فهرس الكتاب

الصفحة 1156 من 2431

ثالثًا: إتيان الله في ظلل من الغمام والملائكة:

أخبر الله تعالى أنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام والملائكة، فقال: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} [البقرة: 210] .

وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، والمعنى: ما ينتظر هؤلاء المعاندون الكافرون بعد قيام الأدلة البينة إلا أن يأتيهم الله عز وجل على الوجه اللائق به سبحانه في ظلل من السحاب يوم القيامة؛ ليفصل بينهم بالقضاء العادل، وأن تأتي الملائكة، وحينئذٍ يقضي الله تعالى فيهم قضاءه، وإليه وحده ترجع أمور الخلائق جميعها.

والاستفهام في قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ} بمعنى النفي، و {يَنْظُرُونَ} بمعنى: ينتظرون، أي: ما ينتظر هؤلاء المكذّبون الذين زلوا بعد ما جاءتهم البينات؟! سائقًا له في أسلوب الإنكار، وصيغة الغيبة مجردة عن الافتعال؛ تنبيهًا على أنهم في غاية البعد عن مواطن الرأفة والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة بإعراض الله عن خطابهم، وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم.

و {يَنْظُرُونَ} إن عدّيت بـ (إلى) فهي للنظر بالعين؛ وإن لم تعدّ فهي بمعنى الانتظار.

وإتيان الله في قوله: {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} من الصفات الاختيارية التي أخبر بها تعالى عن نفسه، أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فتثبت على وجه يليق بجلال الله وعظمته من غير تشبيه ولا تحريف 48.

فوصف الله تعالى هنا بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر، ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه، أو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقول في جميع ذلك من جنس واحد، وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها: فهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، والقول في صفاته كالقول في ذاته، والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه؟ أو كيف يأتي؟ فليقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم كيفية ذاته! فليقل له: وكذلك لا تعلم كيفية صفاته!

فإن العلم بكيفية الصفة ينبع من العلم بكيفية الموصوف، وقد أطلق غير واحدٍ ممن حكى إجماع السلف منهم الخطابي: مذهب السلف أن صفاته تعالى تجري على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها 49.

يقول شيخ الإسلام: «وكذلك ما ورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام، ومن نزوله إلى الأرض لما خلقها، ومن نزوله لتكليم موسى عليه السلام وغير ذلك، كله من باب واحد، كقوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210] .

وقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] .

وقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} [الأنعام: 158] 50.

فمثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمرّ كما جاء ويؤمن بها، ويعتقد أنه حق، وأنه لا يشبه شيئًا من صفات المخلوقين، فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا 51.

فيكون معنى قوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210] .

أي: يأتيهم الله نفسه، هذا ظاهر الآية، ويجب المصير إليه؛ لأن كل فعل أضافه الله إليه فهو له نفسه، ولا يعدل عن هذا الظاهر إلا بدليل من عند الله.

ولأهل البدع في هذه الآية وجوهًا وتأويلات كلها باطلة، وهي خلاف منهج السلف في تفسير هذه الآية، أعرضنا عن ذكرها.

والمعنى الحق لها: هو إثبات إتيان الله عز وجل في ظلل من الغمام يوم القيامة للفصل بين عباده، وهو إتيان حقيقي يليق بجلاله، لا تعلم كيفيته، ولا يسأل عنها، كسائر صفاته، وما ذهب إليه أهل التعطيل من أن المراد بإتيان الله: إتيان أمره، فتحريف للكلم عن مواضعه، وصرف للكلام عن ظاهره بلا دليل، إلا ما زعموه دليلًا عقليًّا، وهو في الحقيقة وهمي، وليس عقليًّا؛ فنحن نقول: الذي نسب فعل الإتيان إليه هو الله عز وجل، وهو أعلم بنفسه، وهو يريد أن يبيّن لعباده، كما قال تعالى: {يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] .

وإذا كان يريد أن يبيّن، وهو أعلم بنفسه، وليس في كلامه عيٌّ، وعجز عن التعبير بما أراد، وليس في كلامه نقص في البلاغة، إذًا فكلامه في غاية ما يكون من العلم، وغاية ما يكون من إرادة الهدى، وغاية ما يكون من الفصاحة والبلاغة، وغاية ما يكون من الصدق، فهل بعد ذلك يمكن أن نقول: إنه لا يراد به ظاهره؟! كلا، لا يمكن هذا إلا إذا قال الله هو عن نفسه أنه لم يرد ظاهره. إذًا المراد إتيان الله نفسه، ولا يعارض ذلك أن الله قد يضيف الإتيان إلى أمره، مثل قوله تعالى: {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} [النحل: 1] .

ومثل قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] ؛ لأننا نقول: إن هذا من أمور الغيب، والصفات توقيفية، فنتوقف فيها على ما ورد، فالإتيان الذي أضافه الله إلى نفسه يكون المراد به إتيانه بنفسه، والإتيان الذي أضافه الله إلى أمره، يكون المراد به إتيان أمره؛ لأنه ليس لنا أن نقول على الله ما لا نعلم، بل علينا أن نتوقف فيما ورد على حسب ما ورد.

ومن احتج بنفي الظل عن الله تعالى بحجة أن إثبات الظل يلزم منه علو الشمس على الله تعالى، فقد أخطأ من جهتين:

الأولى: خطؤه على لغة العرب، وحصره الظل فقط بأثر الشمس للشاخص القائم، والظل في لغة العرب والقرآن يأتي لمعانٍ منها ما ذكرناه: وهو كل ما يكون فوقنا ويسترنا.

والثاني: توهّمه أن إثبات الظل لله تعالى يلزم منه تشبيه الخالق بالمخلوق، وهو في الحقيقة غير لازم.

فإثبات الظل بهذا المعني -أي: بمعنى أنه يكون فوقنا- لا يخالف فيه أحد من أهل السنة والجماعة، فمن لوازم إثبات علو الله على خلقه إثبات فوقية الله تعالى، وهذا يكون عامًا لجميع الخلق، فالله تعالى فوق خلقه بذاته مستوٍ على عرشه، فهو بهذا المعنى يظلّهم ولا شك.

فالله تعالى بهذا المعنى العام يظلّ العرش وغيره، فهوتعالى مستوٍ على العرش، بائن من خلقه، لا يخرج عن ظله شيء، فالشمس تحت الله ولا شك، ومن قال بأنها فوق الله تعالى فهو كافر.

والظّلل في قوله تعالى: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] : جمع (ظلّة) ، كظلم جمع ظلمة، والغمام: اسم جنس جمعي لغمامة، وهي السحاب الرقيق، وسمي بذلك لأنه يغم، أي: يستر.

فالظلة: هي ما يستر من الشمس أو غيره، فهي في غاية الإظلام والهول والمهابة؛ لما لها من الكثافة التي تغم على الرائي ما فيها، وتدمّر ما أتت عليه إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره إلا الله.

و (الغمام) قالوا: إنه السحاب الأبيض الرقيق، لكن ليس كسحاب الدنيا، فالاسم هو الاسم، ولكن الحقيقة غير الحقيقة؛ لأن المسميات في الآخرة، وإن شاركت المسميات في الدنيا في الاسم، إلا أنها تختلف، مثلما تختلف الدنيا عن الآخرة.

وفي تنكير (ظلل) إثبات عظمة الله عز وجل؛ لأنها تدل على أنها ظلل عظيمة وكثيرة؛ ولهذا جاء في سورة الفرقان: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان: 25] .

يعني: تثور ثورانًا بهذا الغمام العظيم من كل جانب، كل هذا مقدمة لمجيء الجبار سبحانه وتعالى، وهذا يفيد عظمة الباري سبحانه وتعالى.

وفي قوله تعالى: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] .

إشكال؛ لاقتضائه الظرفية، وهي مستحيلة على الله تعالى.

لكن قد أجاب على هذا الإشكال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، حيث قال: «قوله تعالى: {فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ} [البقرة: 210] .

(في) معناها (مع) ، يعني: يأتي مصاحبًا لهذه الظلل، وإنما أخرجناها عن الأصل الذي هو الظرفية؛ لأنا لو أخذناها على أنها للظرفية صارت هذه الظلل محيطة بالله عز وجل، والله أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته، ونظير ذلك أن نقول: جاء فلان في الجماعة الفلانية، أي: معهم، وإن كان هذا التنظير ليس من كل وجه؛ لأن فلانًا يمكن أن تحيط به الجماعة؛ ولكن الله لا يمكن أن يحيط به الظلل، وهذا الغمام يأتي مقدمة بين يدي مجيء الله عز وجل، كما قال تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان: 25] .

فالسماء تشقق لا تنشق، كأنها تنبعث من كل جانب.

وقيل: إن (في) بمعنى الباء، أي: يأتيهم بظلل من الغمام، وهي ظلل تحمل العذاب من الصواعق، أو الريح العاصفة، أو نحو ذلك، فتكون كقوله تعالى: {وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا} [التوبة: 52] .

وهذا قول باطل؛ لمخالفته ظاهر الآية.

فيكون في قوله: {مِنَ الْغَمَامِ} وجهان:

الأول: أنه متعلقٌ بمحذوف؛ لأنه صفةٌ لـ (ظلل) التقدير: ظللٍ كائنةٍ من الغمام، و (من) على هذا للتبعيض.

والثاني: أنها متعلقةٌ بـ (يأتيهم) ، وهي على هذا لابتداء الغاية، أي: من ناحية الغمام 52.

وتجلي الملائكة في ظلل من الغمام أمر مألوف، منه ما في الصحيح عن البراء رضي الله عنه قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين، فتغشّته سحابة فجعلت تدنو وتدنو، وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقال: (تلك السكينة تنزلت بالقرآن) 53.

وعن أسيد بن حضير قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده؛ إذ جالت الفرس، فسكت فسكتت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجترّه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدّث النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير) ، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: (وتدري ما ذاك؟) قال: لا، قال: (تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم) 5455.

وإسناد الإتيان إلى الملائكة؛ لأنهم الذين يأتون بأمر الله أو عذابه، وهم الموكل إليهم تنفيذ قضائه، فإسناد الإتيان إليهم حقيقة 56. ومتى يكون مجيء الملائكة؟ الظاهر أنه يوم القيامة، أو عند الموت 57.

رابعًا: التظليل على بني إسرائيل في الصحراء:

لما ذكر الله تعالى ما دفعه عن بني إسرائيل من النّقم، شرع يذكّرهم أيضًا بما أسبغ عليهم من النعم، فقال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} وورد ذلك في موضعين:

الأول: في سورة البقرة، حيث قال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] .

والثاني: في سورة الأعراف حيث قال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 160] .

وهذا التظليل من النعم على بني إسرائيل، والمعنى: جعلنا الغمام ظلة عليكم من حرّ الشمس.

وهذا هو الإنعام السابع الذي ذكره الله تعالى، وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بهذه الألفاظ في سورة الأعراف، وظاهر هذه الآية يدل على أن هذا الإظلال كان بعد أن بعثهم 58.

قال السعدي: «هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل ... ، ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال، وسعة الأرزاق، فقال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} [البقرة: 57] .

وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز، وغير ذلك» 59.

وذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم ... ، فعوقبوا في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في خمسة فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس 60.

وجاء في تفسير ابن كثير: «أنه لما دخل بنو إسرائيل التيه، قالوا لموسى عليه السلام: كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ فكان يسقط على الشجر الزنجبيل، والسلوى، وهو طائر يشبه السماني أكبر منه، فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كان سمينًا ذبحه وإلا أرسله، فإذا سمن أتاه، فقالوا: هذا الطعام فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟ فظلّل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا ينخرق لهم ثوب، فذلك قوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} ، وقوله: {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ} [البقرة: 60] » 61.

والظاهر أن الخطاب في قوله: {وَظَلَّلْنَا} لجميعهم ... ، وقيل: الذين ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل، وكان الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من عبد الله ثلاثين سنة، لا يحدث فيها ذنبًا أظلته الغمامة، وكان فيهم جماعة يسمون أصحاب غمائم؛ فامتن الله تعالى لكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة، والنعمة الباهرة 62. والأول أصوب.

وإنما خاطب الموجودين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى} [البقرة: 57] .

وأراد به آباءهم، وهم قوم موسى عليه السلام، ولكن لما كان ذلك منّةً على الآباء الذين هم أصلٌ، صار كأنه واقع على الأبناء 63.

ومعنى قوله: {وَظَلَّلْنَا} أي: جعلناه ظلًا عليكم، وكان ذلك في التيه حين تاهوا ... ، وما كان عندهم ماء ولا مأوى؛ ولكن الله تعالى رحمهم، فظلّل عليهم الغمام.

فيكون {وَظَلَّلْنَا} مفعول على إسقاط حرف الجر، أي: بالغمام، كما تقول: ظللت على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على إسقاط الحرف، ويكون المعنى: جعلناه عليكم ظللًا، فعلى هذا الوجه الثاني يكون فعل فيه، بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه، كقولهم: عدّلت زيدًا، أي جعلته عدلًا، فكذلك هذا معناه: جعلنا الغمام عليكم ظلة، وعلى الوجه الأول تكون (فعل) فيه بمعنى (أفعل) ، فيكون التضعيف أصله للتعدية، ثم ضمن معنى فعلٍ يعدّى بـ (على) ، فكان الأصل: وظللناكم، أي أظللناكم بالغمام ... ، ثم ضمن (ظلل) معنى كلل أو شبهه، مما يمكن تعديته بـ (على) ، فعداه بـ (على) 64.

يقول في التبيان: «أي: جعلناه ظلًا، وليس كقولك: ظللت زيدًا بظل؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن يكون الغمام مستورًا بظل آخر» 65.

و {الْغَمَامَ} : هو ما غمّ السماء فغطّاها من سحاب وقتام، وكلّ مغطٍّ فهو غمام، ومنه: غمّ الهلال، أي: غطاه الغيم، فهو اسم جنس جمعي للغمامة، واسم الجنس الجمعي هو الذي يفرق بينه وبين مفرده بالتاء المربوطة، أو ياء النسب، مثل: روم ورومي، فتكاثف الغمام في الصحراء حتى صار كمظلة تظلهم أينما ساروا، فلا يحسون بوهج الحر يلفح وجوههم.

قال ابن عثيمين في تفسيره: «الغمام: هو السحاب الرقيق الأبيض.

وقيل: السحاب مطلقًا.

وقيل: السحاب البارد الذي يكون به الجو باردًا، ويتولد منه رطوبة، فيبرد الجو، وهذا هو الظاهر» 66.

خامسًا: رفع الجبل فوق بني إسرائيل كأنه ظلة:

أخبر الله سبحانه وتعالى أنه رفع فوق بني إسرائيل الجبل كأنه ظلة، فقال: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] .

ونظيره: {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} [البقرة: 63 - 93] .

ونظيره أيضًا: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} [النساء: 154] .

وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى عليه السلام، رفع الله على رءوسهم جبلًا ثم ألزموا، فالتزموا وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم 67.

والمعنى: واذكر -أيها الرسول- إذ رفعنا الجبل فوق بني إسرائيل كأنه سحابة تظلّهم، وأيقنوا أنه واقع بهم إن لم يقبلوا أحكام التوراة.

و {نَتَقْنَا} : النتق: الفصل والقلع، والجبل: الطور، والناتق الرافع، والناتق الباسط، والناتق الفاتق، وامرأة ناتق ومنتاق: كثيرة الولد، وأخذ ذلك من نتق السقاء، وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه، ونتقنا الجبل: قلعه من أصله 68.

ويأتي النتق بمعنى: الرفع، فيكون معنى قوله: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ} أي: رفعناه، وهو كقوله: {وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ} [النساء: 154] .

وعن ابن عباس: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم 69.

والتشبيه في قوله: {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} أي: كهيئة الغمام، وجملة: {كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} حال من {الْجَبَلَ} في محل نصب 70.

وهذه آية أظهرها الله لهم تخويفًا لهم؛ لتكون مذكرة لهم، فيعقب ذلك أخذ العهد عليهم بعزيمة العمل بالتوراة، فكان رفع الطور معجزة لموسى عليه السلام؛ تصديقًا له فيما سيبلّغهم عن الله من أخذ أحكام التوراة بعزيمة ومداومة 71.

وقد ذكر الله في القرآن أشياء كثيرة من معجزات موسى عليه السلام ... ، منها هذه، وهي: إظلال الجبل {فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: 171] 72.

وقد قيل: إنما رفع الله تعالى الجبل فوقهم؛ إظلالًا لهم من الشمس؛ جزاءً لعهدهم، وكرامة لهم، ولا يخفى أن هذا خرق لإجماع المفسرين، وليس له مستند أصلًا 73.

وفي هذه الآية من الفوائد: عتوّ بني إسرائيل، حيث لم يؤمنوا إلا حين رفع فوقهم الطور كأنه ظلة، وظنوا أنه واقع بهم، فحينئذٍ آمنوا، وهذا الإيمان في الحقيقة يشبه إيمان المكره الذي قيل له: إما أن تؤمن أو تقتل.

وبيان قوة الله عز وجل وقدرته؛ لقوله تعالى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف: 171] .

فلا أحد من الخلق يستطيع أن يحمل ذلك الجبل، ويجعله ظلة لا يسقط عليهم إلا الله عز وجل؛ فالأحجار العظيمة الثقيلة الكبيرة أمسكها الله تعالى بقدرته.

سادسًا: انتقام الله من قوم شعيب بعذاب يوم الظلة:

بيّن الله تعالى أنه لما ظلم قوم شعيب عليه السلام، وكذّبوا رسولهم، وطفّفوا الكيل، وبخسوا الناس أشياءهم، انتقم الله منهم بعذاب يوم الظلة، وبيّن أن عذاب يوم الظلة عذابٌ عظيم، والظلة: سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم نارًا، فأحرقتهم.

فقال تعالى في قوم شعيب عليه السلام: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 189] .

فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيب عليه السلام ذكر الله تعالى في (الأعراف) أنه رجفة، وذكر في (هود) أنه صيحة، وذكر في (الشعراء) أنه عذاب يوم الظلة.

فالجواب: ما قاله ابن كثير رحمه الله في تفسيره، حيث قال: «وقد اجتمع عليهم ذلك كله، أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام منه» 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت