إن التفكير في النبات والثمار وكيفية تكونها من البذرة حتى صارت زرعًا أخضر وثمرًا طيبًا بعد جفافها، واختلاف ألوان الثمار وطعومها -مع كونها متشابهة في الشكل والورق-، لا شكّ يؤدي لمعرفة الله ووحدانيته؛ ولذلك حثّ الله على النظر للثمار فقال: (انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ) فهي تدل دلالة واضحة على وحدانية الله؛ لذلك ذم الله تعالى المشركين بعد هذه الآية مباشرة فقال: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ? وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى? عَمَّا يَصِفُونَ(100) ذَ?لِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ? وَهُوَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) [الأنعام: 100 - 102] .
قال الطبري في تفسيره لهذه الآية: «يا أيها الناس، إذا نظرتم إلى ثمره عند عقد ثمره، وعند ينعه وانتهائه، فرأيتم اختلاف أحواله وتصرفه في زيادته ونموه؛ علمتم أن له مدبرًا ليس كمثله شيء، ولا تصلح العبادة إلا له دون الآلهة والأنداد، وكان فيه حجج وبرهان وبيان يصدقون بوحدانية الله وقدرته على ما يشاء» 84.
إن العبد يشق الأرض ويضع فيها الحب، والزارع المنبت هو الله، دون الأنداد والأوثان، ولو شاء الله أن يجعل هذا الزرع حطامًا يابسًا قبل موعد حصاده ما استطاع أحد إنباته، وأقصى ما يعمله الإنسان هو التعجب والتفجع والحزن على ما فاته من الزرع والثمر، وإن الله تعالى ليضع الإنسان أمام عجزه وضعفه في أسلوب من الاستفهام المثير فيقول تعالى: (أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ(63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) [الواقعة: 63 - 65] .
وقد استنكر الهدهد على قوم بلقيس سجودهم للشمس من دون الله، مستدلًا على وحدانية الله ووجوب إفراده بالعبادة؛ بأنه خلق الماء والنبات، وأخرجه بعد أن كان مخبوءًا في السماء والأرض، وجعل ذلك حجة على المخالفين، حيث قال تعالى عنه: أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ اللَّهُ لَا إِلَاهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [النمل: 25 - 26] .
ومن مجموع هذه النعم من رياح وسحاب ومطر ونبات؛ يمتن الله جل وعلا على عباده بالرزق؛ فهو الذي يرزقهم، ويرزق ما على الأرض من دواب، لا تستطيع أن تتكفل برزق نفسها.
قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ? وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت 60] .
ويسترعي انتباههم إلى طعامهم الذي هو من فيض فضله، فيقول: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طعامه(24) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدائِقَ غُلْبًا (30) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ) [عبس 24 - 32] 85.
الصورة الرابعة: الآيات والنعم في الأنعام.
آية الله جل وعلا في الأنعام عظيمة، وعجيب صنعه فيها بالغ، وليس أدلّ على ذلك من أن الله تبارك وتعالى قد قرنها بآيات السماء والأرض والجبال في سياقٍ، بل وابتدأ بها في توبيخ المشركين الغافلين عن النظر إليها نظر الاعتبار والافتكار، فقال تعالى: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ?17? وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ?18? وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ?19? وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: 17 - 20] .
ولا شك أن للأنعام في حياة العرب بالبادية ما يستحق أن يذكّروا به، وأن يسجّل فضله عليهم بها، فكانت الإبل دليلًا قريبًا ينبغي أن توجّه أنظارهم إليه.
قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ?71? وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ) [يس: 71 - 72] .
وقال تعالى: (وَلَكُم فيها جَمالٌ حينَ تُريحونَ وَحينَ تَسرَحونَ ?6? وَتَحمِلُ أَثقالَكُم إِلى بَلَدٍ لَم تَكونوا بالِغيهِ إِلّا بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُم لَرَءوفٌ رَحيمٌ ?7? وَالخَيلَ وَالبِغالَ وَالحَميرَ لِتَركَبوها وَزينَةً وَيَخلُقُ ما لا تَعلَمونَ) [النحل: 6 - 8] .
النعمة الأولى في الأنعام هي نعمة تذليلها؛ لأن الله وحده هو الذي جعلها مقهورة ذليلة، لا تمتنع على صاحبها عند الحاجة إليها في تسييرها وتوجيهها للرعي أو للطرق، أو للحمل، أو للوقوف، ويرتبط بتذليلها كونها جمالًا وزينة لنا في رجوعها من المرعى عشيًّا؛ فتكون شبعانة وخواصرها مليئة، وفي بعثها صباحًا إلى المرعى، ولولا تذليلها ما كانت زينة وجمالًا؛ لأنها تكون نافرة مستعصية.
وقال تعالى: (لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ?13? وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ) [الزخرف: 13 - 14] .
إن نعمة ركوب الأنعام والحمل عليها تلفت النظر وتوجب الشكر؛ لأنها توفّر كثيرًا من الجهد والتعب، فيستطيع الإنسان السير في المصالح البعيدة كالحج والغزو والتجارة بلا مشقة؛ لأن هذه الأنعام تحمله، وتحمل متاعه وطعامه وشرابه، وبدون هذه الأنعام فإن الإنسان عاجزٌ عن ذلك، وتظهر نعمة الحمل والركوب بشكل خاص في الخيل والبغال والحمير؛ ولذلك أفردت معًا في آية خاصة بها فقال تعالى: (وَالخَيلَ وَالبِغالَ وَالحَميرَ لِتَركَبوها) [النحل: 8] .
وقال تعالى: (وَإِنَّ لَكُم فِي الأَنعامِ لَعِبرَةً نُسقيكُم مِمّا في بُطونِهِ مِن بَينِ فَرثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشّارِبينَ) [النحل: 66] .
وقال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) [يس: 73] .
اللبن نعمة لا توصف على هذه البشرية؛ لأن مصالح العباد كلهم قائمة عليه في معظم وجباتهم الغذائية، وخاصة الصغار، وهذا اللبن يخرج من بطون الأنعام من بين الفرث والدم خالصًا بياضه وطعمه وحلاوته، فانظر كيف يكون الطعام في المعدة؟!
فإذا نضج ذهب أقسامًا للدم والعظم واللحم، وقسم يصير لبنًا، والباقي فضلات من روث وبول، ولا يمتزج قسم بآخر ولا يتغير به؛ فيخرج اللبن خالصًا سائغًا للشاربين لا يغص به أحد.
وقال تعالى: (وَمِنها تَأكُلونَ) [النحل: 5] .
وقال تعالى: (وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ) [يس: 72] .
هذه النعمة خاتمة النعم في الأنعام، فرغم تعدد منافع الأنعام في حياتهم، فهي كذلك يؤكل لحمها، وهو أعلى أنواع الأطعمة، وعليه اعتماد كبير في حياة الناس، بل إن شعوبًا كثيرة تعيش على الرعي والتجارة بالأنعام اللاحمة 86.
إن هذه النعم الكثيرة في الأنعام تستحق الشكر لله، والاعتراف بوحدانيته، وإفراده بالعبادة، وإخلاص الطاعة له، وهذا هو المقصود الأعظم من التذكير بهذه النعم الجليلة؛ لذلك نجد في الآيات دعوة لشكر الله، وعدم اتباع خطوات الشيطان.
يقول تعالى: (وَمِنَ الأَنعامِ حَمولَةً وَفَرشًا كُلوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعوا خُطُواتِ الشَّيطانِ إِنَّهُ لَكُم عَدُوٌّ مُبينٌ) [الأنعام: 142] .
وكذلك بعد ذكر نعمة الأنعام في سورة النحل يقول تعالى: (كَذلِكَ يُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تُسلِمونَ ?81? فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ المُبينُ ?82? يَعرِفونَ نِعمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرونَها وَأَكثَرُهُمُ الكافِرونَ [النحل: 81 - 83] .
يقول الطبري في تفسيره لهذه الآيات في سورة النحل: «وإن الله جلّ ثناؤه إنما عرّف عباده بهذه الآية وسائر ما في أوائل هذه السورة نعمته عليهم، ونبّههم به على حججه عليهم، وأدلته على وحدانيته، وخطّأ فعل من يشرك به من أهل الشرك» 87.
وقال ابن كثير في تفسيره لقوله تعالى في سورة يس بعد ذكر نعمة الأنعام: (أَفَلَا يَشْكُرُونَ) ، قال: «أفلا يوحّدون خالق ذلك ومسخّره، ولا يشركون به غيره؟!» 88.
الصورة الخامسة: نعمة البيوت وآيتها.
ويوجّه القرآن الكريم أنظار البشر إلى النعمة الكبرى التي أودعها قلوبهم، وهي نعمة الهدوء والسكينة، يحسون بها عند ما يعودون إلى بيوتهم، مكدودين منهوكي القوى، وإلى هدايتهم إلى بناء بيوت من جلود الأنعام، يجدونها خفيفة المحمل في الظعن والإقامة، وإلى اتخاذ أثاثهم وأمتعتهم من أصوافها وأوبارها، وإلى نعمة الظل يجدون عنده الأمن والاستقرار، وإن للشمس وحرارتها لوقعًا مؤلمًا في النفوس وعلى الأجسام، ومن أجمل وسائل الاستتار هذه الثياب، تقي صاحبها الحر، وبها تتم نعمة الله، فيقول: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِن بُيوتِكُم سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِن جُلودِ الأَنعامِ بُيوتًا تَستَخِفّونَها يَومَ ظَعنِكُم وَيَومَ إِقامَتِكُم وَمِن أَصوافِها وَأَوبارِها وَأَشعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حينٍ ?80?وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُم مِنَ الجِبالِ أَكنانًا وَجَعَلَ لَكُم سَرابيلَ تَقيكُمُ الحَرَّ وَسَرابيلَ تَقيكُم بَأسَكُم كَذلِكَ يُتِمُّ نِعمَتَهُ عَلَيكُم لَعَلَّكُم تُسلِمونَ) [النحل 80 - 81] 89.
الصورة السادسة: آية ونعمة الأزواج.
ويوجّه القرآن الكريم أنظار البشر أيضًا إلى ما في خلق الزوج من نعمة تسكن إليها النفس، وتجد في ظلها الرحمة والمودة، فيقول: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم: 21] .
إن التفكر في احتياج الكائنات وافتقارها إلى الزوجية، ووجودها بهذه الثنائية «الذكر والأنثى» ، لأمرٌ يدفع إلى تسبيح وتقديس الإله العظيم ذي الوحدانية، الذي لم تكن له صاحبة، إنها آية عظيمة تدعو إلى تذكّر التوحيد.
يقول تعالى: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ?49? فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ ?50? وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات: 49 - 51] .
ختامًا: فإن في إكثار القرآن من الحديث عن هذه النعم، وتوجيه أنظارهم إليها، وتقريرهم بها، ما يدفعهم إلى التفكير في مصدرها، وأنه جدير بالعبادة، ولا سيما أن تلك النعم ليست في طاقة بشر، وأنها باعترافهم أنفسهم من خلق العليّ القدير، وهكذا يتكئ القرآن على عاطفة إنسانية يثيرها؛ لتدفع صاحبها إلى الإيمان بالله وإجلاله وتقديسه، وإلى عبادته عبادةً منبعثة عن حبه وشكر أياديه 90.
وهي الأدلة التي تعتمد على عمليات نظرية وفكرية، كترتيب المقدمات واستخراج نتائجها، حسب ضوابط وقوانين وراء بداهة الحسّ ومشاعر النفس، وإن كان الإدراك في الجميع راجعًا إلى العقل 91.
فهذا تنبيه إلى أن أدلة القرآن كلها سمعية عقلية، سمعية؛ لورودها في القرآن، وعقلية؛ لأن للعقل قدرة على التفكير فيها، والنظر والاعتبار إذا سلك المسلك الصحيح 92.
ولكنا نتوسع هنا بذكر بعض الأدلة التي لم تندرج تحت ما سبق ذكره من أدلة توحيد الله، وأيضًا قد لوحظ فيها عناية القرآن بنظمها بأسلوبٍ جدليٍّ مرتّبٍ مقصودٍ للمناظرة والمحاجّة ابتداءً، وهذا أسلوب يختلف قليلا عن أسلوب الشواهد القرآنية السابقة في أدلة الآيات الكونية، فالأسلوب هناك سمته الأوضح هي السّرد والحشد للصّور والمشاهد، ويأتي التدليل والتعليل للوحدانية في ركاب السياق والسباق.
وقد استخرج العلماء من الأدلة العقلية القرآنية لتقرير التوحيد أنواعًا.
هو دليل (بدهي) لأنه يقوم على استخدام الحقائق المشهورة والبدهيات المستقرة، في ابتناء الدليل عليها، فيذعن الخصم للدليل إذعانًا إن كان منصفًا.
وهو دليل الخلق والملك؛ لأنه مبني على أصلين:
أن الموجودات مخترعة.
ونأخذ لهذا الدليل أمثلةً من آيات القرآن الكريم في نفي الولد عن الله.
فنجد القرآن الكريم قد حدثنا في صراحة عن أن الله جل وعلا ليس في حاجة إلى هذا الولد، يعينه أو يساعده، فكل من في الوجود خاضع لأمره، لا يلبث أن ينقاد إذا دعي.
قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [البقرة: 116 - 117] .
وحينًا يدفع ذلك دفعًا طبيعيًّا: بأن الولد لا يكون إلا إذا كان ثمة له زوجة تلد، أما وقد خلق كل شيء، فليس ما يزعمونه ولدًا سوى خلق ممن خلق: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] .
ويعرض مرة أخرى لهذه الدعوى، فيقرر غناه عن هذا الولد، ولم يحتاج إليه، وله ما في السموات وما في الأرض.
يقول تعالى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [يونس: 68 - 69] .
ويعجب القرآن: كيف يتوهّم للمشركين أن يخصوا أنفسهم بالبنين، ويجعلوا البنات لله؟! فيقول: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا} [الإسراء: 40] .
ويصور القرآن -في أقوى صور التعبير- موقف الطبيعة الساخطة المستعظمة نسبة الولد إلى الله، فتكاد- لشدة غضبها- أن تنفجر غيظا، وتنشق ثورة، وتخرّ الراسيات لهول هذا الافتراء، وضخامة هذا الكذب.
وأصغ إلى تصوير هذا الغضب في قوله: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا} [مريم: 88 - 91] 94.
فهذا الدليل (دليل الخلق والملك) دليل عقليٌّ يتكامل مع الأدلة الحسية الكونية السابقة، فمتى تدبر الإنسان تلك الآيات والشواهد؛ استنتج منها: أن كل ما في الكون مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق؛ لأنه يستحيل أن يكون خلق من غير خالق، والخالق يجب أن يكون ممتازًا عن المخلوق بكل وجهٍ، وإلا لما كان بينهما فرقٌ.
ويسمى دليل النظام أو التناسق؛ لأنه ينطلق بنا ضمن الآيات الكونية؛ ليوصلنا إلى أن الذي نظم الكون وربط أجزاءه -بحيث يكمل بعضها بعضًا-، وقدّر كل شيء فيه تقديرًا، هو الله الواحد الأحد، ويمتنع أن يكون له تعالى أيّ شريكٍ في ألوهيته أو ربوبيته؛ لأنّ ذلك سيفضي حتمًا إلى الخلل والفساد.
ومن الآيات التي قرر القرآن فيها هذا الدليل: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنبياء: 22] .
وتوضيح الآية الكريمة أن يقال: لو كان للعالم صانعان لكان تدبيرهما لا يجري على نظام، ولكان العجز يلحقهما أو أحدهما؛ وذلك لأنه لو أراد أحدهما إحياء جسم وأراد الآخر إماتته، فحينئذٍ إما أن تنفذ إرادتهما معًا، فيتناقض النظام لاجتماع الضدين، وإما ألا تنفذ إرادتهما معًا؛ فيؤدي إلى عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما؛ فيؤدي إلى عجزه، والإله لا يكون عاجزًا؛ فبطل ما أدى إليه، وهو افتراض التعدد، وثبت نقيضه، وهو الوحدانية 95.
وهذا النوع من الاستدلال يقوم على التسليم بدعوى الخصم تسليمًا جدليًّا -ولو كانت دعواه مستحيلة-، ثم يستدل على إبطال الدعوى بالنتائج الخاطئة المتناقضة التي تترتب على هذه الدعوى.
ومثاله: قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
فالحقيقة أن لا إله إلا الله، ولم يتخذ الله سبحانه وتعالى ولدًا، ولكننا لو سلمنا جدلًا بهذا الافتراض الخاطئ فما هي النتائج التي تترتب على ذلك: يترتب على ذلك استعلاء بعضهم على بعضٍ؛ فلا ينتظم أمر الكون، ولا ينفذ فيه حكم، ولا تتحقق مصلحة، ومن ثمّ ففي ذلك اختلال نظام المخلوقات واستحالة استمراره.
والواقع المشاهد خلاف ذلك؛ فدل هذا الواقع على أن تعدد الآلهة محال لما يلزم عليه من المحال، كما أن افتراض وجود آلهة متعددة يؤدي إلى استعلاء بعضهم على بعضٍ، ومنع كل منهم غيره من التدخل في شؤونه، وهو محال مصادم لما تستلزمه صفات الكمال المطلق للإله المعبود بحقٍّ.
قال تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا} 96.
في ختام هذه الاستدلالات على صحة التوحيد، يبرز القرآن العظيم وجهًا آخر من وجوه الاستدلال، حين يطالب المشركين ويتحدّاهم أن يقيموا دليلًا واحدًا من أي نوعٍ على صحة عقيدتهم، فلا يستطيعون، بل لا يملكون إلا التعلق بالظنون والأوهام، والاحتجاج بفعل آبائهم، كما قال عنهم القرآن: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .
ولمّا كانوا عاجزين عن إتيان ذلك، بيّن القرآن الكريم حقيقة عقائدهم، وأنها مجرّد ظنونٍ فاسدةٍ.
قال تعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} [آل عمران: 154] .
لقد وجّه القرآن نظرهم إلى أن هذه الأصنام أقل منهم؛ فإن لعابديها أرجلًا يمشون بها، وأعينًا يبصرون بها، وآذانًا يسمعون بها، أما هذه الأوثان فجاثمة، لا تستطيع الحركة والانتقال، ولا تستطيع البطش والدفاع، ولا تبصر، ولا تسمع، {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195) } [الأعراف: 195] .
{إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر: 14] .
أو يليق بالعاقل أن يعبد من دونه، ومن يراه عاجزًا لا يستطيع شيئًا؟! ولم يعبد المرء إلهًا لا يسمع دعاءه، ولا يستطيع أن يجيبه إلى مبتغاه، ولا يقدر على أن يرد عن عابده أذى نزل به.
قال سبحانه: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا} [الإسراء: 56] .
وإذا استنصره لم يجد عنده ما يؤمل من النصر، والمرء عند الشدائد يلجأ إلى الله، ويطلب منه المعونة والمساعدة، فماذا يصنع بعبادة إلهٍ لا يمده بهما؟! بل إن هذه الأوثان لا تستطيع أن تحمي نفسها، {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ} [الأعراف: 197] .
وأي ضلال أشد من عبادة من لا يملك الضر والنفع؟ وماذا بقي لهم من صفات الآلهة؟!، أخلقوا شيئًا في السماوات والأرض؟ أبأيديهم الموت والحياة والبعث؟ لا: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفرقان: 3] .
والقرآن يمضي في التحدي، مؤكّدًا لهم أن أولئك الذين يدعونهم شركاء لله لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابًا، ولو ظاهر بعضهم بعضًا، برغم حقارة الذباب وضعفه، بل إن هذا الذباب الحقير الضعيف لا يستطيعون استخلاص شيء منه، إن سلبهم إياه، {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] .
وإذا كانوا لم يخلقوا شيئًا، فهل يملكون من شيء في السماء أو الأرض؟ لا، إنهم {لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [سبأ: 22] .
وإذا كانت هذه الأوثان لا تنفع ولا تضر، ولا تملك من أمر نفسها شيئًا، ولا تخلق شيئًا، وليس بيدها حياة ولا موت، بل هي أقل من عابديها قدرًا، فقد انمحت عنها حقيقة الألوهية، ولا يعدو الأمر بعدئذٍ: أن تكون المسألة أسماء وضعوها، من غير أن تدل هذه الأسماء على آلهةٍ حقيقيةٍ لها ما للآلهة من سلطان وقوة، وتستحق العبادة رغبةً أو رهبةً، {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} [النجم 19 - 23] .
وها هو ذا يتهكم بهم تهكّمًا لاذعًا عندما منحوا هذه الأسماء التي لا حقيقة لها صفة الشفعاء؛ فيقول: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [يونس: 18] .
والقرآن يثير في نفوسهم الخوف والفزع من سوء المصير، حين يصوّر لهم يوم القيامة، وما ينالهم فيه من خيبة الأمل، عندما يرون هذه الآلهة التي اتخذوها؛ ليعتزوا بها، قد أنكرت أن تكون أهلًا لعبادتهم، ويشهدون عليهم بأنهم لم يكونوا عقلاء في هذه العبادة، فيقول: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81 - 82] 97.
موضوعات ذات صلة:
الألوهية، الإيمان، الدعوة، الشرك
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 6/ 90.
2 الصحاح، الجوهري 2/ 547.