إن الله سبحانه يسأل الرسل عن إبلاغ الرسالة، ويسأل المرسل إليهم عن وصولها لإقامة الحجة والبينة والبرهان على وصول الرسالة وتبليغها بأحسن بيان.
قال تعالى: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص: 47] .
فالاحتجاج بانتفاء البلاغ سائغ، فكان سؤال الرسل عن الرسالة حجة في وصولها إلى المرسل إليهم، وكان سؤال المرسل إليهم عنها للتقرير والتبكيت.
قال سبحانه: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى? هَ?ؤُلَاءِ شَهِيدًا ?يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى? بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا) [النساء: 41 - 42] .
وقدم سبحانه سؤال المرسل إليهم، ليكون جواب الرسل عن الرسالة شهادة عليهم، كما في قوله سبحانه: (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ(6 ) ) [الأعراف: 6] .
قال الزجاج: العَهْدُ كل ما عُوهِدَ اللَهُ عَلَيْه، وكل ما بينَ العِبَادِ من المواثيق فهِيَ عُهُود 111.
وقد صرح القرآن بالسؤال عن العهد؛ فقال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ? إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء: 34] .
قال ابن عاشور: أمروا بالوفاء بالعهد، والتعريف في العهد للجنس المفيد للاستغراق 112؛ فيشمل العهد مع الله ومع الناس. فيدخل في ذلك ما بين العبد وربه، وما بين العباد بعضهم البعض. وقد رتب سبحانه على الوفاء بالعهد أجزل العطاء، كما رتب على إخلافه أشد الوعيد.
قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ? فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 10] .
وقال سبحانه: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد: 25] .
وتفصيل ذلك كالتالي:
المراد بعهد الله: كل عهد يوثقه الإنسان مع ربه 113.
وفي القرآن أتى الأمر واضحًا جليًا بالوفاء بعهد الله؛ قال سبحانه: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) [الأنعام: 152] .
أي: أوفوا بوصية الله التي أوصاكم، بأن تطيعوه فيما أمركم به ونهاكم، وأن تعملوا بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فبهذا يكون الوفاء بعهد الله 114.
وأتى التحذير والوعيد والتهديد من الإخلال بالعهد بأن الله عز وجل سيسأل عن عهده سبحانه الذين عاهدوه 115.
قال عز من قائل: (وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولا) [الأحزاب: 15] .
وقد تضمنت الآية مع التهديد: الوعد والتأكيد بأن الله سائل عن العهد لا محالة 116، وأن سؤاله سبحانه عن العهد يكون تبكيتًا لناقضه 117.
قال الطاهر بن عاشور: وعهد الله المأمور بالإيفاء به هو كل عهد فيه معنى الانتساب إلى الله الذي اقتضته الإضافة، إذ الإضافة هنا يصح أن تكون إضافة المصدر إلى الفاعل، أي: ما عهد الله به إليكم من الشرائع، ويصح أن تكون إلى مفعوله، أي: ما عاهدتم الله أن تفعلوه والتزمتموه وتقلدتموه، ويصح أن تكون الإضافة لأدنى ملابسة، أي: العهد الذي أمر الله بحفظه، وحذر من ختره، وهو العهود التي تنعقد بين الناس بعضهم مع بعض سواء كان بين القبائل أم كان بين الآحاد.
ولأجل مراعاة هذه المعاني الناشئة عن صلاحية الإضافة لإفادتها عدل إلى طريق إسناد اسم العهد إلى اسم الجلالة بطريق الإضافة دون طريق الفعل، بأن يقال: وبما عاهدتم الله عليه، أو نحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدًا.
وإذ كان الخطاب بقوله: (تعالوا) للمشركين تعين أن يكون العهد شيئا قد تقررت معرفته بينهم، وهو العهود التي يعقدونها بالموالاةوالصلح أو نحو ذلك، فهو يدعوهم إلى الوفاء بما عاقدوا عليه. وأضيف إلى الله لأنهم كانوا يتحالفون عند التعاقد ولذلك يسمون العهد حلفًا.
فالآية آمرة لهم بالوفاء، وكان العرب يتمادحون به. ومن العهود المقررة بينهم: حلف الفضول، وحلف المطيبين، وكلاهما كان في الجاهلية على نفي الظلم والجور عن القاطنين بمكة، وذلك تحقيق لعهد الله لإبراهيم عليه السلام أن يجعل مكة بلدًا آمنا ومن دخله كان آمنًا.
وقد اعتدى المشركون على ضعفاء المؤمنين وظلموهم مثل عمار، وبلال، وعامر بن فهيرة، ونحوهم، فهو يقول لهم فيما يتلو عليهم أن خفر عهد الله بأمان مكة، وخفر عهودكم بذلك أولى بأن تحرموه من مزاعمكم الكاذبة فيما حرمتم وفصلتم، فهذا هو الوجه في تفسير قوله: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا) وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بأمر العهد وصرف ذهن السامع عنه، ليتقرر في ذهنه ما يرد بعده من الأمر بالوفاء، أي: إن كنتم ترون الوفاء بالعهد مدحة فعهد الله أولى بالوفاء وأنتم قد اخترتموه 118.
والقرآن يخبرنا عن أصناف من الناس عاهدوا الله من عند أنفسهم ابتداء، لئن آتاهم من فضله ليتصدقن، يرجون بذلك نواله وفضله.
قال سبحانه: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) [التوبة: 75] .
لكنهم أخلفوا عهدهم فأعقبهم الله سبحانه وتعالى نفاقًا في قلوبهم جزاء وفاقًا.
قال سبحانه: (فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى? يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [التوبة: 76 - 77] .
فدل على أن ما يلتزمه الإنسان من عمل البر بنذر أو يمين فهو عهد عاهد ربه عليه 119.
وبين القرآن أن من نقض العهد مع اللهإنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك، كما في الآية السابقة، وكما في قوله تعالى: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى? نَفْسِهِ ? وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 10] .
وبين في موضع آخر: أن نقض الميثاق والعهد يستوجب اللعن، وذلك في قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) [المائدة: 13] 120.
وجزاءه سبحانه عن الوفاء بالعهد: توفيه الموفين بعهدهم معه سبحانه الجزاء الفاضل الذي وعدهم حال الوفاء بعهده، فجعله كالعهد منه سبحانه الذي يقابل العهد.
قال سبحانه: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: 40] .
قال القرطبي: قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) أمر وجوابه، وعهد الله المذكور هنا قيل: هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكرمحمدصلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره، وهذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة. وما طلب من بني إسرائيل من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا - أمة محمد صلى الله عليه وسلم- فقال الله تعالى: (ڑ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، وقال سبحانه: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ) 121.
ومع أن وفاءه سبحانه بعهده ووعده تفضل منه سبحانه إلا أنه أتى به في صورة جواب الشرط ويدل على اللزوم، قال الطبري: وقد كان بعض أهل العربية يوجه معنى قوله: (وَعْدًا مَسْئُولا) من قوله سبحانه: (هُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ ? كَانَ عَلَى? رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) [الفرقان: 16] .
إلى أنه معني به: وعدًا واجبًا، وذلك أن المسئول واجب، وإن لم يسأل كالدين، ويقول: ذلك نظير قول العرب، لأعطينك ألفًا وعدًا مسئولًا، بمعنى واجب لك فتسأله. وعن ابن عباس (كَانَ عَلَى? رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا) قال: فسألوا الذي وعدهم وتنجزوه 122.
فالوفاء بالعهد مع الله يأتي بالكرامة، ويكون عاقبة السؤال عليه خيرًا، أما الحنث والنكث فإن السؤال عن العهد به يكون تبكيتًا للمسؤول، والإخبار عن ذلك في القرآن تخويف وتحذير من النكث بالعهد مع الله سبحانه.
إن القرآن كما يخبر عن السؤال عن العهد مع الله سبحانه، يشير إلى السؤال عن العهد مع الناس.
قال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34] .
والوفاء بالعهد مع الناس من مكارم الأخلاق ومحاسن الخلال التي لا خلاف فيها بين أهل العقول، لذلك فإن ربنا سبحانه يوصي ويوجب على أمة الإسلام الوفاء بالعهد، ويحذر سبحانه من النكوث بالعهود، وعدم الوفاء بالعقود، وأبلغ التحذير جعل العهد مسؤولًا عنه، محاسبًا عليه.
قال الإمام أحمد رحمه الله: العهد شديد في عشرة مواضع من كتاب الله، وذكر: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} 123.
وفي موضع آخر من القرآن قال سبحانه: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) } [النحل: 91] .
وهو أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، وظاهر الآية أن عهد الله المذكور شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين الناس 124.
قال القرطبي: قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ} لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان ويلتزمه الإنسان بالعدل والإحسان 125.
والقرآن ينبه إلى ضرورة الوفاء بالعهد والعقد، والذي ينشأ بموجبه حقٌ للمعاهد، لاسيما إذا كان مؤكدًا وموثقًا بالأيمان، ويحذر من نقضه بعد توثيقه بالأيمان وتغليظه بأن جعل الله سبحانه عليه راعيًا، فأمر بعدم مخالفة الأمر الذي تم التعاقد عليه، ونهى عن الحنث في الأيمان المبرمة المؤكدة 126.
ونقض الأيمان: إبطال ما كانت لأجله، فالنقض إبطال المحلوف عليه لا إبطال القسم، فجعل إبطال المحلوف عليه نقضًا لليمين في قوله: {وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ} تهويلًا وتغليظًا للنقض؛ لأنه نقض لحرمة اليمين.
و {بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} زيادة في التحذير، وليس قيدًا للنهي بالبعدية، إذ المقصود أيمان العهد والبيعة، و (بعد) هنا بمعنى (مع) ، إذ أثرهما واحد هنا، وهو حصول توثيق الأيمان وتوكيدها، كقوله تعالى: {بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات: 11] .
وقوله: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [الرعد: 25] .
والتوكيد: التوثيق وتكرير الفتل 127.
وفي قوله سبحانه: {وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا} [الأنعام: 152] .
أشار بعض أهل التفسير إلى أن العهد هنا عام في جميع ما عهده الله إلى عباده. واحتمال أن يراد به العهود بين الناس، وإضافة ذلك العهد إلى الله سبحانه هو من حيث كونه من أمر بحفظه والوفاء به 128.
والوفاء بالعهد: هو القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون المرضي، إلا إذا دل دليل خاص على جواز النقض 129.
والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسول الله، فإن خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل 130.
ثالثًا: القرآن:
القرآن بيان للرسول وللأمة فيما بها إليه حاجة، وهو تذكرة بأمر الدين والعمل به، وهو شرف لمن عمل به، والقرآن مسؤول عنه.
قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} [الزخرف: 44] .
قوله: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ} يعني: القرآن؛ كما قال تعالى: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ} [الأنبياء: 50] .
وقال تعالى: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} [ص: 1] .
فالقرآن ذكر وذو ذكر. وأرجح الأقوال في معنى كون القرآن ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ولقومه: أن القرآن شرف لك ولمن عمل به ممن اتبعك من أمتك؛ فقد قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] .
فيبعد أن يكون فيه شرف لقومه صلى الله عليه وسلم الكافرين، لإخباره سبحانه أن القرآن لا يزيد الظالمين إلا خسارًا والشرف خلاف الخسران. فإن كان ثمة تنويه فالمؤمنون أحق به.
وقد جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين) .
ومنها كذلك: أن القرآن بيان لك ولأمتك فيما بكم إليه حاجة. وتذكرة تذكرون به أمر الدين وتعملون به 131.
إن القرآن هو ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يستمسك بالذي أوحي إليه، ولا يعبأ باستجابة قومه له، مهما كان اختيارهم، وأي مصير من مصائر السابقين كان مآلهم. وهو تذكير لقومه بمآل السابقين، وأحوال الكافرين، ومصائر المكذبين، وقضاء الله سبحانه فيهم. وسيكون السؤال للرسول عن البلاغ، وسيكون السؤال لقومه المرسل إليهم عن إجابتهم وعن وصول هذه التذكرة إليهم؛ كما قال سبحانه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) } [الأعراف: 6] .
فالمعنى الظاهر هو: أن القرآن تذكير لك ولقومك، ولا يعني تخصيص قومه بالذكر نفي من سواهم، كقوله تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10) } [الأنبياء:10] .
وكقوله تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) } [الشعراء:214] .
وسوف تسألون عن هذا القرآن وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له 132.
وقيل: سوف تسألون عن الشكر عليه وقيل: تسألون أنت ومن معك على ما آتاك وقيل: تسألون عما عملتم به 133.
وكل هذه المعاني ترجع إلى أن القرآن مسؤول عنه، يسأل عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ويسأل عنه من استجاب له وعمل به، ومن أعرض عنه وصد كل بحسب حاله؛ فأما المستجيبون فيسألون عن مقدار استجابتهم، والإخبار عن السؤال في حقهم حض وحفز للعمل، وأما من أعرض وصد فالإخبار عن السؤال في حقه تهديد ووعيد، وسؤاله عن القرآن سؤال توبيخ وزجر وتقريع 134.
وكما قرر القرآن سؤال أمة الدعوة والإجابة عن القرآن وما فيه من الذكر والتذكرة، فإنه قرر كذلك سؤال المكذبين به الذين عابوه، وسخروا منه.
قال سبحانه: {كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (91) فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) } [الحجر: 90 - 93] .
قيل: إن المقتسمين هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمن كل منهم ببعض الكتاب الذي أنزل إليهم وكفروا ببعضه، وكفر اليهود بالإنجيل، وكفروا جميعًا بالقرآن.
وقيل: سمي أهل الكتاب بالمقتسمين، لأن بعضهم كان يقول لبعض استهزاء بالقرآن هذه السورة لي ويقول الآخر هذه السورة لي.
وقيل: إن المقتسمين قوم صالح الذين تقاسموا بالله ليبيتنه وأهله -وهو بعيد-.
وقيل: هم كفار قريش اقتسموا طرق مكة ومداخلها ليصدوا الناس عن الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوته بأن يقول فريق منهم للقادمين للحج والحرم: هو شاعر، وآخرون: هو ساحر، وفريق ثالث: هو كاهن.
وقيل: لأنهم -كفار قريش- اقتسموا القرآن بأن سماه بعضهم شعرًا، وبعضهم كهانة، وبعضهم أساطير الأولين 135.
وقال آخرون: {الْمُقْتَسِمِينَ} المتحالفين 136.
و {عِضِينَ} أي: أعضاء متفرقة، بمعنى قسموه أوزاعًا فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، فهو كقوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم: 32] .
وقيل: {عِضِينَ} بمعنى مقذوفًا ببهتان، وهو قول الكفار: شعر، كهانة، وسحر. وقيل معناه: السحر 137.
والظاهر أن السؤال في حق كل هؤلاء قائم، فإن معظم الكفار كانوا يقرون ببعض ما في القرآن مع كفرهم به، فهم يقرون بأن الله هو الرب الخالق الرازق المدبر؛ كما قال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61) } [العنكبوت: 61] .
بل إنهم يقرون بأن الله سبحانه خلقهم هم أنفسهم؛ قال سبحانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87) } [الزخرف: 87] .
وأقر آخرون بأن ما في القرآن موافق لما في الكتب السماوية التي قبله لكنهم قالوا إن الذي يعلم رسول الله بشر عنده علم الكتاب؛ قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103) } [النحل: 103] .
فرد عليهم القرآن فريتهم.
وعلى هذا فإن السؤال يمكن أن يكون شاملًا لكل من عضه القرآن، فإنهم جميعًا تحالفوا على حربه فقذفوه بالبهتان، بأن قال بعضهم: هو كلام بشر، وقال آخرون: هو شعر أو كهانة أو سحر، والله سبحانه سائلهم جميعًا عن أعمالهم تلك سؤال زجر وتبكيت وتقريع. كما قال سبحانه: {وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50) } [الأنبياء: 50] .
رابعًا: الجوارح:
إن الجوارح هي نعم من نعم الله الكثيرة الجليلة على عباده، وهي أدوات العمل ووسائل إنفاذ الإرادة، والله سبحانه قرر في كتابه العزيز أنه سائل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده 138؛ قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
والقفو في اللغة هو اتباع الأثر يقال: قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت أثره وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار، مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور أي: يكون في أقفائها يتبعها ويتعرفها. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون الإنسان هو المسئول عن السمع والبصر والفؤاد؛ لأنه يعمل بها إلى الطاعة والمعصية.
الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد تسأل عن الإنسان؛ ليكونوا شهودًا عليه أو له بما فعل من طاعة وما ارتكب من معصية 139.
وقوله: {كُلُّ أُولَئِكَ} أي: كل هذه الجوارح والأعضاء. وعلى القول الأول يرجع (أولئك) إلى أربابها 140.
إن الجوارح رعية استرعاها الله الإنسان، وهي شاهدة عليه تنطق بما عمل بها. لذلك فإنه ينبغي للإنسان أن يحرص أشد الحرص ألا يفتري الكذب ويشهد الزور، فيقول رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم، فإن الله تبارك وتعالى سائل هذه الأعضاء عما قال صاحبها وادعاه، من أنه سمع أو أبصر أو علم، فتشهد عليه جوارحه عند ذلك بالحق 141.
ويحتمل أن يكون المقصود النهي عن تقفي وتتبع وتعرف الأخبار وأحوال الخلق، فإن السمع والبصر أدوات تتبعها، والفؤاد أداة تعقلها وتدبرها وتخيلها، فيكون النهي عن القصد وهو تقفي الأخبار والعورات، ويكون التحذير عن إعمال أدواته وهي السمع والبصر في التتبع، والفؤاد في الإدراك، والله أعلم.
يدل السؤال عن الجوارح على النهي عن القول بلا علم، وعن سماع اللغو وعن النظر إلى الحرام، والحكم على الظن، وأنه سبحانه يسأل العبد عن أعضائه يوم القيامة، فيشهدن عليه 142.
ونظيره قوله سبحانه في حادثة الإفك عمن تساهلوا في النقل والتحدث بما لم يتثبتوا منه: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور: 15] .
فإن أولئك اتبع بعضهم أثر بعض، وحكى بعضهم عن بعض تقليدًا 143. كذلك نهى ربنا سبحانه عن تتبع الأخبار والعورات، وإطلاق أدواتها، ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته) 144.
فالجوارح والحواس والقلب والعقل جميعًا أمانة يسأل الله سبحانه وتعالى عنها يوم القيامة 145، كما تسأل الجوارح عن عمل الإنسان وتشهد عليه، فهي رعية ضمن ما استرعاه الله سبحانه وتعالى، وحذر من هذه المسؤولية وأكد عليها بإثبات السؤال عنها يوم القيامة 146.
وفي الحديث عن شكل بن حميدٍ، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، علمني تعوذًا أتعوذ به، قال: فأخذ بكتفي، فقال: (قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منيي) يعني: فرجه 147.
وليس في آية سورة النور السابقة دليل لمن يبطل الاجتهاد، لأن الاجتهاد يفضي إلى نوع من العلم، كما قال ربنا سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [الممتحنة: 10] .
فأقام سبحانه غالب الظن القائم على البحث والتحري والتثبت -أي: الاجتهاد- مقام العلم وأمر بالعمل به 148.
خامسًا: الأقوال والأعمال:
يمثل الإتيان بالأقوال والأعمال والكف عنها القسم العملي من التكليف، والفعل والكف جميعه مسؤول عنه، فيؤجر الإنسان على ما وافق من ذلك الشرع، ويأثم ويعاقب على ما خالفه.