فهرس الكتاب

الصفحة 1346 من 2431

وقوله تعالى: {مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ} ، أي: فلا هم بالمؤمنين حقًا بل هم مؤمنون من طرف اللسان مداراة للمؤمنين وخوفًا من بطشهم، ولا هم مع اليهود، لأنهم لا يعتقدون أنهم على الدين الحق، ولكنهم يريدون أن ينتفعوا بما عندهم من عرض الدنيا، وأن يحتفظوا بمودتهم إذا احتاجوا إليها 79.

وقوله: {وَلَا مِنْهُمْ} ، احتراسًا وتتميمًا لحكاية حالهم، وعلى هذا الاحتمال يكون ذم المنافقين أشد؛ لأنه يدل على حماقتهم، إذ جعلوا لهم أولياء من ليسوا على دينهم، فهم لا يوثق بولايتهم وأضمروا بغض المسلمين فلم يصادفوا الدين الحق 80.

وقوله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ، أي: أنهم ينقلون إلى اليهود أسرار المؤمنين، مع أنهم لا تربطهم باليهود أية رابطة، لا من دين ولا من نسب، وفضلًا عن كل ذلك، فإن هؤلاء المنافقين يواظبون ويستمرون على الحلف الكاذب المخالف للواقع، والحال أنهم يعلمون أنهم كاذبون علمًا لا يخالطه شك أو ريب 81.

وجملة: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ} ، عطف على {تَوَلَّوْا} ، وجيء به مضارعًا للدلالة على تجدده ولاستحضار الحالة العجيبة في حين حلفهم على الكذب للتنصل مما فعلوه، والكذب الخبر المخالف للواقع، وهي الأخبار التي يخبرون بها عن أنفسهم في نفي ما يصدر منهم في جانب المسلمين 82.

وقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} ، أي: أرصد الله لهم نكالًا وعذابًا أليمًا جزاء صنيعهم بغش المسلمين واطلاع أعدائهم على أسرارهم ونصحهم لهم 83.

وقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) } [يونس:17] ، أي: لا أحد أشد ظلمًا عند الله، وأجدر بعقابه وغضبه، ممن افترى عليه الكذب، بأن نسب إليه سبحانه ما هو بريء منه، أو كذب بآياته وحججه التي أنزلها لتأييد رسله 84، فأظلم الظالمين من يجرؤ على ركوب هذا المركب المهلك فيتقول على الله، ويفتري الأحاديث عليه.

وأظلم الظالمين من يرى آيات الله، ويستمع إليها، ثم يكذب بها، ويصم أذنيه عنها، ويغلق عقله وقلبه دونها 85.

والاستفهام إنكاري، والظلم: هنا بمعنى الاعتداء، وإنما كان أحد الأمرين أشد الظلم؛ لأنه اعتداء على الخالق بالكذب عليه وبتكذيب آياته 86.

وإنما كانوا أشد الظالمين ظلمًا؛ لأن الظلم الاعتداء على أحد بمنعه من حقه وأشد من المنع أن يمنعه مستحقه ويعطيه من لا يستحقه، وأن يلصق بأحد ما هو بريء منه، وتقييد الافتراء بالحال الموكدة في قوله كذبًا لزيادة تفظيع الافتراء؛ لأن اسم الكذب مشتهر القبح في عرف الناس، وإنما اختير الافتراء للدلالة على أنهم يتعمدون الاختلاق تعمدًا لا تخالطه شبهة. وتقييد تكذيبهم بالحق بقوله لما جاءه لإدماج ذم المكذبين بنكران نعمة إرسال الحق إليهم التي لم يقدروها قدرها، وكان شأن العقلاء أن يتطلبوا الحق ويرحلوا في طلبه، وهؤلاء جاءهم الحق بين أيديهم فكذبوا به، وأيضًا فإن (لما) التوقيتية تؤذن بأن تكذيبهم حصل بدارًا عند مجيء الحق، أي: دون أن يتركوا لأنفسهم مهلة النظر 87.

وقوله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} ، تذييل قصد به التهديد والوعيد، أي: إن حال وشأن هؤلاء المجرمين، أنهم لا يفلحون، ولا يصلون إلى ما يبغون ويريدون 88.

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: العناد.

قال تعالى: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) } [الأعراف:132 - 133] .

ذم الله تعالى قوم فرعون بسبب عنادهم وعتوهم، للحق وإصرارهم على الباطل، {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} ، أي: إنك إن جئتنا بكل نوع من أنواع الآيات التي يستدل بها على أنك محق في دعوتك، لأجل أن تسحرنا بها وتصرفنا بها بدقة ولطف عما نحن فيه من ديننا ومن تسخيرنا لقومك في خدمتنا، فما نحن بمصدقين لك ولا بمتبعين رسالتك 89.

وجملة: {فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} ، مفيدة المبالغة في القطع بانتفاء إيمانهم بموسى؛ لأنهم جاءوا في كلامهم بما حوته الجملة الاسمية التي حكته من الدلالة على ثبوت هذا الانتفاء ودوامه، وبما تفيده الباء من توكيد النفي، وما يفيده تقديم متعلق (مؤمنين) من اهتمامهم بموسى في تعليق الإيمان به المنفي باسمه، ومنطقهم هذا يدل على منتهى العناد والجحود، فهم قد صاروا في حالة نفسية لا يجدي معها دليل ولا ينفع فيها إقناع، لأنهم قد أعلنوا الإصرار على التكذيب حتى ولو أتاهم نبيهم بألف دليل ودليل، وهكذا شأن الجبارين الذين قست قلوبهم، ومسخت نفوسهم 90.

ثم أخبر تعالى ما حل بهؤلاء الفجرة من عقوبات جزاء عتوهم وعنادهم فقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} ، والفاء في قوله: {فَأَرْسَلْنَا} ، لتفريع إصابتهم بهذه المصائب على عتوهم وعنادهم 91، أي: فأرسلنا عليهم عقوبة على جرائمهم تلك المصايب والنكبات، وهي آيات بينات على صدق رسالة موسى، إذ قد توعدهم بوقوع كل واحدة منها على وجه التفصيل، لتكون دلالتها على صدقه واضحة لا تحتمل تأويلًا بأنها وقعت لأسباب لا ارتباط لها برسالته، فاستكبروا عن الإيمان بها لرسوخهم في الإجرام والإصرار على الذنوب وإن كانوا يعتقدون صدق دعوته وصحة رسالته 92.

ثم بين صنوف العذاب، ومنها الطوفان: وهو ما طاف بهم وغشى أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل، فهو اسم جنس من الطواف.

وقيل: إنه في الأصل مصدر، وهو اسم لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم؛ كالماء الكثير، والقتل الذريع، والموت الجارف، وقد اشتهر في طوفان الماء.

وقيل: الموت، وقيل: هو الطاعون.

ثم أرسل عليهم الجراد، وهو جند من جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من عباده، فأكل زرعهم وثمارهم وثيابهم وسقوف دورهم، ولم يدخل دور بني إسرائيل.

فضجوا إلى موسى وفزعوا لشدة ما حل بهم، وأعطوه العهود والمواثيق بأنه إذا كشف عنهم هذا الضر يؤمنون به ويرسلون معه بني إسرائيل، فدعا ربه فكشفه بعد أن دام سبعة أيام، وقبل أن يقضي على البقية الباقية من مواشيهم.

فلما كشف عنهم، قالوا: بقي لدينا ما يكفينا، ما نحن بتاركي ديننا من أجلك، ونكثوا عهودهم، فدعا عليهم فأرسل الله عذابًا سابعًا ذكره بقوله: {وَالْقُمَّلَ} .

فملأ طعامهم وشرابهم وآلمهم بقرحة وأكل منهم شعور رؤسهم وأهدابهم وحواجبهم، ولم يصب بني إسرائيل شيء منه، فاشتد عليهم البلاء أكثر من ذي قبل، فعجوا إلى موسى واستغاثوا به ووثقوا إليه العهود وعظموا له الايمان بأنه إذا كشف عنهم هذه المرة يؤمنون ولا يعودون إلى الكفر ويرسلون معه بني إسرائيل، وذلك بعد أن دام عليهم سبعة أيام أيضًا، فرق لهم موسى ورحمهم ودعا ربه، فكشف عنهم، فلم يبق منه واحدة، فقالوا: ما كنا نوقن أنه ساحر مثل اليوم!

كيف ذهب ما كنا نراه بكلمة واحدة، ونكثوا عهدهم، ونقضوا أيمانهم، فدعا عليهم، فأرسل عذابًا ثامنًا بينه بقوله: {وَالضَّفَادِعَ} .

وهكذا توالت الآيات حتى بلغت تسعًا، وكلما كشف عنهم عادوا إلى سابق عهدهم من الكفر والضلال، وسمى الله تعالى هذا العذاب الذي أرسله على بني إسرائيل آيات؛ لأنها دلائل على صدق موسى؛ لاقترانها بالتحدي، ولأنها دلائل على غضب الله عليهم لتظافرها عليهم حين صمموا على الكفر والعناد، و {مُفَصَّلَاتٍ} وصف لآيات.

فيكون مرادًا منه معنى الفصل المجازي وهو إزالة اللبس؛ لأن ذلك هو الأنسب بالآيات والدلائل، أي: هي آيات لا شبهة في كونها كذلك لمن نظر نظر اعتبار.

وقيل: المراد أنها مفصول بعضها عن بعض في الزمان، أي: لم تحدث كلها في وقت واحد، بل حدث بعضها بعد بعض.

وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على تراخي المدة بين الواحدة والأخرى.

ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد وأطول زمنًا، كما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) } [الزخرف:48] .

وعلى هذا الوجه فالأنسب أن يجعل {مُفَصَّلَاتٍ} حالًا ثانية من الطوفان والجراد، وأن لا يجعل صفة لآيات، ثم أخبر الله تعالى أن هذه الآيات لم تنفع فيهم وأنها لم تزدهم إلا كبرًا وعتوًا وبعدًا عن الحق.

والفاء في قوله تعالى: {فَاسْتَكْبَرُوا} ، للتفريع والترتيب، أي: فتفرع على إرسال الطوفان وما بعده استكبارهم، كما تفرع على أخذهم بالسنين غرورهم بأن ذلك من شؤم موسى ومن معه، فعلم أن من طبع تفكيرهم فساد الوضع، وهو انتزاع المدلولات من أضداد أدلتها، وذلك دليل على انغماسهم في الضلالة والخذلان، وبعدهم عن السعادة والتوفيق، فلا يزالون مورطين في وحل الشقاوة، فالاستكبار: شدة التكبر كما دلت عليه السين والتاء، أي: عد أنفسهم كبراء، أي: تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك الآيات المفصلات.

وقوله تعالى: {وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف:133] ، معطوفة على جملة {فَاسْتَكْبَرُوا} ، فالمعنى: فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف الإجرام فيهم، وتمكنه منهم، ورسوخه فيهم من قبل حدوث الاستكبار، وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم، فـ (كان) دالة على استمرار الخبر وهو وصف الإجرام.

وهذه الآيات التي أرسلها الله تعالى على فرعون وقومه كانت متعلقة بالزرع وآفاته، وهم أهل زرع وضرع من أقدم العصور 93.

ومن صفات الذم عنادهم وتكبرهم عن اتباع الحق والرضى بالكفر، كقوله تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ} [النساء:46] .

قال القرطبي: «وذمهم الله تعالى بذلك لانهم يفعلونه متعمدين» 94.

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: الغرور.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) } [آل عمران:23 - 24] .

يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقيادًا لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم يعرضون، تولوا بأبدانهم، وأعرضوا بقلوبهم، وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد 95.

ثم ذكر السبب الذي غر أهل الكتاب بتجرئهم على معاصي الله، وهو قولهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} ، افتروا هذا القول فظنوه حقيقة، فعملوا على ذلك ولم ينزجروا عن المحارم، لأن أنفسهم منتهم وغرتهم أن مآلهم إلى الجنة، وكذبوا في ذلك، فإن هذا مجرد كذب وافتراء، وإنما مآلهم شر مآل، وعاقبتهم عاقبة وخيمة 96.

والغرور: هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع، والغرور: هو كل ما يغر الإنسان ويخدعه من مال أو جاه أو شهوة أو غير ذلك من الأشياء التي تغر الإنسان وتخدعه وتجعله غافلًا عن اتباع الحق 97.

وذم الله تعالى الغرور في الدين والجنس.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) } [النساء:49 - 50] .

ويذم الله تعالى الغرور، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ} ، أي: انظر واعجب من الذين يدعون أنهم أزكياء بررة عند الله، مع ما هم عليه من الكفر وعظيم الذنب، زعمًا منهم أن الله يكفر لهم ذنوبهم التي عملوها، والله لا يغفر لكافر شيئًا من كفره ومعاصيه 98.

وقد رد الله عليهم دعواهم الزكاة والطهارة فقال: {بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} ، أي: لا عبرة بتزكيتكم أنفسكم بأن تقولوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، وبأنكم لا تعذبون في النار، لأنكم شعب الله المختار، وتتفاخروا بنسبكم وبدينكم، بل الله يزكى من يشاء من عباده، من أي شعب كان، ومن أي قبيلة كانت، فيهديهم إلى صحيح العقائد، وفاضل الآداب، وصالح الأعمال.

وقوله تعالى: {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} ، أي: ولا ينقص الله هؤلاء الذين يزكون أنفسهم شيئًا من الجزاء على أعمالهم 99.

وقوله تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} ، أي: انظر كيف يكذبون على الله بتزكية أنفسهم وزعمهم أن الله يعاملهم معاملة خاصة بهم، لا كما يعامل سائر عباده.

وقوله تعالى: {وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} ، أي: إن تزكية النفس، والغرور بالدين والجنس، مما يبطئ عن نافع العمل الذي يثاب عليه الناس، وكفى بهذا إثمًا ظاهرًا، لأنه لا أثر له من حق، ولا سمة عليه من صواب، فالله لا يعامل شعبًا معاملة خاصة تغاير سننه التي وضعها في الخليقة، وما مصدر هذه الدعوى إلا الغرور والجهل، وكفى بذلك شرًا مستطيرًا 100.

من الأخلاق الموجبة لذم الله تعالى لها: الاستكبار.

قال تعالى: {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) } [الزمر:72] .

ذم الله تعالى المتكبرين بسوء العاقبة، والاستكبار: طلب العبد كبر الشأن بتصغير غيره، وهي صفة ذم 101.

وقوله: {قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} ، أي: كل من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب؛ ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين، بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم مستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به، {خَالِدِينَ فِيهَا} ، أي: ماكثين فيها لا خروج لكم منها، ولا زوال لكم عنها، {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} ، أي: فبئس المصير وبئس المقيل لكم، بسبب تكبركم في الدنيا، وإبائكم عن اتباع الحق، فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه، فبئس الحال وبئس المآل 102.

وقال سبحانه: {فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} ، ولم يقل: فبئس مدخل المتكبرين، للإشارة إلى خلودهم في جهنم، إذ الثواء معناه: الإقامة الدائمة، مأخوذ من ثوى فلان بالمكان إذا أقام به إقامة دائمة 103.

وجاء ذم التكبر في آيات أخر، قال تعالى: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) } [النحل:29] .

وقال جل وعلا: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) } [الزمر:60] .

وأخبر سبحانه: أن أهل الكبر والتجبر هم الذين طبع الله على قلوبهم، فقال جل في علاه: {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) } [غافر:35] 104.

ثالثًا: الصفات الخلقية المذمومة في القرآن:

من أسباب الذم عند الناس في القرآن الكريم الصفات الخلقية.

قال تعالى: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) } [الزخرف:52 - 53] .

يقول تعالى مخبرًا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده: أنه جمع قومه، فنادى فيهم متبجحًا مفتخرًا بملك مصر وتصرفه فيها: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ} ، وأم هنا للإضراب على تلك المشاعر التي يراها فرعون تتحرك في صدور قومه، من استخفاف به، وإكبار لموسى.

فهو يقول لهم: لا تظنوا هذه الظنون بموسى، ولا تجعلوه معي على كفة ميزان، إنه ليس مثلي، ولا خيرا مني، بل أنا خير من هذا الذي هو مهين، لا ملك معه، ولا سلطان له، ولا منطق مستقيم على لسانه 105.

والمعنى: بل أنا ولا شك خير -بما لي من السعة في المال والجاه والملك العريض- من هذا المهين الحقير الذي لا يكاد يفصح عما يريد، إذ كان في لسانه حبسة في صغره فعابه بها، وهو لا يعلم أن الله استجاب سؤله حين قال: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) } [طه:27 - 28] .

فحل عقدة لسانه كما جاء في قوله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (36) } [طه:36] 106.

ومقصوده: تصغير شأن موسى في نفوسهم بأشياء هي عوارض ليست مؤثرة، انتقل من تعظيم شأن نفسه إلى إظهار البون بينه وبين موسى الذي جاء يحقر دينه وعبادة قومه إياه، والمهين: الذليل الضعيف، أراد أنه غريب ليس من أهل بيوت الشرف في مصر وليس له أهل يعتز بهم، ولعل فرعون قال ذلك لما يعلم من حال موسى قبل أن يرسله الله حين كان في بيت فرعون، فذكر ذلك من حاله ليذكر الناس بأمر قديم 107.

قال ابن كثير: «وهذا الذي قاله فرعون لعنه الله كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى، عليه السلام، بعين كافرة شقية، وقد كان موسى عليه السلام، من الجلالة والعظمة والبهاء في صورة تبهر أبصار ذوي الأبصار والألباب، وقوله: {مَهِينٌ} ، كذب، بل هو المهين الحقير خلقة وخلقًا ودينًا، وموسى عليه السلام هو الشريف الرئيس الصادق البار» 108.

رابعًا: سوء العاقبة:

من أسباب الذم في القرآن الكريم: سوء العاقبة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) } [التوبة:73] .

وقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) } [إبراهيم:28 - 29] .

ذم الله تعالى الكفار والمنافقين بسوء العاقبة، وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} أي: ابذل أيها النبي جهدك في مقاومة هاتين الطائفتين اللتين تعيشان بين ظهرانيك بمثل ما يبذلان من جهد في عداوتك، وعاملهما بالغلظة والشدة التي توافق سوء حالهما 109.

وقرن المنافقون هنا بالكفار: تنبيهًا على أن سبب الأمر بجهاد الكفار قد تحقق في المنافقين، فجهادهم كجهاد الكفار، وإلقاء الرعب في قلوبهم، فإن كل واحد منهم يخشى أن يظهر أمره فيعامل معاملة الكفار المحاربين فيكون ذلك خاضدًا شوكتهم 110.

وقوله تعالى: {وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} ، من الغلظة التي هي نقيض الرقة والرأفة، يقال: أغلظ فلان في الأمر إذا اشتد فيه ولم يترفق 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت