وقال كذلك: «القاعدة الحادية والثلاثون 136: أن عمل كل إنسانٍ له أو عليه لا يجزى إلا به، ولا يجزى به سواه، فلا ينفعه عمل غيره ولا يضره؛ وذلك قوله تعالى في خاتمة هذه السورة: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} [البقرة: 286] » 137.
وقال تعالى: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأحقاف: 19] .
وقال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق: 7] .
ولا تتعارض هذه الآيات وأمثالها مع قوله تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] .
فجواب ذلك: أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، فإذا سكت عنه؛ فكلهم عاصٍ، هذا بفعله، وهذا برضاه به.
وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل؛ فانتظم الذنب بالعقوبة، ولم يتعد موضعه 138.
قال تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأنعام: 152] .
في هذه الآية يحذر المولى عز وجل النفوس الضعيفة التي تطبق ميزان العدل، وتشهد بالحق على الآخرين، وإذا كانت القضية تمسهم أو تمس أقاربهم؛ فسرعان ما يميلون عن العدل، ويزيغون عن الحق.
قال ابن كثير: «يأمر الله تعالى بإقامة العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد على تركه في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ} [المطففين: 1] » 139.
تاسعًا: العدل مع الخصوم:
قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .
قال الراغب الأصفهاني: «قد يوجد في الاعتداء ما ليس بفساد، وهو مقابلة المعتدي بفعله، نحو: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وهذا الاعتداء ليس بإفساد، بل هو بالإضافة إلى ما قوبل به عدل، فلولا كونه جزاءً لكان إفسادًا» 140.
قال ابن كثير: «قوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أمر بالعدل حتى في المشركين» 141.
وقال سيد قطب: «ويسمى دفع الظالمين ومناجزتهم عدوانًا، من باب المشاكلة اللفظية، وإلا فهو العدل والقسط، ودفع العدوان عن المظلومين» 142.
وقال الشعراوي: «ولكسر حدة الغل أباح لك الحق سبحانه وتعالى أن تعتدي على من اعتدى عليك بمثل ما اعتدى؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يريد لك أن تظل في حالة غليان بالغضب أو القهر بما يمنعك من العمل، بل يريد الحق سبحانه أن تتوجه بطاقاتك إلى أداء عملك.
ولذلك لا يلزمك الحق سبحانه إلا بحكم العدل، فيقول عز وجل: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} » 143.
وقال كذلك: «ويثور سؤال: من القادر على تحقيق المثلية بعدالة؟ ونجد على سبيل المثال إنسانًا ضرب إنسانًا آخر صفعة على الوجه، فبأية قوة دفعٍ قد ضرب؟ وفي أي مكان ضرب؟ ولذلك نجد أن رد العدوان على درجة المثلية المتساوية أمر صعب، وما دام المأمور به: أن أعتدي بمثل ما اعتدي به علي؛ ولن أستطيع تحقيق المثلية، ولربما زاد الأمر على المثلية؛ وبعد أن كنت المعتدى عليه صرت المعتدي؛ بذلك يكون العفو أقرب وأسلم» 144.
وقال الكرماني: «سمى الثانية اعتداءً للمزاوجة ولها نظائرها، منها: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] .
{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} [الشورى: 40] .
{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} [آل عمران: 54] » 145.
وقال تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42] .
{بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل 146.
وقال البيضاوي: «أي بالعدل الذي أمر الله به {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فيحفظهم، ويعظم شأنهم» 147.
وقال ابن كثير: «أي: بالحق والعدل، وإن كانوا ظلمةً خارجين عن طريق العدل» 148.
وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .
قال البيضاوي: «لما أمره بالدعوة وبين له طرقها، أشار إليه وإلى من يتابعه بترك المخالفة، ومراعاة العدل مع من يناصبهم؛ فإن الدعوة لا تنفك عنه، من حيث إنها تتضمن رفض العادات، وترك الشهوات، والقدح في دين الأسلاف، والحكم عليهم بالكفر والضلال» 149.
وقال أبو السعود: «أي: بمثل ما فعل بكم، وقد عبر عنه بالعقاب على طريقة إطلاق اسم المسبب على السبب، نحو: كما تدين تدان، أو على نهج المشاكلة، والمقصود إيجاب مراعاة العدل مع من يناصبهم من غير تجاوزٍ» 150.
وقال الطاهر بن عاشور: «والأمر في قوله: {فَعَاقِبُوا} للوجوب باعتبار متعلقه، وهو قوله: {بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} فإن عدم التجاوز في العقوبة واجبٌ.
وفي هذه الآية إيماءٌ إلى أن الله يظهر المسلمين على المشركين، ويجعلهم في قبضتهم، فلعل بعض الذين فتنهم المشركون يبعثه الحنق على الإفراط في العقاب، فهي ناظرةٌ إلى قوله: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا} [النحل: 110] » 151.
وقال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ} [الحج: 60] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين: وإن عاقبتم أيها المؤمنون من ظلمكم واعتدى عليكم، فعاقبوه بمثل الذي نالكم به ظالمكم من العقوبة» 152.
وقال الزجاج: «سمي الأول عقوبةً، وإنما العقوبة الثاني؛ لازدواج الكلام؛ لأن الجنسين في الفعل معنى واحد، ومثله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ} فالثاني ليس بسيئةٍ، ولكنه سمي به؛ ليتفق اللفظ» 153.
ومن أوضح الآيات في الأمر بالعدل مع غير المسلمين:
قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] .
قال الطبري: «يقول تعالى ذكره: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ} من أهل مكة {وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} يقول: وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم، وبركم بهم.
واختلف أهل التأويل في الذين عنوا بهذه الآية، وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم، إن الله عز وجل عم بقوله: {الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضًا دون بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ؛ لأن بر المؤمن من أهل الحرب ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينه وبينه ولا نسب غير محرم ولا منهي عنه إذا لم يكن في ذلك دلالة له، أو لأهل الحرب على عورة لأهل الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح» 154.
وقال سيد قطب: «إن الإسلام دين سلام، وعقيدة حب، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، وأن يقيم فيه منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الله إخوة متعارفين متحابين، وليس هنالك من عائق يحول دون اتجاهه هذا إلا عدوان أعدائه عليه وعلى أهله، فأما إذا سالموهم؛ فليس الإسلام براغب في الخصومة، ولا متطوع بها كذلك! وهو حتى في حالة الخصومة يستبقي أسباب الود في النفوس بنظافة السلوك، وعدالة المعاملة؛ انتظارًا لليوم الذي يقتنع فيه خصومه بأن الخير في أن ينضووا تحت لوائه الرفيع، ولا ييأس الإسلام من هذا اليوم الذي تستقيم فيه النفوس، فتتجه هذا الاتجاه المستقيم» 155.
عاشرًا: عدل في جزاء السيئة بمثلها:
قال تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [الشورى: 40] .
قال الطبري: «معلومٌ أن الأولى من صاحبها سيئة؛ إذ كانت منه لله تبارك وتعالى معصية، وأن الأخرى عدلٌ؛ لأنها من الله جزاءٌ» 156.
وقال ابن كثير: «قال بعضهم: لما كانت الأقسام ثلاثةً: ظالمٌ لنفسه، ومقتصدٌ، وسابقٌ بالخيرات، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية، فذكر المقتصد، وهو الذي يفيض بقدر حقه؛ لقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ، ثم ذكر السابق بقوله: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} ، ثم ذكر الظالم بقوله: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} ، فأمر بالعدل، وندب إلى الفضل، ونهى من الظلم» 157.
وقال النخعي: «كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم؛ فيجترئ عليهم السفهاء، ولكن هذا الانتصار مشروطٌ بالاقتصار على ما جعله الله له، وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة، وظاهر هذا العموم» 158.
وقال السيوطي: «فيه وجوب العدل في الجزاء، وعدم الاعتداء فيه، قال ابن أبي نجيح والحسن: لو قال: أخزاه الله، فيقول له: أخزاه الله، وقال السدي: إذا شتمك تشتمه من غير أن تتعدى» 159.
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [يونس: 27] .
وقال تعالى: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النمل: 90] .
وقال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [القصص: 84] .
هذا غيض من فيض صريح مجالات إقامة العدل، فكما أن الشرع كله حكمة وخير، فكذلك كله عدل، فيستدل بما ذكر على ما وراءه، فمحال حصر معاني العدل الصريحة في الشريعة، فضلًا عن المستنبطة.
وقال تعالى بعد ذكره جملة من الأحكام: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} [النساء: 30] .
أي: ومن يفعل ما حرمته عليه من نكاح من حرمت نكاحه، وتعدى حدوده، وأكل أموال الأيتام ظلمًا، وقتل النفس المحرم قتلها ظلمًا بغير حق، ومن يأكل مال أخيه المسلم ظلمًا بغير طيب نفس منه فسوف نصليه نارًا.
قال ابن كثير: «ينهى الله تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضًا بالباطل، أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديًا فيه، ظالمًا في تعاطيه، أي: عالمًا بتحريمه، متجاسرًا على انتهاكه {فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا} الآية، وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، فليحذر منه كل عاقل لبيب، ممن ألقى السمع وهو شهيد» 160.
حادي عشر: الإصلاح بين الناس:
قال البخاري: «باب فضل الإصلاح بين الناس، والعدل بينهم» 161.
وقال ابن القيم: «الصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضا الله سبحانه، ورضا الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالمًا بالوقائع، عارفًا بالواجب، قاصدًا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم» 162.
قال تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .
قال الألوسي: «إصلاحٍ بين الناس الذي هو من باب العدل» 163.
وقال الجصاص: «قوله عز وجل: {أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] .
هو نظير قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} [الحجرات: 9] .
وقوله: {فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] .
وقال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النساء: 128] .
وقال تعالى: {إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35] » 164.
وما ينطبق على الأفراد فيما يتعلق بالتناصر والإصلاح ينطبق أيضًا على الدول التي تدين بالإسلام، فإذا ظلمت دولة وجدت من الدول كافة ما يقدم لها العون والمساعدة؛ حتى يتحقق لها النصر على البغاة والظالمين، وإذا كان الباغي مسلمًا فعليه أن يتيقن أن ردعه عن ظلمه ما هو إلا نصرة له، وقيام بتنفيذ أمر الله؛ حتى يفيء إلى الحق والعدل.
فالتناصر صفة المسلمين -أفرادًا وجماعات ودولًا-، أما أن ينكفئ كل فرد، أو كل دولة على شأنه الخاص؛ فإن ذلك كفيل بتعرض الجميع للضياع، ولن يفيد في هذه الحالة أن يتصف هذا أو ذاك بالإسلام؛ لأن الإسلام الحقيقي يقتضي تنفيذ ما أمر الله به؛ ومن ذلك تحقيق التناصر والإصلاح فيما بين المسلمين بعضهم وبعض من ناحية، وفيما بينهم وبين ربهم من ناحية أخرى.
وقال تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] .
فهذه الآية الكريمة تبين أن الأخذ بيد المظلوم، والضرب على يد الظالم يؤدي إلى نجاة المجتمع بأسره، ووصوله إلى بر الأمان.
قال العلماء: «لا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما إما أن يقتتلا على سبيل البغي منهما جميعًا أو لا، فإن كان الأول؛ فالواجب في ذلك أن يمشى بينهما بما يصلح ذات البين، ويثمر المكافة والموادعة، فإن لم يتحاجزا، ولم يصطلحا، وأقامتا على البغي؛ صير إلى مقاتلتهما، وأما إن كان الثاني وهو أن تكون إحداهما باغية على الأخرى؛ فالواجب أن تقاتل فئة البغي إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغي عليها بالقسط والعدل، فإن التحم القتال بينهما لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة؛ فالواجب إزالة الشبهة بالحجة النيرة، والبراهين القاطعة على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج، ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه، ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما، فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين» 165.
ثاني عشر: العدل في القضاء:
إن دور الأمة الإسلامية أن تكون الوصية على البشرية تقيم العدل في الأرض غير متأثرة بمودة أو شنآن، وغير ناظرة في إقامة العدل إلى ما أصابها أو يصيبها من الناس، فهذه هي تكاليف القوامة والوصاية والهيمنة، وغير متأثرة كذلك بانحرافات الآخرين وأهوائهم وشهواتهم، فلا تنحرف فيه شعرة عن منهجها وشريعتها وطريقها القويم لاسترضاء أحد، أو لتأليف قلب، وغير ناظرة إلا إلى الله وتقواه 166.
ومن الآيات التي تبين هذا المعنى:
قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا} [المائدة: 2] .
قال الطبري: «معنى الكلام: ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، ولكن ليعن بعضكم بعضًا بالأمر بالانتهاء إلى ما حده الله لكم في القوم الذين صدوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم، والانتهاء عما نهاكم الله أن تأتوا فيهم وفي غيرهم، وفي سائر ما نهاكم عنه، ولا يعن بعضكم بعضًا على خلاف ذلك» 167.
وقال الأخفش: «لا يُحِقَنَّ لكم شنآن قوم أن تعتدوا، أي: لا يحملنكم ذلك على العدوان» 168.
وقال ابن كثير: «معناها ظاهرٌ أي: لا يحملنكم بغض قومٍ قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام؛ وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا في حكم الله فيكم، فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحدٍ.
وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .
أي: لا يحملنكم بغض أقوامٍ على ترك العدل، فإن العدل واجبٌ على كل أحدٍ، في كل أحدٍ، في كل حالٍ.
وقال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض» 169.
وقال أبو عبيدة والفراء: «معنى {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ} لا يكسبنكم بغض قومٍ أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الجور والجريمة» 170.
وقال السعدي: «أي: لا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم واعتداؤهم عليكم، حيث صدوكم عن المسجد على الاعتداء عليهم؛ طلبًا للاشتفاء منهم، فإن العبد عليه أن يلتزم أمر الله، ويسلك طريق العدل، ولو جني عليه، أو ظلم واعتدي عليه، فلا يحل له أن يكذب على من كذب عليه، أو يخون من خانه» 171.
وقال الشنقيطي: «نهى الله المسلمين في هذه الآية الكريمة أن يحملهم بغض الكفار؛ لأجل أن صدوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية، أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعًا» 172.
وقال الجصاص: «وقد تضمن ذلك الأمر بالعدل على المحق والمبطل، وحكم بأن كفر الكافرين وظلمهم لا يمنع من العدل عليهم، وأن لا يتجاوز في قتالهم وقتلهم ما يستحقون، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والأمر والاسترقاق دون المثلة بهم، وتعذيبهم وقتل أولادهم ونساءهم؛ قصدًا لإيصال الغم والألم إليهم» 173.
وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8] .
أي: لا يحملنكم بغض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل إنسان، صديقًا كان أو عدوًا.
قال الطبري: «يعني بقوله جل ثناؤه: {اعْدِلُوا} أيها المؤمنون على كل أحد من الناس، وليًا لكم كان أو عدوًا، فاحملوهم على ما أمرتكم أن تحملوهم عليه من أحكامي، ولا تجوروا بأحد منهم عنه.
وأما قوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} فإنه يعني بقوله: {هُوَ} العدل عليهم أقرب لكم أيها المؤمنون إلى التقوى، يعني: إلى أن تكونوا عند الله باستعمالكم إياه من أهل التقوى، وهم أهل الخوف والحذر من الله أن يخالفوه في شيء من أمره، أو يأتوا شيئًا من معاصيه.
وإنما وصف جل ثناؤه «العدل» بما وصفه به من أنه {أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} من الجور؛ لأن من كان عادلًا كان لله بعدله مطيعًا، ومن كان لله مطيعًا كان لا شك من أهل التقوى، ومن كان جائرًا كان لله عاصيًا، ومن كان لله عاصيًا كان بعيدًا من تقواه» 174.