فهرس الكتاب

الصفحة 1043 من 2431

وقد بينت آيات القرآن الكريم أن التنعم في الأرض لا يقتصر على المؤمنين فحسب، وإنما يشمل غيرهم من الناس، ولكن الفرق بين تنعم المؤمنين وتنعم غيرهم أن الله تعالى يبدل نعمة غير المؤمنين إلى نقمة إذا استمروا وتمادوا في غيهم وطغيانهم، وذلك كما حدث لأصحاب القرون الأولى كعاد وثمود وغيرهم، بينما لا يحدث ذلك للمؤمنين، ولا يعني عدم حدوث النقمة للمؤمنين أن نعيم الدنيا دائم مستقر لهم، وإنما قد يصيبهم شيء من البلاء من باب الاختبار والامتحان لهم، وبيان صبرهم وثباتهم.

قال تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ?2?وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ?3?) [العنكبوت:2، 3] .

ولكن ما يميز المؤمنين في فترة بلائهم أنهم يكونون على ثقة ويقين بأن الله تعالى معهم ينصرهم ويؤيدهم، وذلك راجع إلى أمرين هما:

قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ?155? الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ?156? أُولَـ?ئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـ?ئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة: 155 - 157] .

وقد أخبر الله تعالى عن حال الصابرين في الآخرة في قوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10] .

يقول الشوكاني في تفسير هذه الفاصلة من الآية الكريمة من سورة الزمر: «أي: يوفيهم الله أجرهم في مقابلة صبرهم بغير حسابٍ» 65.

ثانيًا: عذاب الله في الأرض:

كثيرًا ما تحدثت آيات القرآن الكريم عن عذاب الله تعالى في الأرض، وهذا يدل على كثرة من أهلك الله تعالى من الأقوام الظالمة.

قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ? وَكَفَى? بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا(17 ) ) [الإسراء: 17] .

ومن المعلوم أن التعاطي السلبي مع عوامل الفساد في الأرض يؤدي بشكل حتمي إلى الظلم والفساد، وهذا الأمر هو الذي تسبب في فساد الأمم وغفلتها ومن ثم هلاكها، وقد بين الله تعالى أنه لا يرضى لعباده الفساد والكفر والفجور، بل يرضى لهم الصلاح والاستقامة.

قال تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ? وَلَا يَرْضَى? لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ? وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) [الزمر: 7] .

وقد حذر ربنا جل وعلا من اتباع أهل الغواية وعباد الشهوات.

قال تعالى: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا(27 ) ) [النساء: 27] .

وقال أيضًا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [النور: 21] .

وعلى الرغم من ذلك البيان والتحذير إلا إن أكثر الناس يتركون ما يرضى الله تعالى لهم من الخير، واتبعوا من يأمرهم بما لا يرضى لهم ربهم جل وعلا.

قال تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَ?ذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى? أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا(89 ) ) [الإسراء: 89] .

فكانت النتيجة الحتمية نزول العذاب بهؤلاء الكفرة، وفيما يأتي صور من عذاب الله تعالى في الأرض:

1.خسف الله تعالى الأرض بقارون.

قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ?76? وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ?77? قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ?78? فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ?79? وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ?80? فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) [القصص: 76 - 81] .

وفيما يأتي عرض لما ذكرته الآيات الكريمة من عناصر الفساد التي خسف الله تعالى بسببها الأرض بقارون:

فكانت نتيجة ذلك كله أن خسف الله تعالى بقارون وبداره الأرض، والخسف هو: الذهاب في الأرض، وخسف الله الأرض بقارون وداره أي: غيبه فيها 67.

وقد استثنى الله تعالى أهل الإيمان من العذاب لوجود الدعاة الصالحين الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد أفصح القرآن الكريم في غير موضع عن استثناء الله تعالى لأهل الورع والتقوى من العذاب الذي ينزل بالمفسدين من أقوامهم، فعلى سبيل المثال: فقد أهلك الله تعالى قوم نوح عليه السلام، وأنجى نوحًا عليه السلام ومن معه في الفلك، وقد أهلك الله تعالى قوم لوط عليه السلام، وأنجى لوطًا عليه السلام ومن معه من المؤمنين، ولكن ومع ذلك إلا إنه قد يهلك الله قومًا وفيهم الصالحون، وذلك إذا عم الفساد.

فعن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج يومًا فزعًا محمرًا وجهه، يقول: (لا إله إلا الله ويلٌ للعرب من شرٍ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وحلق بإصبعه الإبهام، والتي تليها، قالت فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث) 68.

2.ومن قصص العذاب في الأرض ما حدث مع ثمود قوم نبي الله صالح عليه السلام.

قال تعالى: (وَإِلى ثَمودَ أَخاهُم صالِحًا قالَ يا قَومِ اعبُدُوا اللَّهَ ما لَكُم مِن إِلهٍ غَيرُهُ قَد جاءَتكُم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُم هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُم آيَةً فَذَروها تَأكُل في أَرضِ اللَّهِ وَلا تَمَسّوها بِسوءٍ فَيَأخُذَكُم عَذابٌ أَليمٌ ?73? وَاذكُروا إِذ جَعَلَكُم خُلَفاءَ مِن بَعدِ عادٍ وَبَوَّأَكُم فِي الأَرضِ تَتَّخِذونَ مِن سُهولِها قُصورًا وَتَنحِتونَ الجِبالَ بُيوتًا فَاذكُروا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفسِدينَ ?74? قالَ المَلَأُ الَّذينَ استَكبَروا مِن قَومِهِ لِلَّذينَ استُضعِفوا لِمَن آمَنَ مِنهُم أَتَعلَمونَ أَنَّ صالِحًا مُرسَلٌ مِن رَبِّهِ قالوا إِنّا بِما أُرسِلَ بِهِ مُؤمِنونَ ?75? قالَ الَّذينَ استَكبَروا إِنّا بِالَّذي آمَنتُم بِهِ كافِرونَ ?76? فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوا عَن أَمرِ رَبِّهِم وَقالوا يا صالِحُ ائتِنا بِما تَعِدُنا إِن كُنتَ مِنَ المُرسَلينَ ?77? فَأَخَذَتهُمُ الرَّجفَةُ فَأَصبَحوا في دارِهِم جاثِمينَ ?78? [الأعراف: 73 - 78] .

وفيما يأتي عرض لما ذكرته الآيات الكريمة من عناصر الفساد التي أهلك الله تعالى بسببها ثمود بالصيحة:

وقد أدت هذه العوامل من الفساد إلى هلاك ثمود، كما أدت غيرها من العوامل إلى إهلاك أقوام آخرين، وبالتالي فإن الله تعالى قد أنعم على خلقه بوافر النعم، ولكنهم بدلوا هذه النعم بنقم أهلكتهم، وجعلتهم عبرة لمن بعدهم.

قال تعالى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ? وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ?52?ذَ?لِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى? قَوْمٍ حَتَّى? يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ? وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?53?كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ? وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ? وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ ?54?) [الأنفال: 52 - 54] .

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ?1?يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى? وَمَا هُمْ بِسُكَارَى? وَلَ?كِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ?2?) [الحج: 1 - 2] .

ومما ذكرته آيات القرآن الكريم من أحوال للأرض يوم القيامة ما يأتي:

1.الرج.

قال تعالى: (إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ?4?) [الواقعة: 4] .

الرج لغةً: من رج الراء والجيم أصل يدل على الحركة المضطربة 69.

من الأحداث المهولة التي تحدث للأرض يوم القيامة أنها تهتز وتضطرب من شدة ذلك اليوم العظيم.

يقول الخازن في تفسير الآية الكريمة: «أي: إذا حركت وزلزلت زلزالًا وذلك أن الله عز وجل إذا أوحى إليها اضطربت فرقًا وخوفًا» 70.

2.الدك.

قال تعالى: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ?21?) [الفجر: 21] .

الدك لغةً: من دك الدال والكاف أصلان أحدهما يدل على الانسطاح، يقال: الأرض الدكاء، أي: المنسطحة المستوية، والأصل الثاني يدل على الدق، يقال: دككت الشيء، أي: دققته 71.

ومن أهوال يوم القيامة التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز دك الأرض، أي: تحطيمها ودق أجزائها بأجزائها حتى تصير مستويةً 72.

3.المد.

قال تعالى: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ?3?ٹ) [الانشقاق: 3] .

المد لغة: الميم والدال أصل واحد يدل على الزيادة والوصل والإطالة والجذب؛ يقال لما يكتب به مداد؛ لأنه يمد بالماء، ويقال أيضًا: رجل مديد الجسد، أي: طويل، وحرف المد هو الحرف الذي يزاد في صوته، والمدد للجيش هو ما يتم تزويد الجيش به من رجال وعتاد 73.

ومما ذكر القرآن من أحوال الأرض يوم القيامة أنها تمد، وذلك بمعنى أنه تزداد مساحة سطحها.

يقول الطبري في تفسير قوله تعالى: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ?3?ٹ) : «وإذا الأرض بسطت، فزيد في سعتها» 74.

4.الزلزلة.

قال تعالى: (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ?1?) [الزلزلة: 1] .

الزلزلة لغةً: هو الهز والاضطراب بشدة، يقال: زلزل الشيء زلزلةً أو زلزالًا، ويقال زلزل الشخص، أي: أزعجه وخوفه وحذره 75.

وزلزلة الأرض تعني: أنها تتحرك وتضطرب بشدة حتى يتكسر كل ما عليها، ويخرج كل ما في باطنها 76.

5.إخراج الأثقال.

قال تعالى: (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ?2?) [الزلزلة: 2] .

الثقل في اللغة هو: ميزان الشيء، يقال: ثقل الشيء ثقلًا فهو ثقيل، وثقل المسافر هو ما يحمله معه من متاع، وثقل مفرد جمعها أثقال 77.

وإخراج الأرض أثقالها يوم القيامة يعني: أن تقوم الأرض بإخراج ما فيها من أثقال وأحمال.

قال تعالى: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ ?3?وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ?4?) [الانشقاق: 3 - 4] .

إلقاء الأرض ما بداخلها يشمل الموتى من المخلوقات وبالذات المكلفين منهم؛ وذلك لمحاسبتهم على ما قدموا في الحياة الدنيا 78.

وقد صرحت بذلك آيات القرآن الكريم في مواضع منها:

••قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى? رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ?51?قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ? ? هَ?ذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَ?نُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ?52?) [يس: 51 - 52] .

••قوله تعالى: (وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) [الانفطار: 4] .

••قوله تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) [المطففين: 6] .

6.التبديل.

قال تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ? وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم: 48] .

التبديل لغةً: الباء والدال واللام أصل واحد يدل على التغيير وقيام الشيء مقام شيء آخر، بدل فلان موقفه تجاه أمر، أي: غير موقفه تجاهه 79.

تبديل الأرض يوم القيامة يعني: حدوث تغيرات كبرى تجعل منها أرضًا جديدةً غير الأرض التي عهدها الناس في الدنيا، وسواءٌ أكان التبديل للأرض بتغيير معالمها فقط، أو بتغيير ذاتها كليًا، وذلك على ما اختلف عليه المفسرون 80، فإن الأمر بالنسبة للناس شديد الهول؛ لأنهم سيرون ما يجعلهم كالسكارى من شدة ما سيعاينون.

قال تعالى: (وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى? وَمَا هُمْ بِسُكَارَى? وَلَ?كِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ?2?) [الحج: 2] .

••من الله تعالى على البشرية بكتاب معجز فيه ما يدل على صدق الوحي والنبوة مما لا يدع مجالًا لأي منصف نزيه يبحث عن الحق في أمور الدين والعقيدة إلا أن يقر بعلو منزلة هذا الكتاب، ثم يتبع هذا الإقرار بالإيمان بالله تعالى الذي أنزل هذا الكتاب، وبرسوله الذي شرح ووضح للناس تعاليم هذا الكتاب، ولابد لمن أراد التطرق إلى موضوع الإعجاز القرآني، أو ما يتصل به من جوانب، من أن يسرد تعريفات أهمها ما يأتي:

الإعجاز: هو في اللغة من العجز الذي بمعنى الضعف 81.

أما في الاصطلاح فهو بمعنى عدم قدرة القوم عن الإتيان بمثل المعجزة التي تحداهم بها نبيهم.

إعجاز القرآن: وهو عجز المكلفين جميعًا وفرادى عن معارضة معجزة القرآن الكريم 82.

وقد سجل الله تعالى ذلك العجز بقوله: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى? أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَ?ذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ?88?) [الإسراء: 88] .

ذكر العلماء للمعجزة عدة تعريفات منها:

••تعريف الدكتور مساعد طيار: «آية النبي المختصة به، الخارقة للعادة، التي لا يقدر الخلق على الإتيان بمثلها، الدالة على صدق النبي تارة، وعلى غير ذلك تارة» 83.

••تعريف الأستاذ محمد معبد: «هي أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة» 84.

وبالنظر في التعريفين السابقين يمكن القول بأنهما لم يشتملا على كافة الجوانب التي تتوافر في المعجزة، وبالتالي فإن أدق وأشمل تعريف للمعجزة هو أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى على يد مدع النبوة، على وفق مراده، تصديقًا له في دعواه، مقرون بالتحدي، سالم عن المعارضة، وذلك كله في زمن التكليف بالنبوات.

وفيما يأتي عرض لبعض المواضع القرآنية ذات اللمسة الإعجازية، والدلالات العلمية والغيبية المبرهنة على صدق الوحي والنبوة:

قال تعالى: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى? أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ?12?) [القمر: 12] .

جاءت هذه الآية القرآنية الكريمة لتصف للعباد ما حدث لقوم نوح عليه السلام لما جاءهم عذاب الله تعالى في الدنيا عقب تكذيبهم لنبيهم.

وقد جاء الوصف القرآني في أبلغ صورة يمكن التعبير من خلالها عن الحالة التي كانت عليها الأرض حين حل العذاب بقوم نوح عليه السلام.

فالله تعالى قال: (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) ، ولم يقل: (وفجرنا عيون الأرض) ، والسر في ذلك أن تقديم الأرض على العيون يبين أن كل الأرض انفجرت بالمياه، ولو قال: وفجرنا عيون الأرض، لما تفجرت المياه إلا من المواضع التي جعلها الله تعالى في الأرض عيونًا من قبل أن يحل العذاب بقوم نوح عليه السلام، وبالتالي لكان وصف العذاب أخف في التأثير على السامع 85.

وقال تعالى: (تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى) [طه: 4] .

وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) [الطلاق: 12] .

تقدم ذكر الأرض على السماوات في الآية رقم (4) من سورة طه، بينما تقدم ذكر السماوات على الأرض في الآية رقم (12) من سورة الطلاق، وتقدم ذكر السماوات على الأرض راجع إلى أن تتمة خلق السماوات كان قبل دحو الأرض، وتقدم ذكر الأرض على ذكر السماوات راجع إلى أن الله تعالى قد بدء خلق الأرض قبل أن يسوي السماوات.

وقد ذكر القرآن الكريم أن خلق السماوات والأرض قد كان على مراحل.

قال تعالى: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ?9? وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ?10? ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 9 - 11] .

وقال تعالى: أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ?27? رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ?28? وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ?29? وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ?30? أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ?31? وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا) [النازعات: 27 - 32] .

وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ?38?) [ق: 38] .

وخلاصة ما بينته الآيات الكريمة أن الأرض قد خلقت في أربعة أيام، وأن السماوات قد خلقت في يومين، أما التفصيل فإن الله تعالى قد خلق الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فخلقها في يومين، ثم دحا الأرض في يومين 86.

وقال تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ ?2? فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ?3? فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ?4? بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [الروم: 2 - 5] .

تتحدث الآية الثانية من سورة الروم عما جرى بين الفرس والروم حيث دخلتا في حرب غلبت على إثرها الروم مقابل الفرس، وقد انعكست هذه النتيجة إيجابيًا على نفوس المشركين فاستبشروا خيرًا، والسر في استبشارهم يرجع إلى نظرتهم لطبيعة طرفي القتال؛ فالفرس يعبدون النار وقد هزموا الروم وهم أهل كتاب، وبالتالي فقد رأى المشركون أن هذا الأمر يقاس عليهم، فهم عبدة أصنام والمسلمون حملة قرآن، وأي معركة ستدور بينهم وبين المسلمين ستكون النتيجة فيها لصالحهم كما حصل مع نظرائهم في المعتقد الفرس.

فجاءت هذه الآية لتخبر عما حدث، ثم جاءت الآية الثالثة لتخبر بما سيحدث بين الفرس والروم من جديد، وذلك أنه ستحدث معركة أخرى خلال سنوات معدودة وستكون النتيجة فيها لصالح الروم، فأبطل بذلك استنتاج المشركين، وخاب ظنهم، ثم جاءت الآيتان التاليتان من سورة الروم لتنسفا بشرى المشركين وتبدلانها بخيبة أمل كبيرة، حيث إنهما أخبرتا بأن الله تعالى سينصر عباده المؤمنين على أعدائهم المشركين من كفار قريش في المستقبل، وقد تحقق انتصار المسلمين فعلًا عقب نزول هذه الآيات حين حدثت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة 87.

وقد دلت آيات سورة الروم على صدق الوحي والنبوة من خلال أمور هي:

••الإخبار بأن المكان الذي دارت فيه المعركة بين الفرس والروم، والذي غلبت فيه الروم هو أدنى بقعة على سطح الأرض، ويقع بين العراق والشام، وينخفض عن مستوى سطح البحر بعمق 395 م، وهذا ما لم يكن مكتشفًا بالوسائل التي كانت معروفة زمن نزول القرآن 88.

••الإخبار بأن الروم سيخوضون حربًا مع الفرس خلال سنوات معدودات، وسيكون النصر فيها حليفًا للروم، وهذا ما حدث بعد نزول آيات سورة الروم ببضع سنين، وبالتالي فلو لم يكن القرآن من عند الله تعالى لما تمكن أحد من الإخبار بما سيحدث مستقبلًا.

••بشارة الله تعالى للمؤمنين بالنصر على المشركين قبل حصول غزوة بدر، وهذا أيضًا من الغيب الذي لا سبيل لمعرفته إلا من خلال الوحي.

وقال تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30] .

تمثل هذه الآية الكريمة وصفًا علميًا لهيئة الأرض، فالأرض وإن كانت منبسطة فهي بيضاوية أيضًا، وانبساطها مع بيضاويتها راجع إلى اتساعها وكبر حجمها، وقد أثبت العلم أن الأرض تشبه البيضة، فهي عبارة عن كرة منبعجة من وسطها كما البيضة تمامًا 89.

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30] .

تتحدث هذه الآية الكريمة عن الأرض والسماوات حيث كانتا عبارة عن كتلة واحدة يتصل بعضها ببعض على هيئة دخان أو جزيئات غازية، ثم انفصلتا عن بعضهما البعض، وهذا ما أشارت إليه الآية الكريمة قبل أن يكتشف العلماء ذلك بقرون عديدة، وما يؤكد أن السماوات والأرض كانتا عبارة عن دخان أو سديم قوله تعالى في موضع آخر: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت: 11] .

وقد أثبت العلماء حديثًا أن الكون قد تكون من مواد غازية 90.

موضوعات ذات صلة:

الآيات الكونية، البحر، الجبال، السماء، الماء، النبات

1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 80، المحكم، ابن سيده 1/ 369.

2 انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، د. أحمد عمر 1/ 84.

3 المدخل إلى علم الجغرافيا والبيئة، محمد محمود محمدين ص 109.

4 انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 26 - 33، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهمزة ص 53 - 63.

5 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 2/ 53 - 56، الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان، ص 158، 160، الوجوه والنظائر، أبو هلال العسكري، ص 76 - 79.

6 تهذيب اللغة، الأزهري 13/ 115.

7 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 427.

8 بدائع الفوائد، ابن القيم ص 149.

9 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص 654، لسان العرب، ابن منظور 10/ 478.

10 انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 11/ 286.

11 انظر: بيان التوحيد الذي بعث الله به الرسل، ابن باز ص 17.

12 انظر: تحفة الأريب، أبو حيان الأندلسي ص 305.

13 تفسير القرآن العزيز 3/ 172.

14 في ظلال القرآن 4/ 2231.

15 انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن، حسن الجمل 3/ 260.

16 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 8/ 373.

17 مدارك التنزيل 2/ 337، والهلك بمعنى الهلاك.

18 انظر: تاج العروس، الزبيدي 25/ 331.

19 انظر: الصحاح، الجوهري 4/ 1539.

20 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، 3/ 189.

21 انظر: المحكم، ابن سيده 9/ 287.

22 انظر: تاج العروس، الزبيدي 19/ 142.

23 انظر: لسان العرب، ابن منظور 14/ 251.

24 انظر: جامع البيان، الطبري 16/ 328.

25 انظر: المصدر السابق 23/ 637.

26 انظر: فتح القدير، الشوكاني 5/ 458.

27 انظر: المصباح المنير، الفيومي 1/ 210.

28 انظر: لباب التأويل، الخازن 4/ 320.

29 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم والغصب، باب أفنية الدور والجلوس فيها، والجلوس على الصعدات، رقم 2465، 3/ 132.

30 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب العلم، باب فضل طلب العلم، رقم 2646، 5/ 28.

قال الترمذي: حديث حسن.

31 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان، رقم 58، 1/ 63.

32 انظر: زاد المسير، ابن الجوزي 1/ 457.

33 انظر: مجمع بحار الأنوار، محمد طاهر الكجراتي 2/ 420.

34 انظر: مجعم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر مختار 2/ 1017.

35 انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي 6/ 30.

36 انظر: معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن الكريم، حسن الجمل 3/ 67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت