أولًا: المعنى اللغوي:
مادة كذب: الكاف والذال والباء أصلٌ صحيحٌ يدل على خلاف الصدق. وتلخيصه أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق، كذب يكذب كذبًا. وكذبت فلانًا: نسبته إلى الكذب، وأكذبته: وجدته كاذبًا. ورجلٌ كذابٌ وكذبةٌ، وأكذب نفسه وكذبها بمعنى اعترف بأنه كذب 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: «هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول، أو بالإشارة، أو بالسكوت» 2. وقال الكفوي: «الكذب: كل خبر مخبره على خلاف ما أخبره فهو كذب» 3.
ولما كان الصدق والكذب مما توصف به الأقوال، فإن كل دلالة مقصودة إما أن تكون دلالته صادقة، وإما أن تكون دلالته كاذبة، فالصدق ما وافق الحقيقة، والكذب ما خالف الحقيقة، وكذلك الحركات التعبيرية الكاذبة، كإشارات اليد والعين والحاجب والرأس، هي التي تكون دلالتها مخالفة للحقيقة والواقع، فكم من إشارة فعلية تقوم مقام القول في دلالتها 4.
وردت مادة (كذب) في القرآن الكريم (282) مرة 5.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 127 ... {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} [الزمر:60]
الفعل المضارع ... 60 ... {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) } [المؤمنون:105]
المصدر ... 36 ... {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف:18]
اسم الفاعل ... 35 ... {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } [العنكبوت:3]
صيغة المبالغة ... 5 ... {أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) } [القمر:25 - 26]
اسم المفعول ... 1 ... {ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65]
وجاء الكذب في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: الإخبار بالأمر على غير ما هو عليه، نقيض الصدق، ولا يكون بالقصد الأول إلا في القول، ويكون أيضًا في غيره، ويلزم منه الإنكار والجحود وخلف الوعد والنفاق وغيرها من لوازم الكذب 6.
الزور:
الزور لغةً:
قال ابن فارس: «الزاء والواو والراء: أصلٌ واحدٌ يدل على الميل والعدول. من ذلك الزور: الكذب؛ لأنه مائلٌ عن طريقة الحق. ويقال: زور فلانٌ الشيء تزويرًا. حتى يقولون: زور الشيء في نفسه: هيأه؛ لأنه يعدل به عن طريقةٍ تكون أقرب إلى قبول السامع» 7.
الزور اصطلاحًا:
هو تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به 8.
الصلة بين الزور والكذب:
أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة، أما الزور فهو الكذب الذي قد سوي وحسن في الظاهر؛ ليحسب السامع أنه قد صدق 9.
الافتراء:
الافتراء لغةً:
الفرية: الكذب. فرى كذبًا فريًا وافتراه: اختلقه. ورجلٌ فريٌ ومفرًى وإنه لقبيح الفرية 10.
الافتراء اصطلاحًا:
هو: اختراع قضية لا أصل لها، أو هو «العظيم من الكذب» 11.
الصلة بين الكذب والافتراء:
الكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة. والافتراء: أخص منه؛ لأنه الكذب في حق الغير بما لا يرتضيه، بخلاف الكذب فإنه قد يكون في حق المتكلم نفسه، و أيضًا قد يحسن الكذب في بعض الوجوه، بخلاف الافتراء 12.
الإفك:
الإفك لغةً:
أفك إفكًا وأفوكًا: كذب، وأفك فلانًا: جعله يكذب، وحرمه مراده 13.
الإفك اصطلاحًا:
أعظم الكذب، وكل شيء في القرآن إفك فهو كذب 14.
الصلة بين الكذب والإفك:
أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة، والإفك هو الكذب الفاحش القبح مثل: الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، أو على القرآن، ومنه أيضًا قذف المحصنة، وغير ذلك مما يفحش قبحه 15.
البهتان:
البهتان لغة:
مشتقٌ من بهت الرجل يبهته بهتًا وبهتانًا فهو بهات، أي: قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوتٌ، والبهتان: افتراءٌ 16.
البهتان اصطلاحًا:
هو الافتراء على الغير، وهو: الخبر المكذوب الذي لا شبهة لكاذبه فيه؛ لأنه يبهت من ينقل عنه 17.
وقيل: هو كذب يبهت سامعه ويدهشه ويحيره؛ لفظاعته، وقال أبو البقاء: «سمي به؛ لأنه يبهت أي: يسكت؛ لتخيل صحته، ثم ينكشف عند التأمل» 18.
الصلة بين الكذب والبهتان:
أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة، أما البهتان فهو مواجهة الإنسان بما لم يحبه، وعلى وجه المكابرة له 19.
نفر القرآن الكريم من الكذب حيث قرنه بأوصاف تحمل أكبر معاني القبح، وهذا ما سنتناوله فيما يأتي:
أولًا: التلازم بين الكذب والكفر، والنفاق، والظلم، والاستكبار:
1.التلازم بين الكذب والكفر.
قرن سبحانه وتعالى بين الكذب والكفر في مواضع من كتابه الكريم مما يدل على أن سجية الكافرين الكذب والتكذيب، ومخالفة الحق، قال تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ} [الانشقاق: 22] .
وقال تعالى: {بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ} [البروج: 19] .
واختلفت هذه الآية عن سابقتها حيث ذكرت أن التكذيب عمهم حتى صار كالوعاء لهم «وفيها إشارةٌ إلى أن إحاطة التكذيب بهم إحاطة الظرف بالمظروف لا يترك لتذكر ما حل بأمثالهم من الأمم مسلكًا لعقولهم» 20.
وذكر سبحانه أن الذين جمعوا بين الكفر والكذب يلازمون النار، هم فيها خالدون لا يخرجون منها، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 10] .
وأخبر سبحانه أن الذين جحدوا وحدانيته وكذبوا رسوله وأنكروا آيات القرآن، لهم عذاب يخزيهم ويهينهم في جهنم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الحج: 57] .
وأخبر سبحانه أن الذين كفروا بالله وكذبوا بما جاءت به الرسل وأنكروا البعث بعد الموت في العذاب مقيمون؛ جزاء ما كذبوا به في الدنيا، قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم: 16] .
2.التلازم بين الكذب والنفاق.
أخبر سبحانه عن التلازم بين الكذب والنفاق، مما يدل على أن سجية المنافقين الكذب والتكذيب:
قال تعالى: {وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 90] .
«وهم منافقو الأعراب الذين ما جاءوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان.
وقرأ أبيٌ: {كَذَّبُوا} بالتشديد {سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، وإنما قال: {مِنْهُمْ} ؛ لأنه تعالى كان عالمًا بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا العقاب، فذكر لفظة (من) الدالة على التبعيض» 21.
وقد أخبر سبحانه أن إخلاف الوعد والكذب هما سبب تمكن النفاق من قلوب المنافقين، قال تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [التوبة: 77] .
فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق كما عاقب هؤلاء.
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) 22. والنفاق المقصود هنا: هو نفاق العمل، وليس نفاق اعتقادي، كما قال أهل العلم 23.
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [المجادلة: 14] .
ولقد شهد الله سبحانه على المنافقين بالكذب وتكفي هذه الشهادة، قال تعالى - في سياق الحديث عن مسجد الضرار ومقصد المنافقين منه، أنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخير والرفق بالمسلمين والتوسعة على الضعفاء العاجزين عن السير إلى مسجد (قباء) ، والله يشهد إنهم لكاذبون فيما يحلفون عليه-: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 107] .
وقال تعالى في سياق إخبار الله عما تكنه صدور المنافقين للرسول أنهم كاذبون فيما أظهروه من شهادتهم لك بالرسالة، وحلفوا عليه بألسنتهم، وأضمروا الكفر به، قال تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] .
3.التلازم بين الكذب والظلم.
قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] .
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93] .
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] .
أي: «لا أظلم ممن تقول على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته» 24.
ثم قضى سبحانه في حكمه أن الظالمين لا يفلحون، أي: «لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا والآخرة، بل يبقون في الحرمان والخذلان، ونفى الفلاح عن الظالم فدخل فيه الأظلم، والظالم غير الأظلم وإذا كان هذا لا يفلح فكيف يفلح الأظلم؟!» 25.
«والظلم هنا كناية عن الشرك. في صورة التفظيع له والتقبيح. وهو التعبير الغالب في السياق القرآني عن الشرك. وذلك حين يريد أن يبشع الشرك وينفر منه. ذلك أن الشرك ظلم للحق، وظلم للنفس، وظلم للناس. هو اعتداء على حق الله سبحانه في أن يوحد ويعبد بلا شريك. واعتداء على النفس بإيرادها موارد الخسارة والبوار. واعتداء على الناس بتعبيدهم لغير ربهم الحق، وإفساد حياتهم بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس هذا الاعتداء، ومن ثم فالشرك ظلم عظيم، كما يقول عنه رب العالمين. ولن يفلح الشرك ولا المشركون.
والله سبحانه يقرر الحقيقة الكلية ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين -أو للظلم والظالمين- فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر في الأمد القريب فلاحًا ونجاحًا، فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار، ومن أصدق من الله حديثًا؟!» 26.
ثم أخبر سبحانه أنه لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم؛ لعدم توجههم إليه، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف: 7] .
قال ابن عاشور رحمه الله: «وإنما كانوا أظلم الناس؛ لأنهم ظلموا الرسول صلى الله عليه وسلم بنسبته إلى ما ليس فيه؛ إذ قالوا: هو ساحرٌ، وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها النجاة، فيعرضوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم على النظر الصحيح حتى يعلموا صدقه، وظلموا ربهم؛ إذ نسبوا ما جاءهم من هديه وحجج رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ما ليس منه فسموا الآيات والحجج سحرًا، وظلموا الناس بحملهم على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل مثبتةً صدق رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وكمل لهم هذا الظلم بقوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} فيعلم أنه ظلمٌ مستمرٌ» 27.
4.التلازم بين الكذب والاستكبار.
قرن سبحانه في كتابه بين الكذب والاستكبار في مواضع من آياته؛ لأن من كذب بالشيء نأى بنفسه عن اتباعه فهما متلازمان الكذب والاستكبار.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأعراف: 36] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف: 40] .
«والاستكبار عن الآيات هو رفض قبولها كبرًا وعنادًا لمن جاء بها أن يكون إمامًا متبوعًا للمستكبرين؛ لأنهم يرون أنفسهم فوقه، أو أقوامهم فوق قومه، أو يحبون أن يروا الناس ويوهموهم ذلك، فرؤساء قريشٍ المستكبرون منهم من كان يرى من الضعة والمهانة أن يكون مرءوسًا للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه؛ لأنهم أكثر منه مالًا وأعز نفرًا أو أكبر سنًا، فيرون أنهم أحق بالرياسة -وكان من هؤلاء بعض عشيرته بني هاشمٍ- ومنهم من كان يستكبر أن يتبع رجلًا من بني هاشمٍ كأبي جهلٍ وأبي سفيان وآخرين، مات بعضهم على الكفر ودان بعضهم بالإسلام بعد ظهوره، ولم يكن في غير قريشٍ من العرب من يستكبر أن يتبع رجلًا منهم إلا بالتبع؛ لعدم اتباعهم هم له، ولكن أحبار اليهود استكبروا عن اتباعه؛ لأنه عربيٌ، وهم يرون أن النبوة يجب حصرها فيهم، وكذلك أمراء المجوس ورؤساء دينهم؛ إذ كانوا يحتقرون العرب كافةً إلا من هدى الله من الفريقين، ولا يزال بعض الشعوب يأبى الاهتداء بالإسلام استكبارًا عن اتباع أهله» 28.
ثانيًا: الوعيد بالعذاب على الكاذب:
اقتضت حكمة الله وعدله بين عباده أن يعاقب المكذب في الدنيا والآخرة -إن لم يتب- وأخبر في مواضع من كتابه بوعيد الكاذبين والذي منه:
1.الإقامة في العذاب.
قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم: 16] .
«ومحضرون: يجوز أن يكون من الإحضار، أي: جعل الشيء حاضرًا، أي: لا يغيبون عنه، أي: لا يخرجون منه، وهو يفيد التأبيد بطريق الكناية؛ لأنه لما ذكر بعد قوله في العذاب ناسب أن لا يكون المقصود من وصفهم المحضرين أنهم كائنون في العذاب؛ لئلا يكون مجرد تأكيدٍ بمدلولٍ في الظرفية، فإن التأسيس أوقع من التأكيد.
ويجوز أن يكون محضرون بمعنى: مأتيٌ بهم إلى العذاب فقد كثر في القرآن استعمال محضرٍ ونحوه، بمعنى: معاقبٍ» 29.
2.ملازمون للعذاب.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] .
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التغابن: 10] .
3.العذاب في الجحيم.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [الحديد: 19] .
4.العذاب المهين.
قال تعالى: {فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [الحج: 57] .
«أي: لهم عذابٌ مشتملٌ على ما فيه مذلتهم كالضرب بالمقامع ونحوه» 30.
ثالثًا: اللعن على الكاذبين:
أخبر سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: من جادلك -أيها الرسول- في المسيح عيسى ابن مريم من بعد ما جاءك من العلم في أمر عيسى عليه السلام، فقل لهم: تعالوا نحضر أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين في قولهم، المصرين على عنادهم.
كما قال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] .
وأخبر سبحانه وتعالى أن الذين كذبوا على ربهم في الدنيا قد سخط الله عليهم، ولعنهم لعنة لا تنقطع، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] .
يبين تعالى حال المفترين عليه وفضيحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق من الملائكة، والرسل، والأنبياء، وسائر البشر والجان، روى البخاري بسنده عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذًا بيد ابن عمر إذ عرض له رجلٌ قال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: (إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: {الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} ) 31.
رابعًا: نفي الفلاح عن المكذبين:
أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الذين يفترون على الله الكذب باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه، أنهم لا ينالون مطلوبهم في الدنيا ولا في الآخرة {قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 69 - 70] .
«والفلاح عبارةٌ عن الوصول إلى المقصود والمطلوب، فمعنى أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر، ومن الناس من إذا فاز بشيءٍ من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال: إن ذلك المقصود الخسيس {مَتَاعٌ قَلِيلٌ} في الدنيا، ثم لا بد من الموت، وعند الموت لا بد من الرجوع إلى الله، وعند هذا الرجوع لا بد من أن يذيقه العذاب الشديد» 32.