتم ما وعدكم ربكم من الخزي والعذاب؟ -وفي ذلك تقريع وتوبيخ عظيم لأهل النار- فيجيبون: نعم وجدنا، مقرين بعذاب الله عز وجل الذي حصل لهم كما كان يوصف لهم من قبل رسل الله عز وجل.
وحينئذ يؤذن مؤذن بين الجنة والنار معلنًا أن لعنة الله ملازمة لأهل النار، مستقرة عليهم.
قال تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44] .
وذكر المفسرون أن المؤذن بين الجنة والنار ملك من الملائكة، أوكل الله عز وجل له تلك المهمة، ينادي بين أهل الجنة وأهل النار؛ فيسمع الجميع صوته 28.
ولا شك أن في أذان ذلك المؤذن تقريعًا وتوبيخًا ومزيد عذابٍ وحسرةٍ لأهل النار، إذ يبشرون بدوام اللعنة والسخط من الله عز وجل عليهم 29.
سابعًا: اللعن من الأمم التي في النار:
إن أهل النار لما يجدوا ما فيها من بؤس وعذاب وشقاء محيط بهم، دائم عليهم يأخذون في لعن بعضهم بعضًا، ويدعو من كان منهم تابعًا على المتبوعين الذين ساقوهم إلى طرقات الغي والضلال.
قال تعالى: {قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38] .
يخبر الله سبحانه عما يقال لهؤلاء المشركين به، المفترين عليه، المكذبين بآياته {ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ} أي: من الأمم السالفة الكافرة من الجن والإنس، كلما دخلت أمة النار، وجدت من قد أدخل قبلها؛ فيلعن بعضهم بعضًا، ويسب بعضهم بعضًا، حتى إذا اجتمعوا فيها جميعًا {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ} ، فيرد عليهم الجبار سبحانه: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ} 30.
وسبب اللعن بين الأمم في النار: أن كل أمة إنما تدخل النار بعد مناقشة الحساب، فيتبين لهم أن ما كانوا عليه من الضلال والباطل إنما كان بسبب اتباعهم لكبرائهم ورؤسائهم من غير هدى ولا علم، وبذلك تقع في نفوسهم كراهية عظيمة لهم، فإذا دخلوا النار فرأوا من كان سببًا في غوايتهم وضلالهم أخذوا في لعنهم والدعاء عليهم 31.
إن في هذا الخبر من الله عز وجل عن أهل النار وأحوالهم وتلاعنهم داخل النار موعظة عظيمة للعباد، فلا يسمع بذلك أحد إلا ويقشعر من حالهم تلك، ويخاف على نفسه من أن يكون مع أولئك الكافرين.
ثامنًا: اللعن من عموم اللاعنين:
أخبر الله عز وجل عن قوم بلغوا الغاية في الفساد والإضلال وظلم العباد، إنهم أقوام يكتمون الهداية، ويحاولون إخفاء النور الذي أنزله الله عز وجل ليستنير به العباد، فكانت عقوبة هؤلاء أن عليهم لعنة الله ولعنة اللاعنين، قال عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] .
قال ابن كثير في هذه الآية: «هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله، قال أبو العالية: نزلت في أهل الكتاب؛ كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر أنه يلعنهم كل شيءٍ على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كل شيءٍ حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون» 32.
وقد ذكر المفسرون أقوالًا في المراد باللاعنين؛ فقال بعضهم: «هم الملائكة والمؤمنون» ، وقال آخرون: «هم دواب الأرض وهوامها» ، وقال غيرهم: «كل ما عدا بني آدم والجن» ، وغير ذلك من أقوال، ورجح الإمام الطبري القول الأول مستدلًا بآية: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة: 161] 33.
وقول الطبري هو الأقرب للصواب والله أعلم؛ لأن الآية التي استدل بها ظاهرة في ذلك، والقرآن الكريم يفسر بعضه بعضًا.
إنه من خلال التدبر في الآيات التي ورد فيها اللعن في كتاب الله عز وجل نجد أن الملعونين في هذه الآيات أصناف من الخلق، يترأسهم إبليس اللعين، ومما يلفت النظر أن بعض هؤلاء الملعونين قد ذكر الله عز وجل لعنهم مرات متعددة، كما هو الحال بشأن اليهود -وهم أكثر من ورد في شأنهم لعنٌ في كتاب الله عز وجل -، وبعض الملعونين ورد لعنهم مرة واحدة فقط، وسيأتي بيان ذلك -بإذن الله تعالى-.
كما أنه من الأمور التي تلفت الانتباه أيضًا عند التدبر في الآيات التي ورد فيها اللعن أن صيغة اللعن تختلف؛ فتارة يكون اللعن بصيغة: (لعنه الله) أي: بالفعل الماضي وفاعله الله عز وجل، وتارة يكون اللعن بصيغة: (يلعنهم الله) أي: بالفعل المضارع الذي فاعله الله عز وجل، وتارة يكون اللعن بصيغة المصدر: (لعنة الله على، عليهم اللعنة، عليك لعنتي) ، وتارة يكون اللعن بالنعت باسم المفعول: (ملعونين، الملعونة) ، وتارة يكون بفعل الطلب: (العنهم) ، ولا شك أن في ورود اللعن بهذه الصيغ المتعددة في كتاب الله عز وجل له دلالات وحكمٌ عظيمةٌ أرادها الحكيم الخبير سبحانه؛ فصيغة الفعل الماضي لها دلالة تختلف عن دلالة المضارع، وصيغة المصدر لها دلالة تختلف عن دلالة الفعل الماضي والفعل المضارع، وما في كتاب الله عز وجل من لفظةٍ إلا ولها مدلولاتها، كما قال ابن عطية: «وكتاب الله لو نزعت منه لفظةٌ ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسن منها لم يوجد» 34.
ونحاول -بإذن الله تعالى- الوقوف على شيء من هذه الحكم.
وباستقراء الآيات التي ورد فيها لعنٌ يمكن أن نحصر أبرز الملعونين في كتاب الله عز وجل بالآتي:
أولًا: الشيطان:
ذكر الله عز وجل لعنته للشيطان في ثلاثة مواضع من الكتاب العزيز؛ ورد اللعن في موضعين منها لإبليس عندما استكبر عن أمر ربه ولم يسجد لآدم عليه السلام.
قال تعالى مخبرًا عن ذلك: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [الحجر: 28 - 35] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات: «يذكر الله تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه له، وتشريفه إياه، بأمر الملائكة بالسجود له، ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة؛ حسدًا وكفرًا وعنادًا واستكبارًا وافتخارًا بالباطل ولهذا قال: {لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} ، [الحجر: 33] .
وكقوله قال: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 76] » 35.
ونظير هذه الآيات -في ذكر لعنة الله عز وجل لإبليس بسبب استكباره عن أمر ربه- قول الله عز وجل في سورة ص: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} [ص: 71 - 78] .
ونلاحظ أن الله عز وجل قد أخبر -في كلا الموضعين- عن لعنته لإبليس بأشد صيغ اللعن؛ حيث إنه سبحانه أخبر عن لعنته لإبليس بصيغة الاسم (المصدر) المؤكد بـ (إن) فقال سبحانه في آيات الحجر: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} ، وقال في آيات ص: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} ، ولا شك بأن التعبير بالاسم يدل على ثبات اللعنة على إبليس واستمرارها، قال ابن الجوزي: «قوله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} قال المفسرون: معناه يلعنه أهل السماء والأرض إلى يوم الحساب» 36.
ونلاحظ أيضًا التعبير بقوله: {عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} في سورة الحجر، وبقوله: {عَلَيْكَ لَعْنَتِي} في سورة ص، وفي ذلك تأكيد على شدة اللعن لإبليس، فـ (أل) التعريف في كلمة (اللعنة) إما أن تكون للعهد، وإما أن تكون عوضًا عن الضمير المضاف إليه في قوله: {عَلَيْكَ لَعْنَتِي} ، وإما أن المراد بقوله: {عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ} أي: كل لعنة، وفي قوله: {عَلَيْكَ لَعْنَتِي} شامل أيضًا لكل لعنة؛ وذاك لأن لعنة اللاعنين من الملائكة والثقلين إنما هي من جهة الله تعالى؛ فهم يدعون عليه بلعنة الله تعالى وإبعاده من رحمته، وبهذا فإن التعبيرين يؤديان نفس المعنى ويؤكد بعضها بعضًا 37.
وقد دل قوله تعالى في كلا الموضعين: {إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} على أن لعنة الله عز وجل لإبليس دائمة مستمرة لا تنقطع، فهي باقية ما بقيت الدنيا، فإذا كان يوم الدين اقترن له مع اللعنة صنوف المهانة والعذاب الأليم ما ينسى عنده اللعنة، فكأنها انقطعت عنه مع أنها مستمرة عليه 38، ونقل ابن الجوزي عن ابن الأنباري قوله: «وإنما قال إلى يوم الدين لأنه يوم له أول وليس له آخر، فجرى مجرى الأبد الذي لا يفنى، والمعنى عليك اللعنة أبدًا» 39.
أما الموضع الثالث: الذي أخبر الله عز وجل فيه عن لعنته للشيطان فهو قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 116 - 118] .
ففي هذه الآيات يخبر الله سبحانه عن شدة ضلال المشركين؛ إذ إنهم ما يعبدون من دون الله إلا آلهة مزعومة من الأصنام والأوثان التي كانوا يسمونها بأسماء الإناث، كاللات والعزى ونائلة ومناة وما أشبه ذلك، وهم بفعلهم هذا ما يدعون إلا شيطانًا عاصيًا متمردًا على أمر ربه، وقد أخبر سبحانه بأنه قد لعن ذلك الشيطان، فأقصاه وأخزاه وأبعده وطرده من رحمته 40.
ثانيًا: اليهود:
قد ورد لعن الله عز وجل لليهود في مواضع كثيرة من الكتاب العزيز؛ بل إن اليهود هم أكثر من ورد بشأنهم لعن من الله عز وجل في القرآن الكريم، إذ إن المواضع التي ورد فيها لعنهم تقارب العشرة مواضع، وما ذلك إلا لشدة فسادهم وإفسادهم، وكثرة جرائمهم.
فأول المواضع -حسب ترتيب المصحف الشريف- التي ورد فيها لعن اليهود في القرآن الكريم هو قول الله تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88] .
حيث تخبر هذه الآية عن بعض أقوال اليهود القبيحة؛ إذ إنهم قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم -معتذرين عن عدم إيمانهم به-: {قُلُوبُنَا غُلْفٌ} ، أي: عليها غلاف وغطاء فلا تفقه ما تقول، وهم كاذبون في ذلك، يريدون تبرير كفرهم، فكشف الله عز وجل حقيقة الأمر، فقال سبحانه: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} أي: أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم؛ بسبب كفرهم وجحودهم آيات الله عز وجل، وما أرسل به رسله عليهم السلام؛ فلذلك استحقوا لعنة الله عز وجل 41.
والموضع الثاني: الذي ورد فيه لعن اليهود هو قول الله عز وجل مخبرًا عنهم: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [البقرة: 89] .
فهذه الآية تبين شدة حسد اليهود للعرب؛ إذ إنهم كانوا يعلمون -من كتبهم- أن زمان قدوم النبي المكتوب عندهم قد آن، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم، وجاءهم بالقرآن الكريم، وكانوا من قبل بعثته يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما جاءهم الرسول، ووجدوا أنه ليس منهم، كفروا به وبالكتاب الذي معه، فلعنهم الله عز وجل لأجل كفرهم وحسدهم 42.
ومن هذه المواضع أيضًا قول الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] .
والمقصود بهؤلاء علماء اليهود وأحبارهم، وعلماء النصارى، وسبب استحقاقهم لتلك اللعنة المغلظة كتمانهم للحق والبينات، وكتمانهم أمر صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وعدم اتباعه مع علمهم بصدقه؛ لذلك أخبر الله عز وجل عن لعنته لهم، وأخبر أنه يلعنهم أيضًا كل شيءٍ على صنيعهم ذلك؛ فكما أن العالم يستغفر له كل شيء، فهؤلاء بخلاف العلماء فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون 43.
إن جرائم اليهود كثيرة، وأفعالهم شنيعة قبيحة، بلغوا الذروة في ذلك حينما حرفوا كلام الله عز وجل، وغيروا صفات النبي صلى الله عليه وسلم المكتوبة عندهم؛ ليحرموا الناس من اتباعه والاهتداء بهديه، واستهزؤا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وطعنوا في دين الله عز وجل، قال تعالى مخبرًا عنهم: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 46] 44.
لقد بلغ من قبح اليهود وعدوانهم أنهم تجرؤا على الله عز وجل، فنسبوا إليه ما لا يليق بجلاله سبحانه، من ذلك أنهم نسبوا إليه البخل -تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا- قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] .
ومن لعن الله عز وجل لليهود لعنه سبحانه لأصحاب السبت الذين انتهكوا حرمات الله عز وجل، ولم يلتزموا حدوده، ولم ينتصحوا بنصيحة المتقين منهم، وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن قصتهم في قوله سبحانه: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] .
ثم أخبر سبحانه عن العذاب الذي أصابهم حينما لم ينتفعوا بنصح الناصحين، وتمادوا في عدوانهم وغيهم.
قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 165 - 166] .
وأما الموضع الذي ذكر الله عز وجل فيه لعنته لأولئك المعتدين المنتهكين لحدود الله فقد جاء في سياق دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحذيرهم من أن تطمس وجوههم أو يصيبهم ما قد أصاب أصحاب السبت من المسخ واللعن.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47] .
والمراد بطمس وجوههم محو آثارها حتى تصير كالقفا من غير أنف ولا عينين ولا شفاه، أو المراد جعل أبصارهم إلى قفاهم فيمشون القهقري 45.
والمراد بلعنهم كما لعن أصحاب السبت مسخهم قردة كما مسخ أصحاب السبت، قال الشنقيطي: «لم يبين هنا كيفية لعنه لأصحاب السبت؛ ولكنه بين في غير هذا الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة، ومن مسخه الله قردًا غضبًا عليه فهو ملعون بلا شك، وذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [البقرة: 65] .
وقوله: {فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الأعراف: 166] » 46.
ونلاحظ في لعن اليهود أن الله عز وجل قد لعنهم بصيغة الفعل الماضي: (لعنهم الله) ، وبصيغة الفعل المضارع: (يلعنهم الله) ، وبصيغة المصدر: (فلعنة الله على) ، ولا شك في أن لعن اليهود في القرآن الكريم قد جاء بهذه الصيغ المختلفة فيه بيان لشدة لعنتهم وغلظتها، فالفعل الماضي يدل على وقوع تلك اللعنة عليهم فيما سبق، والفعل المضارع يدل على استمرارية اللعنة عليهم، والمصدر: (الاسم) يدل على ثبات ودوام اللعنة وملازمتها لهم، وفي هذا إشارة إلى أن الصفات التي استحق اليهود عليها اللعن ستبقى موجودة فيهم، وهذا ما يدل عليه واقع الحال في أيامنا هذه.
ثالثًا: الكافرون والمنافقون:
إن من الأصناف الذين لعنهم الله الكفار والمنافقين، وهم شرار الخلق، رفضوا دعوة الله، وأبوا النور الذي أنزله إليهم، استحبوا العمى على الهدى، فكان لهم اللعن والعذاب الأليم.