وقال الطبري: «والله غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر الله -تعالى ذكره- أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء واخذهم بها، ولما واخذهم بها فكفروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها وغير ذلك من ذنوبهم. حليم في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبة على معاصيهم» 71.
وفي الآية الثانية يقول الطبري: « {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} ، يعني: أنه ذو ستر لذنوب عباده، وتغطية عليها فيما تكنه نفوس الرجال من خطبة المعتدات وذكرهم إياهن في حال عددهن، وفي غير ذلك من خطاياهم، وقوله {حَلِيمٌ} ، يعني: أنه ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم» 72.
الخلاصة: أن الله سبحانه وتعالى عقب باقتران هذين الاسمين بعد الإخبار بتجاوزه سبحانه وتعالى عن عباده المؤمنين في بعض الأمور، ففي الآية الأولى بين سبحانه وتعالى تجاوزه عنهم في اللغو في الأيمان، وفي الآية الثانية بين التجاوز عنهم في التعريض بخطبة النساء.
9.اقتران الغني بالحميد.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] .
قال السعدي في هذه الآية: «فهو الغني عن جميع المخلوقين، وهو الغني عن نفقات المنفقين، وعن طاعة الطائعين. وإنما أمرهم بها وحثهم عليها، لنفعهم، محض فضله عليهم، ومع كمال غناه، وسعة عطاياه، فهو الحميد فيما يشرعه لعباده من الأحكام الموصلة لهم إلى دار السلام» 73.
وقال ابن القيم رحمه الله: «فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه، وثناء من حمده، وثناء من اجتماعهما» 74.
الخلاصة: الآيات التي اقترن فيها هذان الاسمان نجد أن اقترانهما ورد في ختام الآيات التي فيها إخبار عن إعراض المعرض؛ إما عن الإيمان بالكلية أو عن طاعة من الطاعات. كما جاء أيضًا في ختام الآيات التي تشير إلى عظمة ملك الله سبحانه وتعالى.
1.هذا الجزء من البحث يوضح أهم الأحكام المتعلقة بأسماء الله عز وجل، كوقفيتها، والدعاء بها، والإلحاد فيها.
أولًا: أسماء الله الحسنى توقيفية:
وبيان ذلك في النقاط الآتية:
1.معنى الوقف في أسماء الله تعالى.
معنى الوقف في أسماء الله سبحانه وجوب الوقوف على ما جاء نصًا في الكتاب والسنة دون زيادة أو نقصان، والاقتصار في هذا الباب على ذلك، فلا يجوز أن نسمي الله عز وجل باسم من عندنا؛ لأن فتح هذا الباب يوقع الإنسان في الخطأ، وقد ناظر أبو الحسن الأشعري رحمه الله شيخه حين أجاز أن يطلق على الله اسم (العاقل) فقال له شيخه: وأنت تطلق عليه (الحكيم) والحكيم يطلق على المخلوق، فأجابه أبو الحسن بقوله: المسألة عندي ليست بالقياس، أنا أطلقت حكيمًا؛ لأن الشرع أطلقه، ومنعت عاقلًا؛ لأن الشرع منعه 75.
2.الأدلة على أن أسماء الله توقيفية.
قال السفاريني 76:
لكنها في الحق توقيفية لنا بذا أدلة وفية
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] .
هذه الآية دلت على أن أسماء الله توقيفية من وجهين:
الأول: أن الله سبحانه قال فيها: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ} ، فالأسماء هنا جاءت مقترنة بأل، وهي هنا للعهد، فالأسماء بذلك لا تكون إلا معهودة.
الوجه الثاني: قوله: {الْحُسْنَى} يعني: وصف الله عز وجل لأسمائه بالحسنى؛ لأن هذا الوصف يدل على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأن غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها، ودليل آخر من هذه الآية وهو قوله تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] .
قال الإمام البغوي: «قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تعالى: تسميته بما لا يسمى به، ولم ينطق به كتاب الله، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم» 77.
وقال ابن حجر: «أهل التفسير: ذكروا أن من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة» 78، فمعنى الآية: «ذروا من لا يتوقفون على ذلك عند حدود النص الوارد في كتاب الله عز وجل أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم» 79.
والنبي صلى الله عليه وسلم من أعرف الناس بالله عز وجل وأعلم الناس به، وقد بين لأمته كل ما تحتاج إليه، فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أصاب عبدٌ قط همٌ ولا غمٌ ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضاؤك؛ أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحد من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك) 80.
الشاهد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك) .
هذا المقطع من الحديث شاهد ودليل على أن أسماء الله عز وجل توقيفية.
3.أسباب وقفية الأسماء الحسنى.
أنها من أمور الغيب التي لا يعلمها الخلق إلا أن يعلمهم الله إياها من خلال الوحي إلى الأنبياء والرسل.
قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) } [الجن: 26 - 27] .
أن عقل الإنسان قاصرٌ لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء.
قال تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا أحصي ثناءً عليك) 81، لذلك يجب الوقوف في معرفة أسماء الله على الشرع.
قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] .
أن القول على الله بغير علم من أشد المحرمات، فتسمية الله تعالى بما لم يسم به نفسه، أو إنكار ما سمى به نفسه جناية في حقه تعالى وتوعد الله من فعل ذلك بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33] .
وقال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) } [الحج: 3 - 4] .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار) 82.
هذا عقاب الكاذب على النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن يكذب على الله عز وجل.
ثانيًا: الدعاء بأسماء الله الحسنى:
دعاء الله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ثلاثة أنوع:
الأول: دعاء الإيمان والعبادة:
كما في قوله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا} [مريم: 48] .
قال ابن كثير رحمه الله: «أي: أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله: {وَأَدْعُو رَبِّي} أي: وأعبد ربي وحده لا شريك له» 83.
وكما في قوله جل وعلا: {قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} [الجن: 20] .
قال ابن كثير رحمه الله: «أي: إنما أعبد ربي وحده لا شريك له، وأستجير به، وأتوكل عليه ولا أشرك به أحدًا» 84.
الثاني: دعاء الحمد والثناء:
أفضل ما يقوله أهل الجنة -وهم في أعظم نعمة، وأكمل رحمة، وقد امتلأت قلوبهم بحب ربهم- هو: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} .
قال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] .
دعاؤهم هنا أن يقولوا: {سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ} أي: تنزيهًا لك وتقديسًا يا الله، فإذا ما طلبوه وجدوه عندهم، فهم يدعون الله ويطلبونه باسمه المعروف 85.
قال الإمام القرطبي: «ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن التهليل، والتسبيح، والحمد يسمى دعاء» 86.
الثالث: دعاء المسألة والطلب:
قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] .
هذا أمر من الله عز وجل لعباده المؤمنين أن يكثروا من التضرع إليه بالدعاء، والمعنى: تضرعوا إلي أيها المؤمنون بالدعاء، وتقربوا إلي بالطاعات، أستجب لكم، ولا أخيب لكم رجاءً 87.
هذه الآية عامة في قضية الدعاء بأسماء الله عز وجل، وهناك آيات يكون فيها الدعاء بأسماء معينه من أسماء الله عز وجل منها:
دعاء سليمان عليه السلام ربه باسم الوهاب.
قال تعالى: {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [ص: 35] .
ومن دعاء المؤمنين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] .
الإلحاد في أسماء الله:
قال تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأعراف: 180] .
قال الإمام الطبري: «واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: {يُلْحِدُونَ} فقال بعضهم: يكذبون، وقال آخرون: يشركون، وكان إلحادهم في أسماء الله، أنهم عدلوا بها عما هي عليه، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا فيها ونقصوا منها، فسموا بعضها (اللات) اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو (الله) ، وسموا بعضها (العزى) اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو (العزيز) » 88.
قال ابن السكيت: «الملحد هو: المائل عن الحق، المدخل فيه ما ليس منه. والإلحاد في اللغة: هو الزيغ والميل والذهاب عن سنن الصواب، ومنه يمسي الملحد ملحدًا؛ لأنه مال عن طريق الحق» 89.
قال ابن القيم رحمه الله 90:
أسماؤه أوصاف مدح كلها
مشتقة قد حملت لمعان
إياك والإلحاد فيها إنه
كفر معاذ الله من كفران
وحقيقة الإلحاد فيها الميل
بالإشراك والتعطيل والكفران
1.هناك عدة صور للإلحاد في أسماء الله عز وجل، منها:
1.أن تسمي الأصنام بها.
فسمى المشركون الأحجار، والأشجار، والأوثان، التي كانوا يعبدونها (آلهة) ، وسموا اللات من (الإله) ، والعزى من (العزيز) ، ومناة من (المنان) ، فهذا إلحاد؛ لأنهم عدلوا ومالوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.
2.وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص.
كقول اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة: «إنه فقير» ، وقولهم: «إنه استراح بعد أن خلق الخلق» ، وقولهم: «يد الله مغلولة» .
قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] .
3.تسمية الله عز وجل بما لم يسمِ به نفسه.
كأن يطلق بعض الناس على الله اسم (الموجود) ، أو (المقصود) ، أو (المهدي) ، وكذلك اسم (العال) ، ولكن الذي ورد (العلي، والأعلى، والمتعال) ، كذلك (الونيس) ، و (المتجلي) ، أو كما يدعي الجهلاء من عباد القبور أن من أسمائه كلمة (هو) ، و (هو) معلوم أنه ضمير قد يضاف إلى أي غائب، وهو ليس من أسماء الله تبارك وتعالى.
إنكار شيء من الأسماء، أو مما دلت عليه من الصفات، ومثاله: من ينكر أن اسم (الرحمن) من أسماء الله تعالى كما فعل أهل الجاهلية، أو يثبت الأسماء، ولكن ينكر ما تضمنته من الصفات، كما يقول بعض المبتدعة: إن الله تعالى رحيم بلا رحمة، وسميع بلا سمع 91.
1.إن للتعبد بالأسماء والصفات فضائل وثمرات كثيرة على قلب العبد وعمله.
قال العز بن عبد السلام: «اعلم أن معرفة الذات والصفات مثمرة لجميع الخيرات العاجلة والآجلة، ومعرفة كل صفة من الصفات تثمر حالًا علية، وأقوالًا سنية، وأفعالًا رضية، ومراتب دنيوية، ودرجاتٍ أخروية، فمثل معرفة الذات والصفات كشجرة طيبة أصلها-وهو معرفة الذات- ثابت بالحجة والبرهان، وفرعها-وهو معرفة الصفات- في السماء مجدًا وشرفًا {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] .
وهو خالقها؛ إذ لا يحصل شيء من ثمارها إلا بإذنه وتوفيقه، منبت هذه الشجرة القلب الذي إن صلح بالمعرفة والأحوال صلح الجسد كله» 92.
وفيما يلي بعض الفضائل والثمرات للإيمان بأسماء الله تعالى:
1.الخشية من الله تعالى.
قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] .
يقول البحر ابن عباس رضي الله عنه في معنى الآية: «إنما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني» 93، وقال الطبري: «إنما يخاف الله فيتقي عقابه بطاعته - العلماء بقدرته على ما يشاء من شيء، وأنه يفعل ما يريد» 94.
وقال ابن كثير: «إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم، القدير، العليم، الموصوف بصفات الكمال، المنعوت بالأسماء الحسنى -كلما كانت المعرفة به أتم، والعلم به أكمل، وكانت الخشية له أعظم وأكثر» 95.
2.التوكل عليه سبحانه.
قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] .
أي: ومن يكل أمره إلى الله، ويثق به ينصره سبحانه على أعدائه، فإنه عز وجل عزيز لا يغلبه شيء، حكيم فيما يدبر من أمر خلقه 96، وقال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3] .
أي: ومن يفوض أمره إلى الله تعالى ويتوكل عليه وحده، فهو سبحانه كافيه في جميع أموره 97.
إن من أجل ما يثمره التعبد بالأسماء والصفات أن يعتمد القلب على الله، ويخلص في تفويض أمره إليه، وذلك حقيقة التوكل على الله.
والتوكل من أعظم العبادات تعلقًا بالأسماء والصفات، ذلك أن مبناه على أصلين عظيمين:
الأول: علم القلب، وهو يقينه بعلم الله وكفايته، وكمال قيامه بشأن خلقه، فهو القيوم سبحانه الذي كفى عباده شئونهم، فبه يقومون وله يصمدون.
والثاني: عمل القلب، وهو سكونه إلى العظيم الفعال لما يريد، وطمأنينته إليه، وتفويض أمره إليه، ورضاه وتسليمه بتصرفه وفعله؛ إذ كل شيء يمضي ويكون فبحكمه وحكمته وقدرته وعلمه، لا ينفذ شيء في الأرض ولا في السماء عن قدرته، فله الحكم كله، وإليه يرجع الأمر كله 98.
3.الإخلاص له تعالى.
قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] .
إن إدراك معاني الأسماء يحمل العبد على إفراد الله بالقصد، والابتعاد عن صرف شيء من العبادة لغيره تعالى، ولذا كان من أعظم ما يخلص العبد من دنس الرياء ملاحظة أسماء الله وصفاته، فمن لاحظ من أسماء الله الغني دفعه ذلك إلى الإخلاص، لغنى الله تعالى عن عمله وفقره هو إلى الله عز وجل، قال الله تبارك وتعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) 99.
ومن تأمل اسم الله العليم، فإنه يعلم أن ما أخفاه عن أعين الناس من ملاحظة الخلق لا يخفى على الله لعلمه التام بكل شيء، ومن تأمل اسم الله (الحفيظ) حمله ذلك على ترك الرياء؛ لأن كل ما يفعله العبد محفوظ عليه سيوافى به يوم القيامة.
4.محبته عز وجل.
عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رجلًا على سرية، وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم، فيختم بـ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) } [الإخلاص: 1 - 4] .
فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟) فسألوه، فقال: «لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها» ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخبروه أن الله يحبه) 100.
فمن تأمل أسماء الله وصفاته وتعلق قلبه بها طرحه ذلك على باب المحبة، وفتح له من المعارف والعلوم أمورًا لا يعبر عنها 101، وإن من عرف الله أورثه ذلك المحبة له سبحانه وتعالى.
قال ابن الجوزي: «فينبغي الاجتهاد في طلب المعرفة بالأدلة، ثم العمل بمقتضى المعرفة بالجد في الخدمة، لعل ذلك يورث المحبة، ذلك الغنى الأكبر» 102.
ومراده أن من عرف الله أحبه، ومن أحب الله أحبه الله، وذلك والله هو الفوز العظيم والجنة والنعيم، والمحبة هي المنزلة التي «فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبوب، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب وغذاء الأرواح وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال، والتي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه» 103.
دعاء الله بأسمائه الحسنى أعظم أسباب تفريج الكروب وزوال الهموم:
عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أصاب أحدًا قط همٌ ولا حزنٌ، فقال: «اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي» إلا أذهب الله همه وحزنه وأبدل مكانه فرحًا) ، فقيل: يا رسول الله، أفلا نتعلمها؟ فقال: (بلى ينبغي لكل من سمعها أن يتعلمها) 104.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عند الكرب يقول: (لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم) 105.
من عرف الأسماء الحسنى كما ينبغي فقد عرف حقيقة الأشياء:
إن أسماء الله الحسنى كلها حسن وبركة، ومن حسنها أنها تعرفك بكل شيء على حقيقته من غير إفراطٍ ولا تفريط، فمن عرف أن الله عز وجل هو الخالق، عرف أن كل ما دونه مخلوق.
قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرعد: 16] .
ومن عرف أن الله عز وجل هو الرزاق علم أن كل ما دونه مرزوق.
قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] .
وكذلك يعلم أنه لا يملك الرزق سواه.
قال تعالى: {وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ} [النمل: 64] .
ومن عرف أن الله تبارك وتعالى هو الملك، عرف أن كل ما دونه مملوك.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ} [المائدة: 17] .
فمن عرف الله عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، علم أنه بالكمال موصوف، وبالإحسان والجمال والجلال معروف، وعرف أيضًا نفسه بكل نقص وعيب، إلا أن يرزقه الله عز وجل كمال الإيمان وصالح الأعمال فيورث له ذلك عبوديةً صادقةً بالانكسار بين يدي الجبار تبارك وتعالى، فيذل لعزته ويخضع لقوته.
5.التلذذ بالعبادات.
إن من أعظم ما يحصل به لذة العبادة هو تأمل الأسماء والصفات وتعبد الله بها، ومراعاتها في كل عبادة يأتي بها العبد أو يتركها.