فهرس الكتاب

الصفحة 894 من 2431

الرجولة

أولًا: المعنى اللغوي:

الرجولة اسم مأخوذ من الرّجل، وهو لغة: الذّكر من نوع الإنسان، وتصغيره رجيل، ورويجل، والجمع رجال.

وقيل: إنّما يكون الرجل رجلًا، إذا كان فوق الغلام، وذلك إذا احتلم وشبّ، ومنه قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة: 282] ، أي: ذكرين بالغين.

ويقال: امرأة رجلة، إذا كانت متشبّهة بالرّجل في بعض أحوالها، وفي الحديث: (لعن اللّه الرّجلة من النّساء) 1، بمعنى المترجّلة، يعني اللّاتي يتشبّهن بالرّجال في زيّهم وهيآتهم، فأمّا في العلم والرّأي فمحمود 2.

وقد تكون الرجولة صفةً بمعنى الشدة والقوة، والكرم، ومكارم الأخلاق، والرجولية: كمال الرجل، يقال: أرجل الرجلين: أقواهما، وفرس رجيل: قوي على المشي، وارتجل الكلام: قوي عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، وترجل النهار: قوي ضياؤه، فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى القوة 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الرجل في الاصطلاح هو: الذّكر من الناس، ومنه قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} [الأنعام: 9] .

ومن هنا يمكن تعريف الرّجولة في الاصطلاح القرآني بأنّها: اتّصاف المرء بما يتّصف به الرّجل عادة من الإيمان والقوة والشدة والسعي والجلادة ومكارم الأخلاق والنجدة والشهامة وغيرها من الصفات المشابهة 4.

وردت لفظة (رجل) في القرآن الكريم (55) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الإفراد ... 24 ... {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) } [هود: 78]

التثنية ... 5 ... {فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} [القصص: 15]

الجمع ... 26 ... {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب: 40]

الرجال: اسم يجمع ذكور بني آدم دون إناثهم، وقد استعمله القرآن الكريم بمعناه اللغوي، على الصحيح 6.

الذكورة:

الذّكر لغة:

خلاف الأنثى، وجمعه ذكور وذكران، ومنه قوله تعالى: {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) } [الليل: 3] .

ويطلق على عضو التناسل منه. وقد يأتي الذكر صفة؛ كقولهم: رجل ذكر: شهم من الرجال، قوي شجاع أبي، ماض في أموره. ويقال: سيف ذكر: ماض في ضريبته، ومن الحديد أيبسه وأشده وأجوده 7.

الذكورة اصطلاحًا:

فلا يخرج معنى الذكورة في اصطلاح القرآن عن معناها اللغوي، سواء من حيث إنه يقابل لفظ الأنوثة، أو من حيث المعاني الزائدة على وصف الذكورة.

الصلة بين الرجولة والذكورة:

الذي يظهر أن الذكورة تأتي للجنس غالبًا وللوصف على قلة، بينما الرجولة تأتي للجنس، وتأتي للصفة على حد سواء كما سبق.

الفتوة:

الفتى لغة هو:

الشاب الطريّ الحديث السّنّ، ومنه قوله تعالى: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) } [الأنبياء: 60] ، وأصل الفتوّة مشتقة من الفتى 8.

الفتوّة اصطلاحًا:

الإحسان وكفّ الأذى عن الغير، واحتمال الأذى منهم، واستعمال الأخلاق الكريمة مع الخلق 9.

الصلة بين الرجولة والفتوة:

الرّجولة في أظهر معانيها تعني اتّصاف الإنسان بما يوصف به الرّجال عادة من الإيمان والتقوى والكرم والشهامة والأخلاق الحسنة والمواقف البطولية، أمّا الفتوّة فإنّها تعني اتّصاف المرء بما يوصف به الفتى من النّجدة والنّشاط وتوقّد الذّكاء 10.

المروءة:

المروءة لغة:

الاتصاف بمحاسن الأخلاق وجميل العادات 11.

المروءة اصطلاحًا:

الأفعال الجميلة المستتبعة للمدح شرعًا وعقلًا وعادةً 12.

الصلة بين الرجولة والمروءة:

إن الرجولة تفيد القوة على الأعمال، ولهذا يقال في مدح الإنسان إنه رجل، والمروءة تفيد أدب النفس، ولهذا يقال المروءة أدب مخصوص 13.

الأنثى:

الأنثى لغة:

خلاف الذكر من كل شيء 14.

الأنثى اصطلاحًا:

الأنثى: خلاف الذكر، ويطلق على الشيء الذي فيه ضعف: أنثى، فيقال لما يضعف عمله: أنثى 15.

الصلة بين الرجولة والأنثى:

قال الزبيدي: «ويقال: هذه امرأة أنثى إذا مدحت بأنها كاملة من النساء، كما يقال: رجل ذكر، إذا وصف بالكمال من صفات الرجال، وهو مجاز» 16.

تظهر منزلة الرجولة من خلال النقاط الآتية:

أولًا: الرجولة نعمة:

إن الرجولة نعمة من نعم الله تعالى، يمتن بها الله عز وجل على من يشاء من عباده، ويدل على ذلك قول الرجل المؤمن الذي يعلّم صاحبه الكافر، موبخًا ومقرعًا، ومذكرًا له بنعم الله عز وجل عليه، وأن الرجولة نعمة من الله تستحق الشكر يقول له: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا} [الكهف: 37] .

أي: قال له صاحبه المسلم وهو يحاوره: أكفرت بالذي خلقك يعني خلق أباك، وأصلك من تراب، ثم خلقك من نطفة، يعني ماء الرجل والمرأة، ثم سواك رجلًا، أي: عدلك بشرًا سويًّا ذكرًا، {لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} [الكهف: 38] ، يقول: أما أنا فلا أكفر بربي، ولكنا هو الله ربي، فقد اعتبرت الآية أن الرجولة من نعمة الله تعالى يجب شكرها على الإنسان 17.

كما أن الرجولة نعمة من نعم الله تعالى وهي صفة كمال يتميز بها الرجال عن النساء، ويتمثل ذلك من عدة أمور: العقل، والدية، والمواريث، والقوامة، والإمامة، والقضاء، والشهادة، والجهاد، والغنيمة، والطلاق، والرجعة، وقد أوضح هذا المعنى في آيات في كتابه العزيز منها: قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] .

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] .

وقوله تعالى: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ} [النساء: 7] .

ثانيًا: النبوة والرجولة:

ذكر القرآن الكريم أن رسل الله تعالى كلهم رجال، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] .

وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [النحل: 43] .

وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) } [الأنبياء: 7] .

وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء: 25] .

وقوله جل شأنه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ} [الحج: 52] .

وكلمة رجال في حق الأنبياء عليهم السلام لها معنيان:

أحدهما: أن النبوءة لا تنافي البشرية، وأن جميع الأنبياء عليهم السلام من جنس الرجال، بمعنى لم يكونوا نساءً، ولا ملائكةً، ولا من الجن، ولا خلقًا آخر، وإنما كانوا بشرًا، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ويولد لهم، ونحو ذلك من صفات البشر، إلا أن الله تعالى فضلهم بوحيه ورسالته وشرفهم على خلقه.

ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) } [الفرقان: 7 - 8] .

وكذلك قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) } [الفرقان: 20] .

فرد الله تعالى على المشركين الذين تعجبوا أن يكون الرسول من البشر، أي: إن جميع من سبقك من الرسل كانوا يأكلون الطعام للتغذي به، ويمشون في الأسواق للتكسب والتجارة، ولم يقل أحد إن ذلك نقص لهم يغض من كرامتهم ويزري بهم، ولم يكن لهم امتياز عن سواهم في هذا، وإنما امتازوا بصفاتهم الفاضلة، وخصائصهم السامية، وآدابهم العالية، وبما ظهر على أيديهم من خوارق العادات، وباهر المعجزات، مما يستدل به كل ذي لب سليم وبصيرة نافذة على صدق ما جاءوا به من عند ربهم، فمحمد صلى الله عليه وسلم ليس بدعًا من الرسل، إذ يأكل ويمشي في الأسواق، وليس هذا بذم له، ولا مطعن في صدق رسالته كما تزعمون 18.

كما يشير القرآن على أن النبوة مقصورة في الرجال وأن الله تعالى لو أرسل للبشر ملكًا لجعله رجلًا، وأنه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين، لنزل عليهم ملكًا رسولًا، وإليه أشار قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9) } [الأنعام: 9] 19.

فقد جعل الله تعالى الرسل من الرجال من جنس البشر، ولو كانوا من الملائكة لوقع النفار والشرود، لافتراق الجنسية، أي: ليكون أقرب إليهم لئلا يقع تنافر، فكونهم من البشر أقرب وأقوم للحجة؛ لأن الجنس إلى جنسه أميل، وأكثرهم تفهمًا وإدراكًا لما يلقى عليه من أبناء جنسه، وليكونوا قدوةً لهم في تطبيق ما يدعوهم إليه، فالرسول عندما يبلغ منهج الله عليه أن يطبق هذا المنهج في نفسه أولًا، فلا يأمرهم أمرًا، وهو عنه بعيد، بل هو إمامهم في القول والعمل 20.

وقد أوضح القرآن هذا المعنى في آيات عديدة منها: قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [آل عمران: 164] .

أي: من جنسهم ليتمكنوا من مخاطبته وسؤاله ومجالسته والانتفاع به، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110] .

وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] .

فهذا أبلغ في الامتنان أن يكون الرسل إليهم منهم، بحيث يمكنهم مخاطبته ومراجعته في فهم الكلام عنه 21.

وقوله تعالى: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] .

في هذه الآية سؤال لهم يوم القيامة وليس من الجن رسل، وقال بعض الفقهاء: إن في الجن رسل، واحتجوا بهذه الآية الكريمة، وقال بعض العلماء: المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل، فيبلغونه إلى قومهم.

ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله تعالى: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29) } [الأحقاف: 29] .

وقال بعض العلماء: {رُسُلٌ مِنْكُمْ} ، أي: من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس؛ لأنه لا رسل من الجن.

قال الشنقيطي: «ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادًا بعضه، كقوله سبحانه: {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] ، وقوله جل وعلا: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} [الشمس: 14] ، مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله جل وعلا: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) } [القمر: 29] » 22.

وجعل الله تعالى الرسل من الرجال ولم يرسل رسلًا من النساء؛ لأن طبيعة الرسول قائمة على المخالطة والمعاشرة لقومه، لأنه يظهر للجميع، ويتحدث إلى الجميع ويبلغ الدعوة ليلًا ونهارًا وفي كل الظروف والأحوال، أما المرأة فالأصل فيها أنها مبنية على التستر والحشمة، ولا تستطيع أن تقوم بدور الأسوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة المرأة لوجدنا في طبيعتها أمورًا كثيرةً لا تناسب دور النبوة، ولا تتمشى مع مهمة النبي، مثل انقطاعها عن الصلاة والتعبد؛ لأنها حائض أو نفساء 23.

والثاني: أن صفات الرجولة التي تحلى بها الأنبياء هي أعلى وأرقى صفات الرجولة الكاملة التي لا يمكن أن يصل إليها غيرهم من البشر، وذلك من الإيمان والتقوى والصلاح والمروءة وخشية الله تعالى، وتبليغ رسالته، والصبر على تحمل الشدائد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومكارم الأخلاق التي تحلى بها الأنبياء عليهم السلام.

وقد ذهب جمهور الفقهاء والمفسرين إلى أنه لم تكن النبوة في غير الرجال، قال الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) } [يوسف: 109] : «يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء، وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة أن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع.

وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل وأم موسى ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص: 7] .

وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى عليه السلام، وبقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) } [آل عمران: 42 - 43] .

وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ والذي عليه أهل السنة والجماعة، أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مخبرًا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] .

فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقية، فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنص القرآن» 24.

وبهذا يتبين أن النبوة والرسالة مقصورة على الرجال فقط، ويدل على ذلك أداة الحصر والقصر في قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} [يوسف: 109] .

وقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [النحل: 43] .

وقوله جل وعلا: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) } [الأنبياء: 7] .

تظهر صفات الرجولة من خلال النقاط الآتية:

أولًا: صفات إيمانية:

من صفات الرجولة الإيمانية التي ذكرها القرآن ما يأتي:

ذكر الله تعالى أن من صفات الرجولة الحقة الخوف من الله تعالى، لأن من أعلى صفات الرجولة الإيمان بالله، والخوف من عذاب الله، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) } [النور: 36 - 37] .

وهذا النوع الفريد من الرجال موصوفون بالوجل والخوف، قال تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 37] .

إذ يخافون ذلك اليوم؛ لأنه يوم مجهول، وذلك اليوم عظيم جدًا، ومهول ومخوف، قال تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) } [الإنسان: 7] .

فقد قال الله تعالى عن الكفار بأنهم يتركون العمل من أجل هذا اليوم: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) } [الإنسان: 27] .

وقال تعالى منبهًا عن حال وأهوال هذا اليوم: {يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا} [المزمل: 17] .

فلا تجد صفات أعظم من هذه الصفات في ذلك اليوم؛ حيث يتحول الطفل إلى شيخ كبير السن شعره أبيض من شدة المخاوف، وتذهل فيه المرضعة عما أرضعت، ولذلك فإن هؤلاء لا يلامون أن يخافوا؛ لأنه يوم يرجف فيه القلب رجفًا شديدًا، ومن شدة الارتجاف يصعد هذا القلب حتى يسد الحنجرة، يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، تتقلب فيه القلوب؛ لأن القلوب ترى أشياء لم تكن تراها في الدنيا، وتتيقن منها، والأبصار تشاهد أشياء لم تكن تشاهدها في الدنيا، إنما كانت توصف لها وصفًا، وهذه قلوب الملاحدة وأهل الشك، وكذلك الأبصار تشاهد أشياء ما كانت تراها في الدنيا، بل كانت تسمع عنها، فانقلب القلب إلى إدراك أشياء ما كان يدركها من قبل، وانقلب البصر إلى رؤية أشياء لم يكن يراها من قبل 25.

ومن هنا على المسلم أن يأخذ درسًا من هؤلاء، فمهما بلغ الإنسان من الصلاح والتقى والإيمان والخشية لله عز وجل وتطبيق أوامر الله، فيجب عليه أن يكون خائفًا دائمًا؛ لأنه لا يأمن يوم القيامة إلا من خاف وحذر في الدنيا 26.

وإن الخوف الذي مدح الله تعالى به المؤمنين، وحثهم عليه، هو الخوف الذي يراد به فعل الخيرات المأمور بها، فإن مخافة الله تكون بإقامة عباداته، واتباع أوامره واجتناب نواهيه، والكف عن المعاصي، ونهي النفس عن الهوى، المذكور في قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) } [النازعات: 40 - 41] .

وهو الخوف الذي يحمل صاحبه على المسارعة في الخيرات، والمذكور في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} [الأنبياء: 90] .

وهذا الخوف هو المذكور في قوله تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) } [النحل: 50] .

وقوله تعالى: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} [الرعد: 21] .

وقوله تعالى: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] .

ومدحهم بها في الدنيا وحثهم عليها وأمنهم منها في الآخرة، وعلى ذلك حكى عنهم بقوله تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34] 27.

وهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله تعالى؛ لأنه من لوازم الألوهية، ونهى الله تعالى عن مخافة الشيطان، والمبالاة بتخويفه فقال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) } [آل عمران: 175] .

أي: فلا تأتمروا لشيطان وائتمروا لله 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت