وقصة فرح قريش بنصر فارس على الروم وفرح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بنصر الله.
قال تعالى: (الم ?1?غُلِبَتِ الرُّومُ ?2?فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ?3?فِي بِضْعِ سِنِينَ ? لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ? وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ?4?بِنَصْرِ اللَّهِ ? يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ ? وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ?5?) [الروم:1 - 5] .
2.الأسلوب المباشر والأسلوب غير المباشر.
عرض القرآن الكريم الفرح بالأساليب المباشرة وغير مباشرة فمن الأساليب المباشرة فرح المؤمنين بما من الله عليهم من الهداية ومعرفة الحق.
قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَ?لِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58] .
ومن الأساليب غير مباشرة فرح مؤمني أهل الكتاب، كعبدالله بن سلام بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
قال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ?) [الرعد:36] .
فقد ذكر الله تعالى فرح الذين آتيناهم الكتاب ولم يذكر من هم بالأسلوب المباشر إنما كنى عنهم.
والأسلوب غير المباشر هو ذكر الشيء بذكر لوازمه، للتعبير عن المعنى، وهي باب من أبواب المجاز، وقد استخدمه النبي صلى الله عليه وسلم في وصف أبي الجهم حين استشارته فاطمه بنت قيس في خطبة أبي الجهم لها؟
فقال صلى الله عليه وسلم عنه: (أما أبو جهمٍ، فلا يضع عصاه عن عاتقه) 114، كناية عن كثرة ضربه للنساء.
3.أسلوب الوعد.
وهو فرح المؤمنين في الجنة بما أكرمهم الله به من الرضوان والنعيم المقيم.
قال تعالى: (فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [آل عمران:170] .
وقال سبحانه: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ) [الزخرف:70] .
وقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ) [الروم:15] .
4.أسلوب الترغيب.
القرآن الكريم ربى الأمة الإسلامية من خلال الترغيب في ثواب الله وجنته ورضوانه، رباهم على التخلص من الشح، وأن ينفقوا في سبيل الله، ويؤثروا على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن خلال الترهيب من غضب الله وعذابه، رباهم على التخلص من شهواتهم، وقد سلك في آياته أساليب متعددةً لتحقيق أهدافه، واتخذ وسائل متنوعةً للوصول إلى غاياته.
ومن اساليب الترغيب، قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَ?لِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58] .
ففضل الله ورحمته: القرآن والإيمان، من فرح به فقد فرح بأعظم مفروحٍ به، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه، ووضع الفرح في غير موضعه 115.
والفرح الإيماني هو فرح أهل الإيمان بما بعث الله به رسوله من الهدى والحق، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [الرعد:36] .
وهذا الفرح يعد من أعمال القلوب المطلوبة، ومن أعظم مقامات الإيمان.
يقول ابن تيمية: «أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وابتهاجها وسرورها، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) [الرعد:36] » 116.
ومما يدخل في هذا الفرح فرح المؤمن بالطاعة إذا عملها، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سرتك حسنتك، وساءتك سيئتك، فأنت مؤمن) 117.
والمتأمل في الشريعة يرى أنها ربطت الفرح بالطاعات، فكان عيد الفطر بعد الفراغ من صيام رمضان وقيامه، وكان عيد الأضحى عقب أداء مناسك الحج.
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (يقول الله عز وجل: الصوم لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي، والصوم جنةٌ، وللصائم فرحتان: فرحةٌ حين يفطر، وفرحةٌ حين يلقى ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) 118.
ويقول الإمام ابن القيم رحمه الله عن هذا الفرح: «وهذا فرح محمود غير مذموم، قال الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَ?لِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] .
ففضله: الإسلام والإيمان، ورحمته: العلم والقرآن، وهو يحب من عبده أن يفرح بذلك ويسر به، بل يحب من عبده أن يفرح بالحسنة إذا عملها، وأن يسر بها، وهو في الحقيقة فرح بفضل الله حيث وفقه الله لها، وأعانه عليها، ويسرها له، ففي الحقيقة إنما يفرح العبد بفضل الله وبرحمته.
ومن أعظم مقامات الإيمان الفرح بالله، والسرور به، فيفرح به إذ هو عبده ومحبه، ويفرح به سبحانه ربًا وإلهًا ومنعمًا ومربيًا» 119.
ثانيًا: الحديث عن الفرح المذموم:
1.الأسلوب القصصي.
قال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى? فَبَغَى? عَلَيْهِمْ ? وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) [القصص:76] .
هذه هي قصة المال والغرور بالعلم وكيف كان مآلهما بعد قصة الملك والسلطان وكيف كانت نهايتهما.
قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم مع أنه منهم، وعاش معهم ولكنه لم يرع لذلك كله حرمة أو جوارا، وبغى عليهم حتى جمع ذلك المال الوفير، وبغى عليهم بتكبره وطغيانه وظلمه لهم.
وآتاه الله من الأموال المنقولة والثابتة ما إن علمه والإحاطة به والمحافظة عليه لتنوء به العصبة من أولى العلم والقوة وكان قارون من قوم موسى، وكان ذا مال وفير، فقال له الصالحون من قومه لا تفرح وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض.
لا تفرح بدنياك فرحا مصحوبا بالبطر والأشر، والفتنة والغرور فالدنيا عرض زائل، وعارية مستردة يربح فيها من عرفها، ويخسر من اغتر بها لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. إن الله لا يحب الفرحين.
وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة نعم فالدنيا طريق الآخرة، هي المزرعة للباقية من زرع فيها الخير حصد، ومن أضاع عمره فيما لا يرضى ربه ندم والعاقل من طلب بدنياه آخرته، ومن ابتغى فيما آتاه الله الدار الآخرة والله سبحانه لا يطالبك بأن تعطى مالك كله، بل إن تنفق القليل طلبا لرضا الرب الجليل، ترجع بالخير الكثير والجزاء الجزيل.
ولا تنس نصيبك من الدنيا نعم فهذا هو الطريق الوسط والرأي الرشد، أن تعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، وتعمل لآخرتك كأنك تموت غدا، فليس من الدين الزهد في الدنيا حتى تتركها وتعيش عالة على غيرك، بل الدين يطالبك بالعمل والجد والغنى من طريق الحلال، فإذا جمعت المال فأعط حق الله فيه، ولا تنس نصيبك من الدنيا، أي: تمتع ببعضه بلا إسراف ولا تقتير، انظر إلى هذا النظام المحكم الدقيق الذي وضعه الحكيم البصير! وأحسن كما أحسن الله إليك والإحسان هو الإتقان في العمل، وهو يقتضى إعطاء كل ذي حق حقه.
ولا تبغ الفساد في الأرض بالظلم أو العسف أو الكبر أو الإضرار بالناس فكل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها، إن الله لا يحب المفسدين بأي شكل كان.
انظر إلى قارون وقد أبى أن يقبل هذا النصح- لأنه غير موفق- بل زاد عليه بقوله: قال: إنما أوتيته على علم عندي!! بمعنى أنه أوتى هذا المال لفضل علمه وكمال استحقاقه له، أو المعنى أنه أوتيه على علم عنده بوجوه الكسب وطرق الزيادة، وإنماء المال، كأنه قال إنما أوتيت هذا المال لفضل علمي وتمام مجهودي وتجاربي، فليس لأحد حق له في هذا المال، وكأنه ينكر إنعام الله عليه بتلك الأموال لاستحقاقه لها عن جدارة فهو حر التصرف.
ولقد رد الله عليه أبلغ رد حيث بين له حقيقة الأمر.
أعنده مثل هذا العلم الذي افتخر به وتعاظم، ورأى نفسه مستوجبة لكل نعمة، ولم يعمل به حتى يقي به نفسه مصارع السوء التي أهلك الله بها الطغاة المتجبرين الذين هم أشد منه قوة، وأكثر مالا وعددا، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون، وهكذا يجب على الإنسان ألا يغتر بماله، وأولاده وجموعه مهما كانت، فإن الله إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون، وليعلم المسلم أن الأيام دول، وأن الدهر قلب، وليعتبر بما حصل في الماضي، وليحصن ماله بالإنفاق.
هذا حال قارون مع ماله، وموقفه ممن وعظه، وغروره بنفسه واستمع إلى الناس، وقد انقسموا إلى فريقين: فريق ينظر نظرة سطحية، فتعميه الدنيا وزخارفها عن الوضع السليم والطريق المستقيم وآخر قد نور الله بصيرته فهو ينظر إلى الدنيا بعين العبرة والعظة، عين الرجل الفاهم للحقائق الذي لا تخدعه المظاهر الخلابة.
وقد جاءت نهاية قارون مؤيدة لما ذهب إليه أهل العلم والبصر بالدنيا والآخرة فخسف الله بقارون وبداره وبماله وبجموعه الأرض، فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله، ويمنعون عنه بأس الله وبطشه، حيث لم يعمل عملا صالحا يقربه إلى ربه، ولم يحصن ماله بالصدقة والزكاة، ولم يتقرب إلى الله وإلى الناس بترك الكبر والغرور والغطرسة، ولهذا كله كانت النتيجة أن ضاعت دنياه، وخسف الله به الأرض، والله على كل شيء قدير، وبعباده خبير بصير 120.
2.الأسلوب المباشر والأسلوب غير المباشر.
من الأسلوب المباشر قوله تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ? وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ) [الروم:36] .
وقوله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ?22?لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى? مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ? وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ?23?) [الحديد:22 - 23] .
من الأسلوب غير المباشر قوله تعالى وقال سبحانه: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ? وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ?26?) [الرعد:26] .
وإذا رسخ في قلب المسلم الاعتقاد الذي تقرره هذه الآية الكريمة والآيات الأخرى التي في معناها فلن يفرح فرح أشر وبطر بحصول النعمة ولكن فرح شكر وامتنان واعتراف بالفضل لمن أسداها وهو المولى سبحانه وتعالى، ولن يأسى على فوات أو زوال النعمة أسىً يذهب به كل مذهب، ويجعل الدنيا تضيق عليه بما رحبت، ولكنه سوف يسلم لله ويرضى بما قضاه، ولنفسه العزاء الأكبر.
3.أسلوب الوعيد.
توعد الله الذين يفرحون بالباطل، فقال سبحانه: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران:188] .
وهناك نوع آخر من الفرح المذموم، وهو أحد العلامات الدالة على النفاق، قال تعالى: (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ) [التوبة:81] .
وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (أن رجالًا من المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت(لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ? وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ) 121.
4.أسلوب الترهيب.
استخدم القرآن الكريم اسلوب الترهيب للدلالة على الفرح المذموم، وأهله أولئك المعاندون للرسل عليهم الصلاة والسلام، وفي هذا النوع من الفرح.
يقول تعالى: (فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ?83?) [غافر:83] .
ويقول سبحانه: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ? كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) [المؤمنون:53] .
ويقول سبحانه: (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ?31?مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ? كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ?32?) [الروم:31 - 32] .
وفي هذه الآيات يخبر المولى عز وجل عن المعاندين لرسله، وكيف أنهم أعرضوا عما جاءت به الرسل من الحق فرحين بما عندهم من العلم الذي هو في حقيقته جهل، وبما لديهم من شبهات وأباطيل يعارضون بها دعوة الحق التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام 122.
5.الإخبار بحال الكافرين والمنافقين.
أخبر القرآن الكريم عن فرح الكافرين والمنافقين بما يصيب المؤمنين من مصائب الدنيا.
قال تعالى: (إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا) [آل عمران:120] .
وقال سبحانه: (? وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) [التوبة:50] .
هذا أسلوب من نوع آخر من كيد المنافقين ومن خبث بواطنهم للإسلام والمسلمين، والمعنى: إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفرا، أو كان غنيمة، أو كان انقيادا من بعض ملوك الأطراف لك، يسؤهم ذلك، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن مقام التحدث بذلك، والاجتماع له إلى أهاليهم، وهم فرحون مسرورون 123.
الأصل في الفرح الإباحة: لقوله صلى الله عليه وسلم (ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم، فهو حرام، وما سكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله العافية، فإن الله لم يكن نسيًا، ثم قرأ هذه الآية(وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم:64] ) 124.
فالأصل في الأشياء الإباحة حتى يدل الدليل على التحريم 125.
وأما الضوابط الشرعية في الفرح:
أولًا: ألا يكون الفرح فيه استهزاء بالدين:
الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه ويجعله مرتدًا عن الإسلام 126.
قال الله تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ? قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ? إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [التوبة: 65 - 66] .
فبعض المسلمين يطلقون نكتة أو نادرة فيها استهزاء ببعض شعائر الإسلام وفرائضه، أو يتمازح وهو في معصية دون أن يعلم أن ذلك جرمٌ عظيمٌ قد يؤدي به إلى الكفر والعياذ بالله، مثل الاستهزاء ببعض السنن على سبيل المزح، وببعض الأحكام الشرعية كتقصير الثوب وإعفاء اللحية أو الصلاة والصوم وغيرها.
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «من أذنب ذنبًا وهو يضحك دخل النار وهو يبكي» 127.
ثانيًا: أن يكون صادقًا في إفراح الناس ولا يكذب عليهم:
اعتاد بعض الناس ذكر الطرائف الكاذبة بقصد إضحاك الناس. قال رسول صلى الله عليه وسلم: (ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له) 128.
وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة ليضحك بها جلساءه يهوي بها في النار أبعد من الثريا) 129.
ولا شك أنهم وقعوا في ذلك بسبب الفراغ وضعف الإيمان والبعد عن ذكر الله تعالى، ومصاحبتهم لجلساء السوء الذين يزينون لهم بعض المحرمات.
عن جابر بن سمرة كنت أجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا، وكان لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، فكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويبتسم 130.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قدم عبادة الله تعالى على الفرح كما ظهر من الحديث.
ثالثًا: ألا يكون في فرحه سخرية واستهزاء بالناس:
السخرية والاستهزاء بالناس من الكبائر، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى? أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى? أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ? وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ? بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ? وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?11?) [الحجرات:11] .
قال ابن كثير: «المراد من ذلك احتقارهم واستصغارهم والاستهزاء بهم، وهذا حرام، ويعد من صفات المنافقين» 131.
ويقول الطبري: «اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان» 132.
وعن الحسن: (إن المستهزئين بالناس ليفتح لأحدهم باب الجنة فيقال: هلم، فيجيء بكربه وغمه، فإذا جاء أغلق دونه) 133.
ولقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السخرية بالمسلمين فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا) ويشير إلى صدره ثلاث مراتٍ (بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرامٌ، دمه، وماله، وعرضه) 134.
رابعًا: أن لا يكون في فرحه ترويع للمسلمين:
قال ابن أبي ليلى: «حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلم أن يروع مسلمًا) 135.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبًا ولا جادًا) 136.
لقوله: صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) 137.
والقاعدة الشرعية: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام 138.
خامسًا: ألا يكثر من الفرح المباح:
ينبغي ألا يداوم على الفرح؛ لأن الجد سمات المؤمنين، وما الفرح إلا رخصة وفسحة لاستمرار النفس في أداء واجبها، فبعض الناس لا يفرق بين وقت الجد واللعب. فمن الغلط العظيم أن يتخذ الفرح حرفة» 139.
قال تعالى: (. وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ) [النجم:60] .
والمذموم من الضحك ما كان مصحوبًا بصوت ويسمى القهقهة، وذلك لما يترتب عليه من آثار سيئة، كموت القلب وذهاب الهيبة وضياع الوقت.
قال الماوردي: «وأما الضحك فإن اعتياده شاغل عن النظر في الأمور المهمة، مذهل عن الفكر في النوائب الملمة وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وصم به خطر ولا مقدار» 140.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من كثر ضحكه قلت هيبته. وقال علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: إذا ضحك العالم ضحكةً مج من العلم مجةً 141.
وعن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: مال هذا الكتاب (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ?) [الكهف:49] .
«إن الصغيرة الضحك» 142.
سادسًا: ألا يكون الفرح فيه غيبة:
قال النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الغيبة (ذكرك أخاك بما يكره) 143.
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ? وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ? أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ?12?) [الحجرات:12] .
وما أروع هذا التمثيل حيث يقول الله: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا) وحقا من ولغ في العرض فكأنه أكل اللحم من أخيه وهو ميت لا يقدر على رده، وكذلك المغتاب في غيبة أخيه ينهش من عرضه وهو لا يستطيع رده، فهذا أسلوب غاية في التنفير من الغيبة، ثم أتبع ذلك ربنا جل جلاله بقوله: فكرهتموه فقد صور المغتاب بصورة من يحب شيئا، حقه أن يكون في غاية الكراهية وهو أكل لحم الأخ، وزاده أن صوره بصورة الميت، وحقه أن يكون منه أنفر 144.
فالغيبة عادة مرذولة، وصفة مستهجنة، كثيرا ما أودت بالصلات، وأثارت الأحقاد، وشتتت من جمع، وفرقت من شمل، وهي مع هذا عذابها شديد وعقابها أليم، وهي بالفساق أولى فاتقوا الله واجتنبوها وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم 145.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان فتقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك: فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا) 146.
«الغيبة تباح لغرض صحيح شرعي لا يمكن الوصول إليه إلا بها وهو ستة أسباب فهو سماها غيبة يقول: تباح، لكن في الحقيقة هي ليست غيبة هذه: نصيحة، لكن لما كان بعض الناس يرى أنها غيبة تسامح في إطلاق الغيبة عليها وعلى فرض أنها غيبة فإنها مباحة بل واجبة.
الأول: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية، أو قدرة على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمني فلان بكذا.
الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر: فلان يعمل كذا، فازجره عنه ونحو ذلك ويكون مقصوده التوصل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك كان حرامًا.
الثالث: الاستفتاء، فيقول للمفتي: ظلمني أبي، أو أخي، أو زوجي، أو فلان بكذا، فهل له ذلك؟ وما طريقي في الخلاص منه، وتحصيل حقي، ودفع الظلم؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، ولكن الأحوط والأفضل أن يقول: ما تقول في رجل أو شخص، أو زوج، كان من أمره كذا، فإنه يحصل به الغرض من غير تعيين ومع ذلك، فالتعيين جائز كما سنذكره في حديث هند إن شاء الله تعالى.
الرابع: تحذير المسلمين من الشر ونصيحتهم، وذلك من وجوه:
منها: جرح المجروحين من الرواة والشهود، وذلك جائز بإجماع المسلمين، بل واجب للحاجة.
ومنها: المشاورة في مصاهرة إنسان، أو مشاركته، أو إيداعه، أو معاملته، أو غير ذلك، أو مجاورته، ويجب على المشاور أن لا يخفي حاله، بل يذكر المساوئ التي فيه بنية النصيحة.
ومنها: إذا رأى متفقها يتردد إلى مبتدع، أو فاسق يأخذ عنه العلم، وخاف أن يتضرر المتفقه بذلك، فعليه نصيحته ببيان حاله، بشرط أن يقصد النصيحة، وهذا مما يغلط فيه. وقد يحمل المتكلم بذلك الحسد، ويلبس الشيطان عليه ذلك، ويخيل إليه أنه نصيحة فليتفطن لذلك.
ومنها: أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحا لها، وإما بأن يكون فاسقا، أو مغفلا، ونحو ذلك فيجب ذكر ذلك لمن له عليه ولاية عامة ليزيله، ويولي من يصلح، أو يعلم ذلك منه ليعامله بمقتضى حاله، ولا يغتر به، وأن يسعى في أن يحثه على الاستقامة أو يستبدل به.
الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالمجاهر بشرب الخمر، ومصادرة الناس، وأخذ المكس؛ وجباية الأموال ظلما وتولي الأمور الباطلة، فيجوز ذكره بما يجاهر به؛ ويحرم ذكره بغيره من العيوب، إلا أن يكون لجوازه سبب آخر.
السادس: التعريف، فإذا كان الإنسان معروفا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأعمى، والأحول، وغيرهم جاز تعريفهم بذلك، ويحرم إطلاقه على جهة التنقص، ولو أمكن تعريفهم بغير ذلك كان أولى» 147.
سابعًا: ألا يكون الفرح في تبذير للمال:
قال تعالى وَآتِ ذَا الْقُرْبَى? حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ?26?إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ? وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) [الإسراء:26 - 27] .