قال الله تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ?7?رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ? إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?8?وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ ? وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?9?) [غافر: 7 - 9] .
يخبر تعالى عن كمال لطفه تعالى بعباده المؤمنين، وما قيض لأسباب سعادتهم من الأسباب الخارجة عن قدرهم، من استغفار الملائكة المقربين لهم، ودعائهم لهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم، وفي ضمن ذلك: الإخبار عن شرف حملة العرش ومن حوله، وقربهم من ربهم، وكثرة عبادتهم ونصحهم لعباد الله، لعلمهم أن الله يحب ذلك منهم 61.
أخبر سبحانه وتعالى أنه أوحى إلى الملائكة أن يقووا عزائم المؤمنين.
قال تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ?) [الأنفال: 12] .
قال ابن إسحاق: وازروهم.
وقال غيره: قاتلوا معهم، وقيل: كثروا سوادهم، وقيل: كان ذلك بأن الملك كان يأتي الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيقول سمعت هؤلاء القوم، يعني: المشركين يقولون: والله لئن حملوا علينا لننكشفن، فيحدث المسلمون بعضهم بعضًا بذلك، فتقوى أنفسهم 62.
قال ابن القيم رحمه الله عن علاقة الملائكة بالإنسان في معنى جامع: «والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره لهم وله شأن آخر؛ فإنهم موكلون بتخليقه، ونقله من طور إلى طور، وتصويره، وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه، وعمله، وأجله، وشقاوته، وسعادته، وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله، وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره.
وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ، وبعد البعث.
وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب، وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله، والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة.
وهم الذين يرونه في منامه ما يخافه ليحذره، وما يحبه ليقوى قلبه، ويزداد شكرًا.
وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر، ويحذرونه منه.
فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته، ومعلموه، وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له.
وهم الذين يصلون عليه مادام في طاعة ربه، ويصلون عليه مادام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله تعالى في منامه، وعند موته، ويوم بعثه.
وهم الذين يزهدونه في الدنيا، ويرغبونه في الآخرة، وهم الذين يذكرونه إذا نسى، وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع.
وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته» 63.
7.عدد الملائكة.
عدد الملائكة لا يحصيه إلا الله، ومنهم خزنة النار الذين قال الله فيهم: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ? وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ? وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ? وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَ?ذَا مَثَلًا ? كَذَ?لِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ? وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ? وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى? لِلْبَشَرِ) [المدثر: 31] .
والمعنى: ما جعلنا عددهم هذا العدد المذكور في القرآن إلا ضلالة ومحنة لهم، حتى قالوا ما قالوا ليتضاعف عذابهم، ويكثر غضب الله عليهم 64.
فيجب الإيمان بالملائكة الذين ذكروا في القرآن الكريم وفي السنة النبوية و بالأعمال التي أوكلوا بها.
الإيمان بالكتب: هو التصديق بكل ما أنزل على الأنبياء الذين تضمن ذكرهم كتاب الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، أو ما أخبر هو به 65.
فالواجب على المؤمن: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على رسله، ما سمى الله منها وما لم يسم.
أما الذي يؤمن بكتابٍ ويكفر بالكتب الأخرى فهذا كافرٌ بالجميع.
ومن هذه الكتب: القرآن، والتوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها التوراة والإنجيل والقرآن، وأعظم الثلاثة وناسخها وأفضلها هو القرآن.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى? رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ? وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) [النساء: 136] . يعني بذلك جل ثناؤه: «صدقوا بالله، وبمحمد رسوله، أنه لله رسول مرسل إليكم وإلى سائر الأمم قبلكم، وصدقوا بما جاءكم به محمد من الكتاب الذي نزله الله عليه، وذلك القرآن، وآمنوا بالكتاب الذي أنزل الله من قبل الكتاب الذي نزله على محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل» 66. وقيل: المراد بالكتاب الثاني الجنس المنتظم لجميع الكتب السماوية» 67.
فالإيمان بالقرآن والكتب السابقة له ركن، «لا يكون العبد مؤمنًا إلا به، إجمالًا فيما لم يصل إليه تفصيله وتفصيلًا فيما علم من ذلك بالتفصيل» 68.
الكتب المذكورة في القرآن:
التوراة التي نزلت على موسى عليه السلام، قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ? يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) [المائدة: 44] .
الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام، قال تعالى: (وَقَفَّيْنَا عَلَى? آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ? وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) [المائدة: 46] .
الزبور الذي نزل على داود عليه السلام، قال تعالى: (وآتينا داود زبورا) [النساء: 163] .
الصحف التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم وموسى-عليهما السلام -، قال تعالى: (إِنَّ هَ?ذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى? ?18?صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? ?19?) [الأعلى: 18 - 19] .
أما الكتب الأخرى التي أنزلها الله على سائر الرسل والتي لم يخبرنا بها فيجب الإيمان بها؛ لأنه سبحانه أخبرنا أنه ما من رسول إلا وجاء برسالة إلى قومه.
قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ? وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ? فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ? وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213] .
كما يجب أن يؤمن العبد بأن جميع الكتب جاءت بالدعوة إلى وحدانية الله سبحانه وتعالى، وإفراده بالعبادة، وأن ما حدث في الكتب من تحريف فهو من صنع العباد.
أما القرآن فهو الكتاب المهيمن على الكتب السابقة، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) [المائدة: 48] .
ومن الهيمنة التي للقرآن على الكتب السماوية التي بين يديه: أنه هو المصدق لها، الشاهد الذي ترى في أضوائه وفى أحكامه، وأخباره وآدابه- آيات صدقها، وأنها من مورد هذا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إذ ليس بعد شهادة القرآن شهادة، ولا وراء الحق الذي يقوله حق، وإنه سيظل قائمًا هكذا إلى يوم القيامة 69.
ومن ثم فكل اختلاف يجب أن يرد إلى هذا الكتاب ليفصل فيه، سواء كان هذا الاختلاف في التصور الاعتقادي بين أصحاب الديانات السماوية، أو في الشريعة التي جاء هذا الكتاب بصورتها الأخيرة، أو كان هذا الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فالمرجع الذي يعودون إليه بآرائهم في شأن الحياه كله هو هذا الكتاب، ولا قيمه لآراء الرجال ما لم يكن لها أصل تستند إليه من هذا المرجع الأخير 70.
وقد تكفل سبحانه وتعالى بحفظه، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] .
«وقد شمل حفظه: الحفظ من التلاشي، والحفظ من الزيادة والنقصان فيه، بأن يسر تواتره وأسباب ذلك، وسلمه من التبديل والتغيير حتى حفظته الأمة عن ظهور قلوبها من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقر بين الأمة بمسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وصار حفاظه بالغين عدد التواتر في كل مصر» 71.
ولذلك يجب علينا الإيمان بالقرآن وأن ما جاء به هو الحق، وأن كل لفظ فيه محفوظ من التبديل والتحريف، كما يجب اتباع أمره واجتناب نهيه، وتصديق ما أخبر به، ورفض ما يخالفه.
رابعًا: الإيمان بالرسل والأنبياء:
وهو الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه وتعالى بعث في كل أمة رسولًا منهم، يدلهم على الخير ويحذرهم من الشر رحمة بهم 72.
أخبر سبحانه وتعالى ما من أمة إلا وأرسل فيها رسول، (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ) [يونس: 47] .
وقال: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) [فاطر: 24] . أي: وما من أمة من الأمم الدائنة بملة إلا خلا فيها من قبلك نذير ينذرهم بأسنا على كفرهم بالله 73.
ولا يعلم عدد الرسل إلا الله، قال تعالى: (وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ? وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى? تَكْلِيمًا ?164?) [النساء: 164] .
وإنما لم يذكر الله تعالى قصص كثير من الرسل؛ اكتفاءً بالمذكورين، فالمقصود أخذ العبرة، لا ذكر الأسماء والقصص 74.
وسوف نتناول الإيمان بالرسل في النقاط الآتية:
1.الرسل المذكورون في القرآن.
المذكورون في القرآن من الرسل والأنبياء: خمسة وعشرون، منهم: ثمانية عشر في قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى? قَوْمِهِ ? نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ? إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? كُلًّا هَدَيْنَا ? وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ? وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى? وَهَارُونَ ? وَكَذَ?لِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى? وَعِيسَى? وَإِلْيَاسَ ? كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ? وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ) [الأنعام: 83 - 86] .
وورد ذكر بقية الأنبياء في مواضع من كتاب الله، قال تعالى (وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) [هود: 50] .
وقال تعالى: (وَإِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ?) [الأعراف: 73] .
وقال تعالى: (وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا) [العنكبوت: 36] .
وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى? آدَمَ وَنُوحًا) [آل عمران: 33] .
فهؤلاء الأنبياء والرسل يجب الإيمان برسالتهم ونبوتهم تفصيلًا، فمن أنكر نبوة واحد منهم أو أنكر رسالة من بعث منهم برسالة كفر، غير أن العامي لا يحكم عليه بالكفر، وأما الأنبياء والرسل الذين لم يقصهم القرآن علينا فقد أمرنا أن نؤمن بهم إجمالًا.
2.أولو العزم من الرسل.
ذكر الله تعالى أولي العزم من الرسل في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب: 7] .
وهؤلاء الخمسة صلى الله عليهم هم أصحاب الكتب والشرائع والحروب الفاصلة على التوحيد وأولو العزم، وقدم ذكر محمد على مرتبته في الزمن تشريفًا خاصًا له 75.
ويستفاد من ذكرهم عليهم السلام الاقتداء بهم في أعمالهم.
3.حقيقة رسالة الرسل والأنبياء.
ما من رسول إلا جاء بكلمة واحدة، هي قوله تعالى: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ) ، هذه الكلمة قالها نوح عليه السلام، وهي ذاتها بنصها يقولها كل من جاء بعده من المرسلين 76.
وقد بين الله الحكمة من إرسال الرسل، فقال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ?165?) [النساء: 165] ». أي: معذرة يعتذرون بها، كما في قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى?) [طه: 134] .
وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة؛ تنبيهًا على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضلًا منه ورحمة» 77.
وهذا من كمال عزته تعالى وحكمته أن أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وذلك أيضًا من فضله وإحسانه؛ حيث كان الناس مضطرين إلى الأنبياء أعظم ضرورة، تقدر فأزال هذا الاضطرار» 78.
4.واجبنا نحو الرسل والأنبياء.
••يجب علينا الإيمان بأن الرسل والأنبياء عليهم السلام قاموا بتبليغ الرسالة حق القيام.
••يجب علينا أن نؤمن بجميع الرسل، و لا نفرق بين أحد منهم.
قال تعالى: (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى? إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى? وَعِيسَى? وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 84] .
ومن آمن ببعض الرسل وكفر ببعض كان من الكافرين بنص الكتاب الكريم.
قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَ?لِكَ سَبِيلًا) [النساء: 150] .
••يجب علينا أن نؤمن بأن رسل الله كانوا بشرًا من الرجال.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ) [يوسف: 109] .
ولم يخصهم الله بطبائع غير الطبائع البشرية، فهم يأكلون و يشربون ويمشون في الأسواق.
قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ) [الفرقان: 20] .
ولهم عليهم السلام أزواجًا وذرية.
قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ? وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد: 38] .
ويتعرضون للأذى من الظلمة والمجرمين.
قال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى? مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى? أَتَاهُمْ نَصْرُنَا ? وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ? وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام: 34] .
كما أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله.
قال تعالى: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ? وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ? إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188] .
••يجب علينا أن نؤمن أن الله فضل بعضهم على بعض بحسب ما من الله به عليهم.
قال تعالى: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ? وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ?) [البقرة: 253] .
«يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا صلى الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين» 79.
••ونؤمن بأن الرسول الكريم أرسل للناس جميعًا.
قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) [الأعراف: 158] .
••ونؤمن أنه أرسل إلى الجن.
قال الله على لسان الجن: (يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأحقاف: 31] .
ومما سبق ذكره يتضح أن الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
••الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع.
••الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، مثل: محمد وإبراهيم وموسى ونوح عليهم السلام، وغيرهم بمن ذكر اسمه في الكتاب أو السنة على وجه التعيين، أما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالًا؛ حيث نعتقد أن الله بعث في كل أمة نذيرًا.
••تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
••العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.
خامسًا: الإيمان باليوم الآخر:
تعريف الإيمان باليوم الآخر:
قال الشيخ السعدي رحمه الله: «وهو الإيمان بكل ما أخبر الله ورسوله به بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه، وعذابه وأحوال يوم القيامة وما يكون فيه، ومن صفات الجنة والنار وصفات أهليهما، فالإيمان باليوم الآخر هو الإيمان بذلك جملة وتفصيلًا» 80.
مظاهر اهتمام القرآن باليوم الآخر:
••ذكر الله الإيمان باليوم الآخر مقترنًا بالإيمان بالله في تسعة عشرة موضعًا في كتاب الله.
منها: قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177] .
وقال تعالى في وصف المؤمنين: (وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) [النمل: 3] .
«أي: واستيقنوا أن هناك حياة آخرة، وأن فيها حسابًا وجزاء، وجنة ونارًا .. فعملوا لهذا اليوم العظيم بما ينجيهم من هوله، ويدنيهم من رحمة الله ورضوانه» 81، «وإذا حساب الآخرة يشغل بالهم، ويصدهم عن جموح الشهوات، ويغمر أرواحهم بتقوى الله وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة» 82.
ولما كان هذا الأصل شديد الإيغال في طيات الغيب، كان أكثر الأصول إنكارًا واستبعادًا من الكفار، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ) [النمل: 4] .
وبالتالي كان أكثر الأصول جميعًا تناولًا في القرآن.
••كثرة أسماء اليوم الآخر، وكل اسم يدل على ما سيقع فيه من الأهوال.
فمن أسمائه في القرآن: «القيامة والساعة والآخرة ويوم الدين ويوم الحساب ويوم الفتح ويوم التلاق ويوم الجمع ويوم التغابن ويوم الخلود ويوم الخروج ويوم الحسرة ويوم التناد والآزفة والطامة والصاخة والحاقة والغاشية والواقعة وغيرها» 83.
••تسمية سور القرآن بأسماء وصفات اليوم الآخر.
فتارة تسمى السور باسم من أسمائها: القيامة، الواقعة، الحاقة، الغاشية، القارعة، النبأ.
وتارة تسمى السور باسم من الأحداث الكونية التي تمهد لهذا اليوم: الدخان، التكوير، الانفطار، الانشقاق، الزلزلة.
وتارة باسم ما يقع فيها، مثل سور: الأعراف، الزمر، الجاثية، الحشر، التغابن، المعارج.
فهذه أسماء (سبع عشرة) سورة تتعلق بالآخرة، ولم يقع مثل هذا قط لأي أصل من أصول الإيمان في القرآن الكريم.
••التأكيد على وقوع الساعة.
وكثيرًا ما عبر القرآن عن أن وقوع الساعة لا ريب فيه، من ذلك مثلًا: (وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ?7?) [الحج: 7] .
وقوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [غافر: 59] .
«ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي هو «إن» ، وبلام الابتداء التي تزحلقها إن المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر؛ وذلك يدل على أمرين:
أحدهما: إتيان الساعة لا محالة.
والثاني: أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر، كما تقرر في فن المعاني» 84.
ومن مظاهر اهتمام القرآن باليوم الآخر: الترابط بين الخلق والحق والساعة، فقد بين القرآن أن الآخرة هي الأصل الذي يحقق حكمة الخلق ومعنى الوجود؛ لأنها غاية جزاء ومصير الخلائق، تصون وجودهم عن العبث واللعب، وتحفظ مصيرهم عن البطلان والضياع، وتجعله خالصًا، وحكمة تامة.
قال تعال: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ) [الدخان: 38 - 40] .
وقال تعالى: (إِلَ?هُكُمْ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) [النحل: 22] .
يجمع السياق بين الإيمان بوحدة الله والإيمان بالآخرة، بل يجعل إحداهما دالة على الأخرى لارتباط عبادة الله الواحد بعقيدة البعث والجزاء، فبالآخرة تتم حكمة الخالق الواحد ويتجلى عدله في الجزاء.
«فالذين لا يسلمون بهذه الحقيقة، ولا يؤمنون بالآخرة- وهي فرع عن الاعتقاد بوحدانية الخالق وحكمته وعدله- هؤلاء لا تنقصهم الآيات ولا تنقصهم البراهين، إنما تكمن العلة في كيانهم وفي طباعهم. إن قلوبهم منكرة جاحدة لا تقر بما ترى من الآيات، وهم مستكبرون لا يريدون التسليم بالبراهين والاستسلام لله والرسول، فالعلة أصيلة والداء كامن في الطباع والقلوب!» 85.
«فعدم الإيمان بالآخرة جعل قلوبهم مفعمة بالإنكار والاستكبار، وقد حذف المفعولان للتعميم، فهم ينكرون الحق ويستكبرون عليه، وهم ينكرون حق الأمم والشعوب في عقيدتها وحريتها، ويستكبرون عن الاعتراف به، وهكذا يكون دائمًا الكفار والطواغيت و لايزالون» 86.
وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى? ?37?وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?38?فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى? ?39?وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى? ?40?) [النازعات: 37 - 41] .
أي: «تمرد وعتا، وآثر الحياة الدنيا، أي: قدمها على أمر دينه وأخراه، فإن الجحيم هي المأوى، أي: فإن مصيره إلى الجحيم وإن مطعمه من الزقوم ومشربه من الحميم، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل، وخاف حكم الله، فيه ونهى نفسه عن هواها وردها إلى طاعة مولاها، فإن الجنة هي المأوى، أي: منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء» 87.
«والطغيان هنا أشمل من معناه القريب، فهو وصف لكل من يتجاوز الحق والهدى. ومداه أوسع من الطغاة ذوي السلطان والجبروت، حيث يشمل كل متجاوز للهدى، وكل من آثر الحياة الدنيا، واختارها على الآخرة، فعمل لها وحدها، غير حاسب للآخرة حسابًا. واعتبار الآخرة هو الذي يقيم الموازين في يد الإنسان وضميره. فإذا أهمل حساب الآخرة أو آثر عليها الدنيا اختلت كل الموازين في يده، واختلت كل القيم في تقديره، واختلت كل قواعد الشعور والسلوك في حياته، وعد طاغيًا وباغيًا ومتجاوزَا للمدى» 88. و من هداية الآية: «قدم ذكر الطغيان على إيثار الحياة الدنيا؛ لأن الطغيان من أكبر أسباب إيثار الحياة الدنيا» 89.
من مشاهد الآخرة في القرآن:
تبدأ المشاهد بمقدمات اليوم الآخر، ثم الفصل بين الخلائق، ثم النعيم الأبدي أو العذاب الأبدي، من هذه المشاهد:
••نفخة الصعق.
قال تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ? ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى? فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر: 68] .
«وهو قرن عظيم، لا يعلم عظمته إلا خالقه، ومن أطلعه الله على علمه من خلقه، فينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، أحد الملائكة المقربين، وأحد حملة عرش الرحمن. (فَصَعِقَ) أي: غشي أو مات، على اختلاف القولين: (مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي: كلهم، لما سمعوا نفخة الصور أزعجتهم من شدتها وعظمها، وما يعلمون أنها مقدمة له. (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ممن ثبته الله عند النفخة، فلم يصعق، كالشهداء أو بعضهم، وغيرهم، وهذه النفخة الأولى: نفخة الصعق، ونفخة الفزع» 90.
••نفخة البعث.
وهي النفخة الثانية؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى? فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) [الزمر: 68] .
أي: «قد قاموا من قبورهم لبعثهم وحسابهم، قد تمت منهم الخلقة الجسدية والأرواح، وشخصت أبصارهم ينظرون ماذا يفعل الله بهم» 91.
••تصدع الكون وتبديله.
يرى الخلائق بعد بعثهم مشاهد أهوال القيامة، كما قال تعالى: (ذَ?لِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَ?لِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ) [هود: 103] .
وقال تعالى: (. وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ?) [النمل: 88] .
وهذا يقع بعد النفخة الثانية عند حشر الخلق، يبدل الله عز وجل الأرض من غير الأرض ويغير هيئاتها، ويسير الجبال عن مقارها على ما ذكر من الهيئات الهائلة ليشاهدها أهل المحشر، وهي وإن اندكت وتصدعت عند النفخة الأولى لكن تسييرها وتسوية الأرض إنما يكونان بعد النفخة الثانية، كما ينطق به قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا(105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَّا تَرَى? فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ? وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَ?نِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا) [طه: 105 - 108] .
وقوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ? وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [إبراهيم: 48] .
«فإن اتباع الداعي الذي هو إسرافيل عليه السلام وبروز الخلق لله سبحانه لا يكون إلا بعد البعث قطعًا» 92.