قال ابن عاشور: «و {تَدْرُسُونَ} معناه تقرؤون؛ أي: قراءة بإعادة وتكرير؛ لأنّ مادة (درس) في كلام العرب تحوم حول معاني التأثّر من تكرّر عملٍ يعمل في أمثاله، فمنه قوله: درست الرّيح رسم الدار: إذا عفته وأبلته، فهو دارسٌ، يقال: منزل دارس، والطريق الدارس العافي الذي لا يتبيّن، وثوب دارسٌ خلقٌ، وقالوا: درس الكتاب إذا قرأه بتمهّل لحفظه، أو للتدبّر، وفي الحديث: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة) 149. فعطف التدارس على القراءة، فعلم أنّ الدراسة أخصّ من القراءة. ومادة (درس) تستلزم التمكن من المفعول؛ فلذلك صار درس الكتاب مجازًا في فهمه وإتقانه؛ ولذلك عطف في هذه الآية {وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} على {بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ} » 150.
إنّ من أعظم ما يجب حفظه من الشرائع الصلاة. وقد أمر الله عز وجل بالمحافظة عليها، فقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .
وامتدح المؤمنين بالمحافظة عليها: {وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [الأنعام: 92] .
وقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون: 9] .
{وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34] .
وتوعّد الله عز وجل مضيّعها؛ فقال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59] .
والغيّ وادٍ في جهنم، وقيل: غيًّا: هلاكًا، وقيل: يلقون غيًّا، أي: يلقون جزاء غيّهم 151.
والصلاة معظّمٌ قدرها، وظاهرٌ خطرها، ومعلومٌ منزلتها؛ فهي عمود الدين، المفروضة من فوق سبع سماواتٍ، وهي آخر ما يرفع من الشرائع، وأوّل ما يحاسب عليه المرء من الأعمال، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله. وإقامة الصلاة من أكثر ما المسلم به مأمورٌ في الوحيين بعد تحقيق التوحيد. ولا تتحقّق إقامة الصلاة إلا بالمحافظة على ثمانية أمورٍ، إذا أتمّها العبد على وجهها، وأدّاها على مقصودها، فقد حفظ الصلاة على تمامها، وإن قصّر في أحدها أو فرّط، فقد فرّط في أصلها أو في كمالها، بحسب ما هو فيه مقصّرٌ، وبقدر ما نزل عن التمام. وإليك البيان باختصار:
الأمر الأول: إخلاص النية في الصلاة لله؛ لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] .
وقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] .
وقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .
وقوله في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان: 64] .
وقوله في وصف المنافقين: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142] .
وعن حنظلة الكاتب؛ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئها، ومواقيتها، وركوعها، وسجودها، يراها حقًّا لله عليه، حرّم على النار) 152. فقوله صلى الله عليه وسلم: (يراها حقًّا لله عليه) إشارةٌ إلى إخلاص النيّة فيها لله. والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ.
الأمر الثاني: المحافظة على إحسان الوضوء لها، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خمسٌ من جاء بهنّ مع إيمانٍ دخل الجنّة: من حافظ على الصلوات الخمس: على وضوئهنّ وركوعهنّ وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وصام رمضان، وحجّ البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيّبة بها نفسه وأدّى الأمانة) قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة 153. وعن ثوبان رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أنّ خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) 154.
الأمر الثالث: المحافظة على وقتها؛ يقول تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] .
ويقول: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4 - 5] ، قال جماعة من أهل العلم: أي: يؤخّرونها عن وقتها، فلا يصلّونها إلا بعد خروج وقتها 155. وقال: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .
أي: واظبوا على الصلوات المكتوبات في أوقاتهنّ، وتعاهدوهنّ والزموهنّ، وحافظوا على الصلاة الوسطى منهنّ 156. وإنّ أخصّ ما فسّر به المحافظة على الصلاة هو المحافظة على وقتها. عن مسروق قال: «المحافظة عليها: المحافظة على وقتها، وعدم السهو عنها» 157. وعن ابن مسعود رضي الله عنهم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي العمل أحبّ إلى الله؟ قال:(الصلاة على وقتها) الحديث 158. وعن أبي قتادة بن ربعيّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: إني فرضت على أمّتك خمس صلوات، وعهدتّ عندي عهدًا: أنّه من جاء يحافظ عليهن لوقتهنّ أدخلته الجنّة، ومن لم يحافظ عليهنّ فلا عهد له عندي) 159.
الأمر الرابع: المحافظة على مكانها وجماعتها؛ {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [النور: 36 - 37] .
والأحاديث في فضل الصلاة في جماعةٍ في المسجد مشهورة؛ فمن الترغيب قوله صلى الله عليه وسلم: (من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له نزله في الجنة كلّما غدا أو راح) 160، ومن الترهيب قوله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطبٍ فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذّن لها، ثم آمر رجلًا فيؤمّ الناس، ثمّ أخالف إلى رجال فأحرّق عليهم بيوتهم) 161.
الأمر الخامس: المحافظة على خشوعها وصفتها، يقول تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 1 - 2] .
ويقول: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] .
وفسّر القنوت في هذه الآية بالخشوع في الصلاة؛ أي: وقوموا لله في صلاتكم خاشعين، خافضي الأجنحة، غير عابثين، ولا لاعبين 162. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وصلّوا كما رأيتموني أصلّي) 163. وعن عبادة قال: أشهد أنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خمس صلوات افترضهن الله عز وجل، من أحسن وضوءهنّ، وصلّاهنّ لوقتهنّ، وأتمّ ركوعهنّ وخشوعهنّ، كان له على الله عهدٌ أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهدٌ؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذّبه) 164. والخشوع في الصلاة يقتضي المحافظة على هيئتها من الركوع والسجود ... وغير ذلك، والصلاة على الصفة التي صحّت بها الأحاديث والآثار يعين على تحقيق الخشوع.
الأمر السادس: المحافظة على نوافلها؛ كقيام الليل؛ لقوله: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل: 2] .
وقوله: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] .
وليس هذا خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فنحن مأمورون بالتأسّي به واتّباعه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ} [المزمل: 20] .
وفي الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) 165. وهذا كناية عن حفظ الله عز وجل لعبده.
وعن أم حبيبة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرّمه الله على النار) 166. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وإنما غرضنا الإشارة.
الأمر السابع: الأمر بإقامة الصلاة، وخصوصًا من هم في مسئولية المرء، يقول تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .
وأثنى الله على إسماعيل أنّه كان آمرًا بالصلاة: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم: 55] .
الأمر الثامن: المواظبة على كلّ ما مضى، والمداومة عليه، وبذا يكون العبد من المصلّين {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23] .
وإدامتها ألا يتركها أبدًا، عن أبي سلمة، عن عائشة، قالت: (كان أحبّ الصلاة إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم ما داوم عليها وإن قلّت، وكان النّبيّ صلى الله عليه وسلم إذا صلّى صلاةً داوم عليها) ، وقال أبو سلمة: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23] 167.
وقد فسّر عقبة ابن عامر الدوام بقوله: «هم الذين إذا صلّوا لم يلتفتوا خلفهم، ولا عن أيمانهم، ولا عن شمائلهم،168، وبنحوه عن عمران بن حصين 169.
وقيل: إدامتها هو إقامتها في أوقاتها 170. ولا تعارض بين ذلك كلّه على ما ذهبنا إليه من أنّ المحافظة على الصلاة تتضمّن المحافظة على كلّ ما سبق الإشارة إليه، فإنّ فاعل بعضه في كلّ الوقت، أو فاعله كلّه في بعض الوقت لا يقال له محافظٌ. قال المروزي: «ولم نجد الله عز وجل مدح أحدًا من المؤمنين بمواظبته على شيء من الأعمال مدح من واظب على الصلوات في أوقاتها، ألا تراه كيف ذكرها مبتدأةً من بين سائر الأعمال.
قال الله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا} [المعارج: 19 - 21] .
ثم لم يبرئ أحدًا من هذين الخلقين المذمومين من جميع الناس قبل المصلين فقال: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 22 - 23] .
ثم أعاد ذكرهم في آخر الآيات بذكر آخر فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ} [المعارج: 34 - 35] .
وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [فاطر: 29] ؛ في كلّ ذلك يبدأ بمدح الصلاة قبل سائر الأعمال، تبعها ما تبعها من سائر الطاعات، فكرّر الثناء عليهم، ومدحهم بالمحافظة عليها؛ ليدوموا عليها، كل ذلك تأكيدًا لها، وتعظيمًا لشأنها» 171.
وإنّها لكبيرةٌ إلا على ما يسّر الله عليه ذلك؛ ولذا يقترن الأمر بالصلاة بالأمر بالصبر؛ كقوله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] .
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] .
وقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [طه: 132] .
والصبر يحفظ على المرء الاستدامة على الطاعة، ويحمله على احتمال مشاقّها وتبعاتها.
رابعًا: حفظ الفرج:
يتبوّأ حفظ الفرج مكانًا بين ما أمر به المكلّفون في القرآن الكريم، ولا تتجلّى أهميّته بتكراره الملموس فحسب؛ وإنّما بالتنوّع والتقصّي المعبّد سبيل تحقيق حفظ الفرج، فأمر بحفظ مقدّماته تأثيرًا وتأثّرًا، فأمر سبحانه بحفظ العورات وسترها؛ لأنّ المرء مجبول على التأثّر بما يراه من عوراتٍ. ولما كانت الحواسّ: البصر والسمع والشمّ واللمس، هي مداخل هذا التأثّر ومعابره، أمر العبد بحفظها. فوضع لحفظ الفرج حاجزان: ستر العورات، وحفظ الحواسّ المفضية إليها، والمطلعة عليها. ولو اقتصر على أحدهما ثمّ تحرّاه المكلّفون لتمّ الأمر، ولكن لخطورته لم يكتف بواحدٍ؛ بل فرض الاستئذان، ومنعت الخلوة، وشرع الحجاب. وحياطةً لهذا كلّه عظّم أمر العفاف والحياء، وزكاة القلب، وطهارة الخواطر، ثمّ هيّأ بالزواج مصرفًا شرعيًّا؛ لترشيد الشهوة، ووضعها موضعًا طيّبًا لا دنس فيه ولا رذيلة.
ثمّ لم يقتصر الأمر على خطاب المكلّفين، ومعلومٌ أنّ المكلّفات يدخلن فيه ضمنًا؛ بل اختصّهنّ بخطابٍ مستقلٍّ؛ لأنّ الطّرفين فاعلان في تحقيق المقصد، ولو حقّقه طرفٌ دون الآخر لانتقض على المجموع. ثمّ يتأكّد الأمر على فئامٍ من المكلّفين قد يظنّ أنّ التحفّظ في حقّهم لا ضرورة له؛ لغياب الباعث على الخرق؛ كشأن القواعد من النّساء، أو لسموّ المنزلة وجلالتها في قلوب المسلمين؛ كشأن أمّهات المؤمنين. ثمّ يتعدّى الخطاب إلى بعض غير المكلّفين؛ كالأطفال المدركين المميّزين. وعلى كلّ ذلك دلّت الأدلّة المستفيضة من الوحيين. ولسنا بصدد تقصّيها، ولكن لنأخذ منها ما يحصل به المقصود بإذن الله.
يقول تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30] .
والآية الكريمة جاءت بعد تفصيل بعض آداب الاستئذان وقواعده، ثمّ يأمر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يرشد المؤمنين إلى غضّ البصر عن العورات والمحارم. وقد بلّغ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكان يعلّم أصحابه وربّما خصّهم فرادى بالأمر، فيقول لعليّ رضي الله عنه: (يا عليّ؛ لا تتبع النظرة النظرة؛ فإنّ لك الأولى، وليست لك الآخرة) 172.
وأمر جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن يصرف بصره بعد نظرة الفجاءة 173.
ونهى عن وصف المرأة أمام الرجل، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تباشر المرأة المرأة لتنعتها لزوجها كأنّه ينظر إليها) 174.
ثمّ يأمرهم بحفظ فروجهم، وحفظ الفرج يكون بحفظه عن الحرام؛ كالزّنى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ} [المؤمنون: 5 - 6] .
فمن التمس لفرجه منكحًا سوى زوجته وملك يمينه؛ فهم العادون حدود الله، المجاوزون ما أحلّ الله لهم إلى ما حرّم عليهم 175.
وفي تكرار ثلاث آيات متتابعاتٍ بألفاظها في سورتين ما يستقدح التأمّل المليّ، ويشحذ النّظر الحفيّ، وهو -على كلٍّ- أحد أبلغ أساليب التنبيه والتأكيد.
كما يكون حفظ الفرج بستره أن يراه غير زوجٍ؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (احفظ عورتك إلا على زوجتك أو ما ملكت يمينك) 176.
ثمّ يتكرّر الأمر للمؤمنات مع كونهنّ داخلاتٍ في عموم الأمر للمؤمنين؛ على عادة الخطاب القرآنيّ، {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 31] .
فلمّا أمرهنّ بغضّ البصر وحفظ الفرج أمرهنّ بكفّ ما يمكن أن يحدث به التأثير على الرجال؛ كاتّخاذ الزينة إلا ما لا يمكن إخفاؤه، والتبرّج، والسفور {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} .
وكان النساء في الجاهلية يمشين في الطريق وفي أرجلهنّ الخلاخيل فيضربن بأرجلهنّ الأرض، فيعلم الرجال طنين الخلاخيل، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} . وتنهى كذلك إذا كان شيءٌ من زينتها مستورًا أن تتحرّك بحركةٍ لتظهر ما هو خفيٌّ 177.
ومما يبعث كوامن الاشتهاء ويحرّكها أن يجد الرجال ريح طيب المرأة، فنهيت النساء عن ذلك، وغلّظ فيه القول، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيّما امرأة استعطرت فمرّت على قومٍ ليجدوا ريحها فهي زانية) 178.
لقد أوضح النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ أكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج 179، فحدّ لهم حدًّا واضحًا: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنّة) 180.
وبشّر الله تعالى المؤمنين {وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ} [الأحزاب: 35] بأنّ لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا.
ومدح العفيفات بقوله تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34] .
أي: حافظات لأنفسهنّ عند غيبة أزواجهن عنهنّ في فروجهنّ وأموالهم 181.
خامسًا: حفظ الأمانات:
الأمانة في اللغة: تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان 182.
وكلّ ما استودع المرء حفظه حياطةً وأداءً فهو أمانة، فمنه أمانات الناس وودائعهم، ومنه الفرائض والطاعات الشرعية.
والشرع كلّه أمانةٌ، يدلّ عليه قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ} [الأحزاب: 72] .
وحسبك بقول أنس رضي الله عنه: ما خطبنا نبيّ الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) 183.
وعن عبد الله بن عمرو أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (أربعٌ إذا كنّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة طعمة) 184.
وعن جابر رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حدّث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة) 185.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (إنّ من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرّها) 186.
يعني: إنّ من أعظم خيانة الأمانة؛ على حذف المضاف.
وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: «الأمانة: الفرائض التي افترضها الله عز وجل على عباده» 187.
وقال أبو العالية: «الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه» 188.
وقال الضحّاك: «الأمانة الدّين» 189.
وقال أبيّ بن كعب رضي الله عنه: «من الأمانة أنّ المرأة اؤتمنت على فرجها» 190.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «من تضييع الأمانة النظر في الحجرات والدور» 191.
فبعضهم فسّرها بالعموم والإجمال، وبعضهم فسّرها ببعض المهمّات، ولا تعارض.
ويقول تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] .
وهذا يعمّ جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله عز وجل على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفّارات والنذور والصيام ... وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطّلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع ... وغير ذلك، مما يأتمنون به بعضهم على بعض من غير ضمانٍ على ذلك، فأمر الله عز وجل بأدائها 192. وامتدح الله عز وجل المؤمنين {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] .
فإذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك 193، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) 194.