فهرس الكتاب

الصفحة 1687 من 2431

الربا

أولًا: المعنى اللغوي:

الربا مصدر من الفعل ربا، بمعنى: نما وزاد، يقال: ربا يربو ربًا، فهو رابٍ، وأربيته نميته، والربا: الزيادة، يقال: ربا المال، أي: زاد وارتفع، وربت الأرض أي: انتفخت وعظمت وزادت؛ فالربا معناها: الزيادة في كل شيء 1.

والربوة والربوة والرابية: كل ما ارتفع من الأرض، وأربى الرجل: إذا قام على رابيةٍ، وربوت الرابية: علوتها 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الربا: عقدٌ على عوضٍ مخصوصٍ، غير معلومٍ التماثل في معيار الشرع حالة العقد، أو مع تأخير في البدلين أو أحدهما 3.

وقيل: بأنه تفاضلٌ في أشياء، ونسءٌ في أشياء، مختصٌ بأشياء، ورد الشرع بتحريمها -أي: تحريم الربا فيها- نصًا في بعضها، وقياسًا في الباقي منها 4.

فالربا: «هو الزيادة على أصل المال من غير عقد تبايعٍ» 5، والربا يطلق على شيئين: «يطلق على ربا الفضل، وربا النسيئة» 6.

وربا الفضل هو: البيع الذي فيه زيادة أحد العوضين على الآخر، كبيع دينار بدينارين، نقدًا ونسيئة، وصاع بصاعين، ورطل برطلين، يدًا بيد، ونسيئة.

وربا النسيئة هو: الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل 7.

والمعنى الاصطلاحي للربا مشتق من المعنى اللغوي له، الذي يدل على الزيادة والنماء.

وردت مادة (ربو) في القرآن الكريم (18) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) } [الحج:5]

الفعل المضارع ... 3 ... {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ} [الروم:39]

اسم فاعل ... 2 ... {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا} [الرعد:17]

مصدر ... 8 ... {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275]

أفعل التفضيل ... 1 ... {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل:92]

اسم مكان ... 2 ... {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) } [المؤمنون:50]

وجاء الربا في القرآن على ثلاثة أوجه 9:

أحدها: الزيادة والكثرة، ومنه قوله تعالى: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} [النحل: 92] ، يعني: أغنى وأكثر عددًا.

والثاني: المكان المرتفع، ومنه قوله تعالى: {وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} [المؤمنون: 50] ، يعني: موضع مشرف ومكان مرتفع.

والثالث: الشدة، ومنه قوله تعالى: {فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) } [الحاقة:10] ، يعني: شديدة.

الزكاة:

الزكاة لغة:

النماء، يقال: زكى الزرع يزكو أي: نما، وهي الطهارة والبركة والمدح 10.

الزكاة اصطلاحًا:

إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالكٍ مخصوص، معتبرًا فيه الحول والنصاب 11.

الصلة بين الزكاة والربا:

كلا اللفظين يحمل معنى الزيادة والنماء، إلا أن لفظ الزكاة فيه زيادة دلالة؛ إذ يدل أيضًا على الطهارة والبركة، وقد سمى الله عز وجل ما يخرجه الإنسان من ماله إلى الفقراء والمستحقين زكاة لما فيه من معاني النمو والبركة والتزكية للنفس وللمال.

البركة:

البركة لغة:

مشتقة من الفعل: برك، قال ابن فارس: «الباء والراء والكاف أصلٌ واحدٌ، وهو ثبات الشيء» 12. ومن ذلك اشتقت البركة، والتي هي بمعنى الزيادة والنماء، سميت بذلك لدلالتها على ثبات الخير 13.

البركة اصطلاحًا:

هي ثبوت الخير الإلهي في الشيء 14.

الصلة بين البركة والربا:

كلا اللفظين يدل على الزيادة، إلا أن الزيادة التي يدل عليها لفظ الربا زيادة محسوسة مشاهدة، أما الزيادة التي يتضمنها لفظ البركة فهي زيادة غير محسوسة.

المحق:

المحق لغة:

مشتق من الفعل (محق) ، قال ابن فارس: «الميم والحاء والقاف كلماتٌ تدل على نقصان، ومحقه: نقصه 15» . فالمحق: النقصان وذهاب البركة، ومنه المحاق وهو آخر الشهر إذا محق الهلال 16.

المحق اصطلاحًا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي للمحق عن المعنى اللغوي له، فهو في الاصطلاح يعني: النقص والمحو، قال ابن الأثير: «المحق: النقص والمحو والإبطال» 17.

الصلة بين المحق والربا:

المحق ضد الربا، فإذا كانت الربا تعني الزيادة والنماء، فإن المحق يعني النقصان والمحو؛ ولذا فقد جازى الله عز وجل الذي يأكل الربا بنقيض قصده؛ فإن المرابي يريد الزيادة والكثرة، والله عز وجل يعاقبه على انتهاكه لحرماته بالنقص والمحو والإبطال، محو لماله في الدنيا، ومحو وإبطال لعمله وثوابه يوم القيامة.

أولًا: ربا النسيئة:

هو الربا الذي كان موجودًا قبل الإسلام، من «نسأ الشيء ينسؤه نسًا وأنسأه: أخره، والاسم النسيئة والنسيء، ونسأ الشيء: باعه بتأخيرٍ، فتقول: نسأته البيع وأنسأته، وبعته بنسأةٍ، وبعته بنسيئةٍ، أي: بأخرةٍ» 18.

والنسيء: شهرٌ كانت العرب تؤخره في الجاهلية، فنهي عنه.

قال تعالى: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا} [التوبة: 37] .

وربا النساء، هو البيع بشرط أجلٍ، ولو قصيرٌ في أحد العوضين، ومن ثم فربا النسيئة مأخوذ من النسأ، وهو التأخير، وهو نوعان:

الأول: قلب الدين على المعسر، وهذا هو ربا الجاهلية، فيكون للرجل على الرجل مالٌ مؤجلٌ فإذا ما حل موعد قضاء الدين، قال له صاحب الدين: إما أن تقضي، وإما أن تربي فإن قضاه وإلا زاد الدائن في الأجل، وزاد في الدين مقابل التأجيل، فيتضاعف الدين في ذمة المدين.

الثاني: ما كان في بيع جنسين اتفقا في علة ربا الفضل، مع تأخير قبضهما أو قبض أحدهما، كبيع الذهب بالذهب أو بالفضة، أو الفضة بالذهب مؤجلًا أو بدون تقابض في مجلس العقد.

وسمي ربا النسيئة لأن الزيادة فيه مقابل الأجل أيًا كان سبب الدين، بيعًا كان أو قرضًا، وسمي ربا القرآن؛ لأنه حرم بالقرآن الكريم في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] .

ثانيًا: ربا الفضل:

يكون بالتفاضل في الجنس الواحد من أموال الربا إذا بيع بعضه ببعضٍ، كبيع درهمٍ بدرهمين نقدًا أو بيع صاع قمحٍ بصاعين من القمح، ونحو ذلك.

ويسمى ربا الفضل لفضل أحد العوضين على الآخر، وإطلاق التفاضل على الفضل، إنما هو من باب المجاز، فإن الفضل في أحد الجانبين دون الآخر.

ويسمى ربا النقد في مقابلة ربا النسيئة: ويسمى الربا الخفي، قال ابن القيم: «الربا نوعان: جليٌ وخفيٌ؛ فالجلي حرم؛ لما فيه من الضرر العظيم، والخفي حرم؛ لأنه ذريعةٌ إلى الجلي، فتحريم الأول قصدًا، وتحريم الثاني؛ لأنه وسيلةٌ، فأما الجلي، فربا النسيئة، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية» .

وجاء تحريم ربا الفضل من باب سد الذرائع، كما صرح به في حديث ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين؛ فإني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا) 19.

فمنعهم من ربا الفضل لما يخافه عليهم من ربا النسيئة؛ وذلك أنهم إذا باعوا درهمًا بدرهمين، ولا يفعل هذا إلا للتفاوت الذي بين النوعين، إما في الجودة، وإما في السكة، وإما في الثقل والخفة، وغير ذلك، تدرجوا بالربح المعجل فيها إلى الربح المؤخر، وهو عين ربا النسيئة، وهذا ذريعةٌ قريبةٌ جدًا، فمن حكمة الشارع أن سد عليهم هذه الذريعة، وهي تسد عليهم باب المفسدة.

فلو باع رجلٌ كيلو من التمر من النوع الجيد باثنين كيلو من التمر من النوع الرديء، فإن هذا غير جائزٍ، ومن ثم يعد من ربا الفضل الذي دل على تحريمه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ربا اليد: هو البيع مع تأخير قبض البدلين أو تأخير قبض أحدهما دون ذكر أجل التسليم في العقد، وذلك كأن يبيع رجلٌ لآخر مائة جرامٍ من الذهب بثلاثمائة من الفضة مثلًا من غير أن يقبض كل من البائع والمشتري ما اتفقا عليه، أو يقبض أحدهما، ولا يقبض الآخر دون أن يتفقا على وقت تسليم العوض غير المقبوض، وسمي بهذا الاسم نظرًا لخلو يد أحد المتبايعين مما يستحق من العوض، أو خلو يديهما معًا.

وفي الحديث: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح؛ مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواءٌ) 20.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثلٍ، يدًا بيدٍ، فمن زاد، أو استزاد، فقد أربى، إلا ما اختلفت ألوانه) 21.

وللخروج من مثل هذه الحالة أن يبيع المرء ما معه من البر أو الشعير بالمال، ثم يشتري بالمال ما شاء من النوع الآخر من البر أو التمر، أو الشعير، حتى يسلم من الربا.

ولكن إذا اختلفت هذه الأجناس بين الناس، فيبيعون كيف شاؤوا إذا كان يدًا بيدٍ؛ إذ تدل السنة على أنه لا يجوز أن يباع عشرة أصواعٍ من التمر الجيد بعشرين صاعًا من الرديء؛ لأن هذا هو ربا الفضل، وحرم سدًا لباب ربا النسيئة، وقد أكدت السنة النبوية المثال التطبيقي الفعلي لتحريم الربا.

ففي الحديث عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: (جاء بلالٌ رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمرٍ برنيٍ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:(من أين هذا؟) قال بلالٌ: كان عندنا تمرٌ رديٌ، فبعت منه صاعين بصاعٍ؛ لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: (أوه أوه، عين الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيعٍ آخر ثم اشتره) 22.

وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمرٍ جنيبٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكل تمر خيبر هكذا؟) قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبًا) 23.

وأكدت السنة النبوية تحريمه في خطبة الوداع، وفي أحاديث أخرى، ومن ثم انعقد إجماع المسلمين على تحريمه.

والربا الذي كانت العرب تعرفه، وتفعله، إنما كان قرض الدراهم والدنانير إلى أجلٍ بزيادةٍ على مقدار ما استقرض على ما يتراضون به، والذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، كأن يؤخر دينه ويزيده في المال، وكلما أخره زاده في المال المضاف (الفائدة) حتى تصير المائة عنده آلافًا، فالمرابي يقول: إن الذي أخذ المال بالربا، اشترى به إبلًا وأرضًا وتاجر فيه وكسب كثيرًا، وليس بمحرمٍ علي أن يعطيني نسبةً مما ربحه، وكثير من الذين يأخذون الربا، إنما يأخذونه للاستثمار، وقليلٌ منهم من يأخذ للحاجة الماسة أو للضرورة.

إن هذا القرآن العظيم لا تنتهي فوائده، وكلما قلب العلماء النظر في آياته، وتأملوا دلالاته يفتح الله عليهم من فيض علمه سبحانه وتعالى ما ينير به بصائرهم، ومازال العلماء ينهلون من كتاب الله تعالى، ويظهرون إعجازه إلى أن يرث الله الأرض من عليها، فمن خصائص القرآن: أنه معجزٌ.

ومن الأصول المقررة في الشريعة، أن الله تعالى لا يأمر بشيءٍ إلا بما يحقق مصلحة عباده، ولا ينهاهم إلا عما يفسد حياتهم.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .

فلم يبق عدلٌ ولا إحسانٌ ولا صلةٌ إلا أمر به في هذه الآية الكريمة، ولا منكرٌ متعلقٌ بحقوق الله ولا بغي على الخلق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم إلا نهى عنه، ووعظ عباده أن يتذكروا ما في هذه النواهي من الشر والضرر، فيجتنبوه، وقد نهى الله تعالى عن المعاصي جميعها، وتوعد من خالف أمره بالعقاب.

أولًا: تحريم الربا في الإسلام:

لقد حرم الله الربا وجعله من أكبر الكبائر، كما بين أنه سببٌ لعقوباتٍ عديدةٍ في الدنيا والآخرة، ومنع الإسلام من تقديم مساعدة للتعامل الربوي، ومن ثم تنوعت أدلة تحريمه في الكتاب والسنة، وأجمع علماء المسلمين على تحريمه.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 278 - 279] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] .

وفي الحديث في خطبة الوداع: عن سليمان بن عمرٍو عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول: (ألا إن كل ربًا من ربا الجاهلية موضوعٌ، لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون) 24.

ولذلك فإن كل التزامٍ بالربا يجب التنازل عنه، فمن لديه مالٌ من ربًا، فليتخلص منه، ولكن له أن يبقي رأس ماله، لا يلحقه ظلمٌ، ولا أن يظلم أحدًا.

إن الله تعالى حكم ببطلان الربا، وكل ربا الجاهلية موضوعٌ، وأول ربًا وضع وحظر كان ربا العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع المسلمون على تحريم الربا.

ومن ثم، فليس ثمة اختلافٌ في الرأي بين علماء المسلمين بشأن حظر التعامل بالربا في الشريعة الإسلامية؛ لأن القرآن والسنة لم يدعا مجالًا للشك في تحريمه.

وقد جاء في الحديث عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شفع لأخيه بشفاعةٍ، فأهدى له هديةً عليها، فقبلها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا) 25.

وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواءٌ) 26.

ومن ثم فإنه لا يجوز لرجلٍ ما أن يضمن صاحبه للحصول على قرضٍ من أحد المصارف مقابل حصول المصرف على فائدة ما.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا سبعون حوبًا، أيسرها أن ينكح الرجل أمه) 27.

إن الربا وبالٌ على المجتمعات والدول التي لا تحرمه؛ إذ يتدهور اقتصاد تلك البلدان المتعاملة به؛ لأن الله سبحانه عد الربا من الموبقات وحرمه في القرآن وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تحريمًا أكيدًا.

ولما كان الربا من المحرمات التي انتشرت في هذه الأيام، وأصبح الناس يتعاملون به بينهم، كان من الواجب أن يتبينوا حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذه المعاملة المحرمة.

ولبيان بشاعة الربا، هب مثلًا أن رجلًا لديه مثلًا ألف جنيهٍ، ورجلٌ آخر لا يملك شيئًا، فصاحب الألف يستطيع أن يديرها، وأن يعيش منها، أما الآخر الذي لا يملك شيئًا، فقد يضطر إلى أن يقترض ليعيش مثل صاحبه، فإن اقترض: الألف جنيهٍ قرضًا بمائة جنيهٍ فائدةً، فمن أين يوفر هذه المائة المضافة؟ إذ إنه لا يملك شيئًا أصلًا.

إن أخذها من عائد المال يخسر، وإن أخذها من السلعة بأن يقلل من الجودة، أو من العناصر الفعالة المكونة للسلعة، أو في التغليف، أو غير ذلك جاءت السلعة أقل من مثيلاتها، وبارت، ولم تجد من يقبل على شرائها.

إذن: الزيادة لابد أن يتحملها المستهلك، وهذا إضرارٌ به، وهو ليس طرفًا في العقد، إذن: العقد باطلٌ، لوقوع الضرر على المستهلك الذي لا ناقة له في الأمر، ولا جمل.

ثانيًا: التدرج في تحريم الربا:

لقد سلك القرآن الكريم أسلوب الرفق والتدرج، في نقل المخاطبين من حياة الجاهلية، إلى سماحة الإسلام ويسره، وتجلى ذلك في شرائع الإسلام، وأحكامه العملية، إن التدرج في التشريع هو المنهج الكامل للقرآن الكريم، والسنة النبوية، فالتدرج سنة الحياة، فقد خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وقال العلماء: (من طلب العلم جملةً فاته العلم جملةً) .

لقد كان الربا بأنواعه وأشكاله المختلفة عصب الاقتصاد في المجتمع العربي الجاهلي، ومن ثم كانت الحكمة تقتضي أن يتدرج التشريع القرآني في تحريمه، حتى لايحدث ما يؤدي إلى التفكك والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، فكان التدرج.

وقد ذكر بعض الباحثين أن الربا في القرآن الكريم، قد تدرجت الآيات في تحريمه، كما تدرجت في تحريم الخمر 28.

وسبب هذا التدرج في تحريم بعض الأحكام الفرعية، إنما هو رسوخ، وتعلق المخاطبين بهذه العادات والأفعال، حتى أنه كان من الصعب عليهم الامتثال، للإقلاع عنها دفعةً واحدةً، فكان التدرج.

ومن ثم نجد هذا التدرج في تحريم الربا في أربع آياتٍ قرآنيةٍ، تتعلق بتحريم الربا، واحدةٌ منها نزلت بمكة، وثلاثٌ في المدينة، ويمكن ترتيب هذا التدرج، على عدة مراحل.

المرحلة الأولى: هي ما جاء في سورة الروم، وهي مكية نزلت قبل الهجرة ببضع سنين، حيث جاء الأمر مقرونًا بذم الربا، ومدح الزكاة، وذلك قبل فرض الزكاة.

قال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39] .

وقد جاء في السور المكية أصول الواجبات، والمحرمات بشكل إجمالي، كما في هذه الآية الكريمة، وجاءت هذه الآية لتوجه الأنظار، وتهيء النفوس؛ لتقبل فكرة التحريم، ومن ثم ترى أن التدرج أول الأمر حيث أوضح الله أن الربا لا نماء فيه، ولا بركة، وقارن بينه وبين الزكاة مبينًا أن الزكاة مما يضاعف الله ثوابها، ويبارك فيها.

قال أبو إسحاق: «يعني به دفع الإنسان الشيء؛ ليعوض ما هو أكثر منه، وذلك في أكثر التفسير ليس بحرامٍ، ولكنه لا ثواب لمن زاد على ما أخذ، والربا ربوان، والحرام: كل قرضٍ يؤخذ به أكثر منه، أو يجر منفعةً، فهذا حرامٌ، والذي ليس بحرامٍ أن يهبه الإنسان يستدعي به ما هو أكثر منه، أو يهدي الهدية، ليهدى له ما هو أكثر منها» 29.

وقال الفراء: «وما أعطيتم من شيءٍ لتأخذوا أكثر منه؛ فليس ذلك بزاكٍ عند الله» 30.

المرحلة الثانية: وهي في سورة النساء، وهي سورةٌ مدنيةٌ.

قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 - 161] .

تبين الآيات أن الله تعالى قد نهى اليهود عن الربا، فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواعٍ من الحيل وصنوفٍ من الشبه 31، إذ يخبر الله تعالى، أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة حرم عليهم طيبات كان أحلها لهم.

وهذا تلميحٌ بالتحريم؛ لأنه جاء على سبيل الحكاية عن بني إسرائيل، وأن الربا كان محرمًا عليهم، فاحتالوا على أكله، ومن ثم فهو بذلك تمهيدٌ، وإيماءٌ إلى إمكان تحريم الربا على المسلمين، كما هو محرمٌ على بني إسرائيل، وفي الآية إيماءٌ آخر، أنه إذا حرم عليكم الربا، فلا تكونوا مثل اليهود، ولا تفعلوا مثل فعلهم، فتلقوا من العذاب الأليم مثل ما لقوا؛ لأن هذا سلوك الكافرين، فكانت هذه الآية بيانًا من الله بعدم قبول الربا، ومقدمة للمنع.

المرحلة الثالثة: هي ما جاء في سورة آل عمران بشأن النهي عن أكل الربا.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 130 - 131] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت