وبهذا الأسلوب قابل بين مصير الفريقين بأبلغ بيان. إذ عدى (نَحْشُرُ) بـ (إِلَى?) تعظيمًا وتبجيلًا للمؤمنين، وذكر صفة الرحمة (الرَّحْمَ?نِ) التي خص المؤمنين بها إكرامًا لهم؛ إذ إن لفظ الحشر يوحي بالجمع من أماكن متفرقة وأقطار شاسعة على سبيل القهر، فجاء لفظ: (الرَّحْمَ?نِ) مؤذن بأنهم يحشرون إلى من يرحمهم، كما أن لفظ الوفد مشعرٌ بالإكرام والتبجيل كما يفد الوفاد إلى الملوك منتظرين الكرامة عندهم، وفي جانب المجرمين استخدم لفظ السوق الذي فيه إزعاج، ومما زاده تفظيعًا هو تعديته بـ (إِلَى) تبشيعًا لحالهم ومكانهم 90.
فلا تخفى جمالية المقابلة في اختيار الألفاظ المناسبة لكلا الحالتين. وحشر المؤمنين والكافرين إلى مصيرهم تكرر في سورة مريم.
ومن صور حشر الكافرين المجرمين (حشرهم زرقًا) كما جاء في قوله تعالى: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ? وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ?102?يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ?103?) [طه: 102 - 103] .
يصور المشهد المبارك المجرمين وهم يحشرون زرق الوجوه من الكدر والغم أو زرق العيون من شدة العطش أو من العمى، يتخافتون بالحديث لا يرفعون به صوتًا من الرعب والهول والرهبة المخيمة على ساحة الحشر، وفيم يتخافتون؟ إنهم يحاولون تقدير المدة التي قضوها في الدنيا أو في القبور، فيقولون لم نلبث إلا عشر ليال، ويقول أصوبهم رأيًا: ما لبثتم غير يوم، فيستوي في ذلك التخبط الناتج عن المفاجأة الجاهلون والعالمون 91.
ومن صور حشر الكافرين المجرمين (حشرهم عميًا على وجوههم) لا كما كانوا يمشون في الدنيا على أرجلهم.
وذلك في قوله تعالى: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ? وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ ? وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى? وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ? مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ?97?ذَ?لِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ?98?) [الإسراء: 97 - 98] .
وغيرها من الآيات. آيات تصور الكافرين المجرمين وهم يحشرون بذلٍ وهوانٍ على وجوههم عميًا لا يرون، وبكمًا لا يتكلمون، وصمًا لا يسمعون، يحبس أولهم على آخرهم، فيساقون إلى النار مجتمعين. وحشر الكافر أعمى يمشي على وجهه جاء في حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رجلٌ: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: (أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرًا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟) 92.
ومن صور حشر الكافرين المجرمين (حشرهم مع أوثانهم وشياطينهم وهم جاثون على الركب) وذلك في قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا ?68?ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَ?نِ عِتِيًّا ?69?) [مريم: 68 - 69] .
وقوله تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ?22?مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى? صِرَاطِ الْجَحِيمِ ?23?) [الصافات: 22 - 23] .
فرب العزة سبحانه وتعالى أقسم بنفسه الكريمة أنه يحشر الكافرين منكري البعث، وأمثالهم مع الشياطين ومعبوداتهم الباطلة التي كانت تضلهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جاثين على ركبهم ذلًا وهوانًا.
وقد رسم القرآن الكريم في مواضع أخرى متفرقة صفات الناس وقسماتهم في أرض المحشر، وجوههم، أبصارهم، لسانهم، وغيرها، ومما جاء في بيان وجوه الناس بشكل عام تصويرها وهي قد ذلت وخضعت لله تعالى قوله تعالى: (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ? وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا) [طه: 111] .
ومنها أنه حينئذ تبيض وجوه وتسود وجوه في قوله تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ? فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ?106?وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?107?) [آل عمران: 106 - 107] .
فالآيتان تصوران مشهدًا من مشاهد القيامة؛ إذ نرى فيه مظهرًا عجبًا، نرى وجوهًا مبيضة ووجوهًا مسودة وهذا مشهدٌ حسيٌ، ولكنه منبعثٌ عن تأثر نفسي، ألقى ظله على هذه الوجوه فابيضت، وعلى تلك فاسودت، وهذا وذلك زيادة في العذاب والنعيم وفي التحقير والتكريم 93. وخص الوجه بالذكر دون سائر الجسد؛ لأنه أول ما يرى من الإنسان، ولأنه أشرف الأعضاء في الجسد.
ولهذا نرى التركيز عليه في وجوه الكافرين خاصة مثل قوله تعالى: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ? أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر: 60] .
وفي سورة عبس نعاين صفاتٍ أخرى في الوجوه، وجوه المؤمنين ووجوه الكافرين، زاد فيها على بياض الوجوه النور والإشراق والضحك والاستبشار مما دل على الأمن والطمأنينة ذلك في قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ?38?ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ?39?) [عبس: 38 - 39] .
وأضاف إلى وجوه الكافرين المسودة غبارا دالًا على الكآبة واليأس والخوف في قوله تعالى: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ?40?تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ?41?أُولَ?ئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ?42?) [عبس: 40 - 42] .
وفي آيات أخرى نرى تقابلًا بين وجوه المؤمنين ووجوه الكافرين من حيث النظر إليه سبحانه وتعالى وعدمه في قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ?22?إِلَى? رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ?23?وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ?24?تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ?25? [القيامة: 22 - 25] .
هذه المقابلة بين الفريقين التي أظهرت البون الشاسع بينهما، فالمؤمنون وجوههم مشرقةٌ مبتسمةٌ، وهذا يدل على الأمن والطمأنينة، والكافرون وجوههم عابسةٌ مظلمةٌ، وهذا يدل على خوفهم وذعرهم ويأسهم، فهم فريقان مختلفان، وهذا ما يدلٌ عليه التنكير المستفاد منه التنويع في (وُجُوهٌ) .
وفي الآية تكريم عظيم من الله لعباده المؤمنين في أرض المحشر يوم القيامة، فهو يزيد لهم الفضل والنعم بعد تبييض وجوههم في أرض المحشر بالنظر إلى وجهه الكريم عيانًا كما ترى الشمس في النهار إذا كان الجو صحوًا كما دلت على ذلك النصوص التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
وهكذا رسم القرآن الكريم في الآيات السابقة بمجموعها صورة تقابلية بين بياض ونضارة وجوه المؤمنين، وسواد وكلاحة وقتامة وجوه الكافرين، وفي الجمع والموازنة بينها يتجلى البون الشاسع بين منزلة المؤمنين والكافرين في أرض المحشر، ففريق المؤمنين يحشرون في أجمل صورة وأكرمها، وقد ملأت الطمأنينة والفرحة نفوسهم -فالبياض علامة لهم يوم القيامة- فوجوههم بيضاء مشرقة ضاحكة مستبشرة إلى ربها ناظرة.
بخلاف الكافرين الذين يحشرون سود الوجوه في أبشع صورة وأذلها، فوجوههم سوداء مظلمة عليها غبرة ترهقها قترة لا تنظر إليه سبحانه بل هم في النار خالدون.
ومما جاء في وصف الكافرين في أرض المحشر قوله تعالى: (وَلَوْ تَرَى? إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ?12?) [السجدة: 12] .
آية ترسم صورة المجرمين وهم منكسو الرءوس يوم القيامة، لا يرفعونها من عظيم الخزي والذل الذي يشعرون، ويحكي بعد ذلك قولهم الدال على إقرارهم بعد أن شاهدوا بأعينهم وسمعوا بآذانهم بأن الآخرة حق وما جاء به رسل الله عليهم الصلاة والسلام حق، فيتمنون أن يعيدهم الله إلى الدنيا لتكون الفرصة الأخيرة لهم، ولكن بعد فوات الأوان.
وقد صور القرآن الكريم أبصار الكافرين في أرض المحشر، صورها وهي ذليلة مهانة، ومما جاء في ذلك قوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ? يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى? شَيْءٍ نُكُرٍ ?6?خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ ?7?مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ? يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَ?ذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ?8?) [القمر: 6 - 8] .
وقوله تعالى: (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى? يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ?42?يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى? نُصُبٍ يُوفِضُونَ ?43?خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ? ذَ?لِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ?44?) [المعارج: 42 - 44] .
وقد سبق بيان هذه الآيات.
وقد صور القرآن الكريم حالهم وملابسهم ووجوههم معًا، حالهم ذليل، وذلك في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ? وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ?48?وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ?49?سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى? وُجُوهَهُمُ النَّارُ ?50?لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ? إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ?51?) [إبراهيم: 48 - 51] .
وصورهم وهم صامتون لا يتكملون في قوله تعالى: (هَ?ذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ ?35?وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ?36?وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ?37?هَ?ذَا يَوْمُ الْفَصْلِ ? جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ?38?فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ ?39?) [المرسلات: 35 - 39] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: (رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَ?نِ ? لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا ?37?يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا ? لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَ?نُ وَقَالَ صَوَابًا ?38?ذَ?لِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ? فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى? رَبِّهِ مَآبًا ?39?إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ?40?) [النبأ: 37 - 40] .
مشهدٌ يصور حال الهلع والذعر مما يرى، والندم على ما قدم، عندما يرى قضاء الله تعالى في البهائم قبل حسابهم فيتمنى أن يكون ترابًا كالبهائم لسوء ما قدمت يداه من خزيٍ ينتظره حسابًا وجزاءً.
وإذا انتقلنا إلى موطنٍ آخر نجد آياتٍ تصور الهول الذي يعم كل إنسانٍ في أرض المحشر حتى يفصله عن محيطه ويجعله يفر من كل قريبٍ وحبيبٍ له في الدنيا، وذلك في قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ?33? يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ?34? وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ?35? وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ?36? لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ?37? وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ?38? ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ?39? وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ?40? تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ?41? أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) [عبس: 33 - 42] .
مشهدٌ يصف أهوال القيامة التي تصل إلى مشاعر الإنسان الوجدانية المرتبطة بأقرب الناس إليه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هول ذلك اليوم فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلًا) قلت: يا رسول الله النساء والرجال جميعًا ينظر بعضهم إلى بعضٍ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعضٍ) 94؛ لأن (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) ، فالكل مشغولٌ بأمره ولا يدري عن حال غيره شيئًا.
ويلاحظ أنه تدرج في ذكر من يفر منهم المرء يوم القيامة على طريقة الترقي في القرب والمحبة؛ مبالغةً في وصف الهول والفزع الذي يعيشه، فـ «ذكر فرار الإنسان من أحبابه، ورتبهم ترتيبًا في الحنو والشفقة، فبدأ بالأقل، وختم بالأكثر؛ لأن الإنسان أشد شفقةً على بنيه من كل ما تقدم ذكره، وإنما يفر منهم؛ لاشتغاله بنفسه» 95.
وقد اقتضى السياق هذا الترتيب، في حين نجد أنه في موضع آخر بدأ بما انتهى منه هنا وذلك في قوله تعالى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا ?10?يُبَصَّرُونَهُمْ ? يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ?11?وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ?12?وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ?13?وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ?14? [المعارج: 10 - 14] .
ومما لاشك فيه أن سبب تقديم الأخ على الأم والأب والصاحبة والابن في سورة عبس، وتقديم الابن على الصاحبة والأخ والفصيلة (الأم) في سورة المعارج، كان لأمرٍ خاصٍ يقتضيه السياق، جعل النظم في الترتيب مغايرًا في الموضعين، وهو يقوم على اختيارٍ معنويٍ جماليٍ خاصٍ، ويهيئ لتصورٍ معينٍ، ويحقق كل شروط الفن البلاغي.
وسبب ذلك أن المقام في سورة عبس مقام فرارٍ وهربٍ من الأحبة انشغالًا بالنفس يوم الفزع الأكبر، والإنسان يفر من الأباعد أولًا ثم ينتهي بألصق الناس به، فجاء الترقي من الأدنى إلى الأعلى؛ لأنه يناسب فكرة الفرار والنكوص عن مساعدة أقرب الأقربين - انشغالًا بالنفس- من شدة الهول ولذلك تأخر ذكر البنين؛ لأنه لو بدأ بذكرهم، لما احتاج بعد ذلك إلى ذكر غيرهم، ولأن الوصف بالتخلي عن نجدة الأبناء، والانصراف عنهم هو أقصى ما يمكن أن يصل إليه التعبير عن مدى انشغال الإنسان بهمومه الخاصة ومشكلاته الذاتية عن كل ما حوله، فهذا وصفٌ لما ينتاب المرء من الذاتية المطلقة والاستغراق المطلق بالقلق الشخصي على المصير في ذلك اليوم العصيب، في حين نرى أن السياق في سورة المعارج غيره في سورة عبس؛ إذ يؤتى بالمجرم؛ ليلقى جزاء عمله في النار.
فالمقام مقام البحث عن المنقذ والمعين والمفتدي، والمجرم يود النجاة بكل سبيلٍ ولو أدى ذلك إلى أن يبدأ بأقرب الناس إليه، فكان الترتيب على سبيل التدلي فبدأ بالأقرب كما تعول عليه النفس، فالابن فالزوجة، فالأخ فالعشيرة، ثم من في الأرض جميعًا.
وهذا الترتيب فضلًا عن أنه تعبيرٌ يناسب من حيث تدرجه حركة الكافر النفسية في ذلك اليوم، فإنه تعبيرٌ عن اشتعال الحيرة واتساعها في قلب الكافر، وتفاقم التشتت الذي يعتريه، وهذا ما يرمز إليه الانتقال من الأدنى إلى الأبعد عاطفيًا ومكانيًا، ويدل أيضًا على العجز عن طلب المعين، والاضطراب في التماسه اضطرابًا شديدًا باتساع دائرة البحث عنه درجةً بعد درجةٍ حتى تشمل كل الموجودات في ذلك اليوم العصيب 96.
وثمة أمورٌ أخرى اقتضت أن يكون الترتيب مغايرًا في سورة المعارج، منها أن المفتدي هو (مجرم) وليس إنسانًا اعتياديًا، والمجرم مستعدٌ لفعل أي شيءٍ؛ للنجاة بنفسه ولو كان الفداء بأحب وأقرب من لديه؛ ليضعه مكانه في النار، بل لا يهمه لو افتدى بالناس كلهم بذنبه، ومنها أن البدء بأقرب الناس يدل على هول العذاب فوق التصور مما يجعله يفتدي هكذا، ومنها أنه ذكر ما يناسب هذه القطيعة بالافتداء وهو قوله تعالى: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: 10] .
والحميم: القريب، فبدأ بالأقرب فالأبعد 97.
عرض القرآن الكريم لمشاهد الحساب وأحداثه بدءًا من الميزان الذي توزن فيه أعمال المرء كلها، ومن ثم تطاير الصحف والعرض، انتهاءً بندم الكافرين والمنافقين وجدالهم بعد هذه الأحداث الفاصلة التي تنتهي بأمرهم إلى الخلود في نار جهنم.
ينصب يوم القيامة ميزانٌ حقيقيٌ كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «له لسانٌ وكفتان لحساب الخلق على ما قدموه من أعمالٍ صالحةٍ وطالحةٍ، فيؤتى بالأعمال الصالحة على صورةٍ حسنةٍ جميلةٍ، وبالأعمال السيئة على صورةٍ قبيحةٍ، فتوضع كل واحدةٍ منهما في كفة الميزان، وعلى هذا تكون صحيفة المرء بعدها» 98.
ومن المواطن التي جاء فيها ذكر الميزان قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ? وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ? وَكَفَى? بِنَا حَاسِبِينَ ?) [الأنبياء: 47] .
تصف الآية الكريمة القضاء العادل في اليوم الآخر بأنه يوازن بين أعمال العباد موازنة دقيقة فيحاسب كلا على أعماله، والمعنى: أن الموازين يوم القيامة عدلٌ لا يظلم بها أحدٌ شيئًا.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: و «الأكثر -يعني: من العلماء- على أنه إنما هو ميزانٌ واحدٌ، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه» 99.
ووصف الله تعالى الموازين بالقسط؛ لأن الميزان قد يكون مستقيمًا وقد يكون بخلافة، فبين أن تلك الموازين تجري على حد العدل والقسط، وأكد ذلك بقوله: (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا) .
وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن أعمال العباد توزن في اليوم الآخر من حسنات أو سيئات، فمن ثقلت موازينه بأن رجحت حسناته على سيئاته فاز ودخل الجنة برحمته تعالى، ومن رجحت سيئاته على حسناته هلك ودخل النار بعدله تعالى، وإن كان المؤمنون على تفاوت درجاتهم في الأعمال هم من أهل الجنة، وإن عذبوا على بعض ذنوبهم بمقدارها.
وفي وزن أعمال العباد جاءت آيات عدة، منها قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ?101?فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?102?وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَ?ئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ?103?تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ?104?) [المؤمنون: 101 - 104] .
وقوله تعالى: (?وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ? فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?8?وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَ?ئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ ?9? [الأعراف: 8 - 9] .
ومنها أيضًا قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ?6?فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ?7?وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ?8?فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ?9?وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ?10?نَارٌ حَامِيَةٌ ?11?) [القارعة: 6 - 11] .
فجاءت الآيات الكريمات؛ لتعرض وزن أعمال الناس في الميزان، وتفصل في حالهم إلى حالٍ حسنةٍ لأهل السعادة المعبر عنهم بـ (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ?6?فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) ، وحال فظيعة لأهل الشقاء المعبر عنهم بـ (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ?8?فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ?9?وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ?10?نَارٌ حَامِيَةٌ) 100.
فكان في التفصيل مقابلةٌ بين الصنفين الشقي منهم والسعيد، وبيان منزل كل فريقٍ منهم، فالسعداء ترجح حسناتهم على سيئاتهم، وتثقل في الميزان وتكون خاتمتهم إلى الجنان، أما الأشقياء الذين لا تقوم بهم حسناتهم وترجح سيئاتهم فيكون مآلهم إلى النار.
وفي مواضع أخرى يصور القرآن الكريم دقة الميزان في وزنه حتى الذرة المتناهية في الصغر قسطًا وعدلًا من الله تعالى، وذلك في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ ?6?فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ?7?وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ?8?) [الزلزلة: 6 - 8] .
فهذه آياتٌ تصف دقة الميزان الرباني في اليوم الآخر، الناس يمضون (أَشْتَاتًا) متفرقين بحسب أعمالهم (لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ) خيرًا كانت أم شرًا، يرونها مكتوبةً في صحائفهم، فيعطون كتبهم بحسب أعمالهم بيمينهم أو شمالهم، ويرونها وهي توزن في الميزان.
وهذا ما يدل عليه التفريع بعدها: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ?7?وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) «انتقالًا للترغيب والترهيب بعد الفراغ من إثبات البعث والجزاء، والتفريع قاضٍ بأن هذا يكون عقب ما يصدر الناس أشتاتًا» 101.
وبعض الخلق لا يقيم لهم الرحمن وزنًا في اليوم الآخر، وهم المذكورون في قوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ?103?الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ?104?أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ?105?) [الكهف: 103 - 105] .
وقد جاء بيان هذه الآيات الكريمات في السنة النبوية الشريفة فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضةٍ، وقال: اقرءوا: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ) ) 102.
تطالعنا آياتٌ في التعبير القرآني تعرض لمشاهد من الحساب، وهي تطاير الصحف إلى أصحابها، تلك الصحف التي يكتب فيها ما قدم ابن آدم في حياته، وقد جاءت هذه المشاهد؛ لتقابل بين صنفين من الناس؛ صنفٌ يؤتى كتابه بيمينه، وآخر يؤتى كتابه بشماله، وحال كل واحدٍ منها بعدها.
ومن هذه المشاهد ما جاء في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ ?18? فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ?19? إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ?20? فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ?21? فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ?22? قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ?23? كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ?24? وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ ?25? وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ ?26? يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ ?27? مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ ?28? هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ?29? خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ?30? ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ?31? ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ ?32? إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ?33? وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ?34? فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ ?35? وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ?36? لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ) [الحاقة: 18 - 37] .
فهذه آياتٌ تصف الحساب وموقف الناس عنده؛ إذ ينقسمون إلى قسمين، منهم من يؤتى كتابه بيمينه، فيسعد أيما سعادة، ويفرح فرحًا كبيرًا، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله، فيشقى أيما شقاوة، ويحزن حزنًا عميقًا، فريقان مختلفان في موقفٍ واحدٍ، يصورهما القرآن أدق تصويرٍ.
ومن مشاهد تطاير الصحف وإتيان الكتاب في اليمين أو الشمال أيضًا قوله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ?7? فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ?8? وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ?9? وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ?10? فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ?11? وَيَصْلَى سَعِيرًا ?12? إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ?13? إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ ?14? بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: 7 - 15] .
جاءت هذه الآيات تفصيلًا للإجمال في قوله تعالى في أول السورة: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) ، وهي تقابل بين صنفي الناس آنذاك، فمنهم من يؤتى كتابه بيمينه وهو السعيد، ومنهم من يؤتى كتابه بشماله وهو الشقي. والحساب اليسير في الآية كنايةٌ عن عدم المؤاخذة على سيئاته، بل هو عرضٌ فقط يذكر فيه تعالى المؤمن بما عمل في الدنيا 103. ثم يتجاوز عنه، فهو حسابٌ قليلٌ يسيرٌ كما دل عليه التنكير في قوله تعالى: (حِسَابًا يَسِيرًا) . ويدل عليه أيضًا ما روي عن أم المؤمنين سيدتنا عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نوقش الحساب عذب) قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قال صلى الله عليه وسلم: (ذلك العرض) 104، وفي روايةٍ أخرى: (ليس ذاك الحساب! إنما ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عذب) 105.
وبعد هذا العرض ينصرف إلى بيته وأهله في الجنة مسرورًا فرحًا. أما الشقي فسيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره؛ لأن «أيمانهم تغل إلى أعناقهم، وتكون شمائلهم وراء ظهورهم» 106.
وما أن يقرأ كتابه حتى يدعو على نفسه بالهلاك لسوء مصيره؛ إذ سيدخل جهنم. ومما جاء في بيان الصحف وتطايرها أيضًا قوله: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ? فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَ?ئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ?71?وَمَنْ كَانَ فِي هَ?ذِهِ أَعْمَى? فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى? وَأَضَلُّ سَبِيلًا ?72?) [الإسراء: 71 - 72] .
جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن هناك الكثير من الشهود على الإنسان في اليوم الآخر لإقامة الحجة عليه ولتكون دليلًا وشاهدًا على ما فعله في الحياة الدنيا، وربنا الرحمن تعالى لا يحتاج إلى من يخبره عن عباده أو يشهد عليهم بما فعلوه، فهو العالم تعالى بهم وبأعمالهم كما حكى عن نفسه العلية في قوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ? وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَ?لِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?61?) [يونس: 61] .
وقوله تعالى: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى? مَا يَفْعَلُونَ [يونس: 46] .
وشهادة الرب تعالى على الإنسان في الدنيا تكفي على ابن آدم فهو أعظم شهيد وأجل شهيد تعالى، إلا أنه سبحانه من كمال عدله وإعذارًا لهم أقام عليهم الشهود بعد شهادته عليهم، ونوعهم وكثرهم؛ لإلزامهم الحجة والبينة، وهؤلاء الشهود كثر كما ذكرنا، أولهم ربنا الرحمن إذ يذكر الإنسان بما قدم في الدنيا ويقول له: ألم تفعل كذا وكذا؟ -كما جاء في الصحيح-. والآيات في شهادته تعالى على العباد كثيرة. ذكرنا بعضها في هذه الفقرة ومع هذا، فالإنسان بجحوده ينكر وينكر، فيزيد الله تعالى له الشهود من مخلوقاته عليه حكمًا وعدلًا -كما سيأتي-.
ومن الشهود على الخلق أيضًا بعد شهادة الله تعالى الملائكة بأصنافها كما في قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ(17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ? ذَ?لِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ? ذَ?لِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21 ) ) [ق: 17 - 21] .
أي: ملك يسوقه إلى المحشر وملك يشهد عليه بأعماله في الدنيا، وقوله تعالى: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ?9?وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ?10?كِرَامًا كَاتِبِينَ ?11?يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ?12?) [الانفطار: 9 - 12] .
أي: ملائكة يكتبون ما كنتم تعملون في الدنيا غير مضيعينه، وقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى? عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ? أُولَ?ئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى? رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَ?ؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى? رَبِّهِمْ ? أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ?18?) [هود: 18] .
ومن هؤلاء الأشهاد الملائكة الذين شهدوهم وحفظوا عليهم ما كانوا يعملون في الدنيا صغيره وكبيره. ومنهم الكتاب الذي سجل كل صغيرة وكبيرة عليهم قال تعالى: (وَتَرَى? كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ? كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى? إِلَى? كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ?28?هَ?ذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ? إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ?29?) [الجاثية: 28 - 29] .