أولًا: المعنى اللغوي:
الأمومة مشتقة من الأم، وأم كل شيء: أصله وعماده، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) } [الزخرف:4] .
وأم كل شيء معظمه، يقال لكل شيء اجتمع معه غيره فضمه إليه أمه، والأم الوالدة 1، والأم: خادم القوم، الذي يلي طعامهم وخدمتهم، والأم الوالدة، وتطلق على الجدة، يقال حواء أم البشر، وجمعها للعاقل أمهات، ولغير العاقل أمات، والأم: المسكن، ومنه قوله تعالى: {فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) } [القارعة:9] . أي: مسكنه النار، وقيل: أم رأسه هاوية فيها، أي: ساقطة 2.
وقيل: تفسير الأم في كل معانيها: أمه؛ لأن تأسيسه من حرفين صحيحين، والهاء فيه أصلية، ولكن العرب حذفت تلك الهاء إذا أمنوا اللبس، لذا يقال في تصغير أم: أميمة، والصواب: أميهة، ترد إلى أصل تأسيسها، ويقال: تأمم فلان أمًا، أي: اتخذها لنفسه أمًا 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
الأمومة من أعظم الهبات التي خص الله بها المرأة، وقد عرف العلماء الأمومة بأنها: «نظام تعلو فيه مكانة الأم على مكانة الأب في الحكم، ويرجع فيه إلى الأم في النسب أو الوراثة» 4.
وفي تعريف الأم قال العلماء: الأم هي: «الوالدة القريبة التي ولدته، والبعيدة التي ولدت من ولدته» 5.
فالأم «اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دنية، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون» 6.
وردت (الأم) في القرآن (28) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
المفرد ... 17 ... {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ} [القصص:7]
الجمع ... 11 ... {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء:23]
وجاءت الأم في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه 8:
الأول: الوالدة، ومنه قوله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ} [طه:40] . أي: إلى والدتك.
الثاني: المرضعة، ومنه قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23] . يعني: وحرمت عليكم مرضعتكم في الحولين.
الثالث: أمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله تعالى: {وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب:6] .
الوالدة:
الوالدة لغةً:
الأم، يقال: ولدت المرأة ولادًا وولادةً، وأولدت: حان ولادها 9، وولدته أمه ولادة وإلادةً على البدل، فهي والدة على الفعل، ووالدٌ على النسب 10.
الوالدة اصطلاحًا:
هي التي تضع ولدها المولود 11.
الصلة بين الأم والوالدة:
ذكرت الأم في القرآن الكريم أكثر من ذكر لفظة الوالدة، مما يدلل على أن لفظ الأم أعم من الوالدة، ففي كتب اللغة: الأم هي أصل الشيء، بينما الوالدة هي التي تلد، فكل والدة أم، وليس كل أم والدة، فالأم قد تعيل وتربي ولا يعني ذلك بالضرورة أنها هي من ولدته.
المرضعة:
المرضعة لغة:
من رضع الصبي أمه رضاعًا، وامرأة (مرضع) أي لها ولد ترضعه، فإن وصفتها قال الفراء: المرضعة الأم، والمرضع التي معها صبي ترضعه، وقيل: المرضعة الفاعلة للإرضاع والمرضع ذات الرضيع 12.
المرضعة اصطلاحًا:
وهي من معها صبي ترضعه، سواء كانت من ولدته أو استؤجرت لإرضاعه 13.
الصلة بين الأم والمرضع:
قد تكون المرضعة هي الأم التي ولدته، وقد لا تكون، وإنما جيء بها واستأجرها الوالد؛ لإرضاع ابنه.
الأنثى:
الأنثى لغة:
من أنث، فالألف والنون والثاء ما كان خلاف الذكر، والأنثيان أنثيا الإنسان 14.
الأنثى اصطلاحًا:
قال الأصفهاني في تعريف الأنثى: «الأنثى خلاف الذكر ويقالان في الأصل اعتبارًا بالفرجين، قال عز وجل: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [النساء:124] .
ولما كانت الأنثى في جميع الحيوان تضعف عن الذكر اعتبر فيها الضعف، فقيل لما يضعف عمله أنثى» 15.
الصلة بين الأم والأنثى:
كل أم أنثى، وليس كل أنثى أمًا، فإذا أنجبت الأنثى أصبحت أمًا.
المرأة:
المرأة لغة:
يقال: مرة -بلا ألف-: تأنيث المرء 16؛ «والمرأ: الرجل» 17 فقد أنثوا فقالوا مرأةٌ، وخففوا التخفيف القياسي فقالوا مرةٌ -بترك الهمز وفتح الراء- وهذا مطرد، وقال سيبويه: وقد قالوا: مراةٌ -وذلك قليل- ... وللعرب في المرأة ثلاث لغات؛ يقال: هي امرأته، وهي مرأته، وهي مرته» 18.
المرأة اصطلاحًا:
«اسم للأنثى البالغة من أولاد آدم» 19 ولا يطلق عليها (امرأة) إلا بعد البلوغ، فـ «الصغيرة لا تسمى امرأة في عرف أهل اللسان» 20.
الصلة بين الأم والمرأة:
كل أم امرأة، وليس كل امرأة أمًا.
الأب:
الأب لغة:
الأب بالتخفيف بمعنى الوالد الذي إليه يرجع النسب 21.
الأب اصطلاحًا:
قال المناوي «الأب: الوالد، والأبوان: الأب والأم، أو الأب والجد، أو الأب والعم، أو الأب والمعلم، وكذا كل من كان سببًا لإيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره» 22، وقال الجرجاني الأب هو: كل من تكون من نطفته شخص آخر من نوعه 23.
الصلة بين الأمومة والأبوة:
الأم والأب منهما يتكون الولد، فهما الوالدان اللذان يقومان على رعاية الأبناء، فالأمومة مضاد الأبوة، ويتكامل دورهما لتقوم الأسرة.
الأمومة والأبوة: وهما الوالدان اللذان تتضافر جهودهما لإنشاء أسرة صالحة.
خلق الله عز وجل أول خلقه من البشر آدم عليه السلام، ثم خلق منه أم البشر حواء عليها السلام، فكانت أول من خلق الله عز وجل من النساء، فالأمومة الأولى تمثلت في حواء عليها السلام.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) } [النساء:1] .
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف:189] .
خلق الله عز وجل آدم عليه السلام، وأسكنه الجنة، وبعدها خلق الله حواء، واختلف المفسرون في معنى قوله: {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} على رأيين:
الأول: النفس الواحدة آدم عليه السلام، وزوجها حواء عليها السلام، فحواء خلقت من ضلع آدم عليه السلام.
فإنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم عليه السلام، روي أنه عز وجل لما خلقه عليه السلام وأسكنه الجنة ألقى عليه النوم فبينما هو بين النائم واليقظان خلق حواء من ضلع من أضلاعه اليسرى، فلما انتبه وجدها عنده 24.
وقال ابن كثير في معنى قوله تعالى: {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} «وهي حواء، عليها السلام، خلقت من ضلعه الأيسر من خلفه، وهو نائم، فاستيقظ، فرآها، فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه» 25.
وقيل: إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئًا، ولو آذاه لما عطف رجل على امرأة أبدًا 26، ثم نشر من تلك النفس وزوجها المخلوقة منها بطريق التوالد والتناسل رجالًا ونساءً.
الثاني: معنى قوله: {مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} معناه: وخلق من جنسها زوجها، أي من التراب، وعن ابن عباس: أن الله تعالى خلق الرجل من التراب؛ فهمه في التراب 27، وذهب إلى هذا الرأي أبو مسلم، قال الألوسي: «وأنكر أبو مسلم خلقها من الضلع؛ لأنه سبحانه قادر على خلقها من التراب، فأي فائدة في خلقها من ذلك؟! وزعم أن معنى منها: من جنسها، والآية على حد قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} [النحل:72] .
ووافقه على ذلك بعضهم مدعيًا أن القول بما ذكر يجر إلى القول بأن آدم عليه السلام كان ينكح بعضه بعضًا، وفيه من الاستهجان ما لا يخفى» 28.
واحتج أبو مسلم بأنه تعالى لما كان قادرًا على أن يخلق آدم ابتداءً، فما الذي حملنا على أن نقول إنه تعالى خلق حواء من جزءٍ من أجزاء آدم؟ ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضًا ابتداء؟ وأيضًا الذي يقدر على خلق إنسان من عظمٍ واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء؟ فأي فائدة في خلقها من ضلعه.
ورد أبو حيان على هذا القول حيث قال: «قال القاضي: الأول أقوى، إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة» 29.
وذهب أغلب المفسرين إلى القول الأول 30، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يؤكد ما ذهب إليه أصحاب القول الأول، حيث قال عليه السلام: (المرأة خلقتٍ من ضلعٍ أعوج وإنك إن أقمتها كسرتها، وإن تركتها تعش بها وفيها عوجٌ) 31.
والراجح والله أعلم القول الأول الذي ذهب إليه أغلب المفسرين؛ وهو أن حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم عليه السلام؛ لقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) } [الأنعام:98] .
فالنفس الواحدة، هي آدم عليه السلام، وحواء مخلوقة من ضلعٍ من أضلاعه، فصار كل الناس من نفس واحدة.
وما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن خلقن من ضلعٍ، وإن أعوج شيءٍ في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرًا) 32.
إن الأمومة من أقوى الغرائز التي جبلت عليها المرأة، والأمومة لها أكثر من شكل ونوع، فيقال عن المرأة التي تلد أم، والمربية أو المرضعة أم، والقرآن الكريم صنف الأمومة إلى نوعين: الأم الوالدة، والأم المرضعة، وبيان ذلك كما يأتي:
أولًا: الأم الوالدة:
الأمومة صفة تتمتع بها الأم الوالدة، وغريزة أودعها الله عز وجل في المرأة، فالأم بفطرتها تحن على وليدها، وهذه الأم الوالدة هي كل من ولدت المرء وإن علت 33.
قال الرازي: «كل امرأة رجع نسبك إليها بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمك بدرجة أو بدرجات، بإناث رجعت إليها أو بذكور فهي أمك» 34.
فالأم هي الوالدة، كما أفاد أسلوب الحصر في قوله عز وجل: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) } [المجادلة:2] .
قال ابن عباس: «ما أمهاتهم في الحرمة إلا اللائي ولدنهم أو أرضعنهم» 35.
وقال القرطبي: «الأم اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم دنية، وأمهاتها وجداتها وأم الأب وجداته وإن علون» 36، فأمومة الولادة تثبت لها أحكام النسب والإرث.
فأمومة الولادة هي الأمومة الكاملة في تحققها، وثبوت أحكامها.
ثانيًا: الأم المرضعة:
ذكر الله عز وجل هذا النوع من الأمومة الأم المرضعة في كتابه العزيز، فقال عز وجل: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء:23] .
وقد كان للنبي عليه السلام قرابة من الرضاعة، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة: (لا تحل لي؛ يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة) 37.
وأم الإنسان من الرضاع هي الأم التي أرضعته، وكذلك كل امرأة انتسبت إلى تلك المرضعة بالأمومة، إما من جهة النسب أو من جهة الرضاع، والحال في الأب كما في الأم 38، وإنما اعتبرت أمًا؛ «قال المهايمي: لأن الرضاع جزء منها وقد صار جزءًا من الرضيع، فصار كأنه جزؤها، فأشبهت أصله» 39.
فالأم الوالدة قد لا تستطيع لعذر إرضاع وليدها، لذا كان العرب قديمًا يستأجرون مرضعة لأبنائهم، فالأم المرضعة هي التي ترضع ولدًا لأي سبب من الأسباب، وتحرم الأم من الرضاعة كما تحرم الأم من النسب كما قال عليه السلام.
واشترط العلماء لحرمة الأم من الرضاعة شرطين:
الشرط الأول: أن تكون الرضاعة قبل استكمال المولود حولين، لقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} [البقرة:233] .
أي: أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد، وذلك قبل الفطام، وإلا فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد قيام الهيكل، كالشاب يأكل الخبز، وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء) 40.
والشرط الثاني: يتعلق بالقدر الذي يتحقق به معنى الرضاعة، فالآية الكريمة مطلقة، وجاءت السنة النبوية بتقييد إطلاقها بخمس رضعات متفرقات 41، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: عشر رضعاتٍ معلوماتٍ يحرمن، ثم نسخن بخمسٍ معلوماتٍ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن) 42.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، وإليه ذهب سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي وعبد الله بن المبارك 43.
قال الرازي: «إنه تعالى علق هذا الاسم يعني الأمومة والأخوة بفعل الرضاع، فحيث حصل هذا الفعل وجب أن يترتب عليه الحكم، ثم سأل نفسه فقال: إن قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} بمنزلة قول القائل: وأمهاتكم اللاتي أعطينكم، وأمهاتكم اللاتي كسونكم، وهذا يقتضي تقدم حصول صفة الأمومة والأختية على فعل الرضاع، بل لو أنه تعالى قال: اللاتي أرضعنكم هن أمهاتكم لكان مقصودكم حاصلًا، وأجاب عنه بأن قال: الرضاع هو الذي يكسوها سمة الأمومة، فلما كان الاسم مستحقًا بوجود الرضاع كان الحكم معلقًا به، بخلاف قوله وأمهاتكم اللاتي كسونكم، لأن اسم الأمومة غير مستفاد من الكسوة، قال ويدل على أن ذلك مفهوم من هذه الآية ما روي أنه جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما فقال: قال ابن الزبير: لا بأس بالرضعة ولا بالرضعتين، فقال ابن عمر: قضاء الله خير من قضاء ابن الزبير، قال الله تعالى: {وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} قال: فعقل ابن عمر من ظاهر اللفظ التحريم بالرضاع القليل» 44.
خلق الله عز وجل المرأة وأودع فيها غريزة الأمومة، بل هي من أقوى الغرائز عند الأم، فمن حرمها من الأمهات فهو ابتلاء عظيم، يبتلي الله به من يشاء من عباده، قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) } [الشورى:49 - 50] .
لذا نرى عاطفة الأمومة متمثلة بأمور عديدة منها:
1.تمني الولد.
الأمومة فطرة جبلت عليها المرأة، فهذه سارة زوج سيدنا إبراهيم، تمنت الولد ولكنها لم تنجب في صغرها فبشرها الله عز وجل، بالولد في كبرها، قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) } [هود:71] .
وهذه امرأة فرعون آسية لم تنجب، ونراها حرصت على أن تتخذ موسى ابنًا لها.
2.الحب والحنان والخوف عليه.
عظيم ذلك القلب، كبير بحنانه وعطفه، مليء بالمشاعر والأحاسيس التي أودعها الله عز وجل فيه، ولقد جاء القرآن الكريم يرسم أجمل صورة لتلك العاطفة عند الأم التي تجعلها تصبر على ولدها في بطنها تسعة أشهر، تعاني فيها من آلام الحمل والتغير العضوي ما تعاني، يمتص الجنين من جسدها الغذاء ليكبر ويكبر، فإذا ما حان وقت خروجه، عانت في وضعه أضعاف ما كانت تعاني أيام الحمل، فإذا ما رأته بعد تلك الآلام احتضنته بحبها وعطفها وحنانها.
إن عاطفة الأمومة وما ينبع منها من حب وعطف وحنان، لمعجزة إلهية من عند الخالق المبدع، فلولاها لما استطاعت الأم الصبر على عناء ومشاق التربية لأبنائها، فسبحانه تجلت حكمته عز وجل.
وتمثلت عاطفة الأمومة الجياشة بالحب والحنان واضحة جلية في السيدة هاجر عليها السلام عندما تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام بواد غير ذي زرع، فدفعتها عاطفة الحنان على طفلها للبحث عن الماء، يقول سيد قطب: «وطيف هاجر، وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة المتلهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل، ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء. وإذا هي زمزم، ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب» 45.
ولقد أثنى الرسول صلى الله عليه وسلم على نساء قريش، وجعل صالحهن صالح النساء عامة؛ بسبب رعايتهن لأبنائهن، وعطفهن على أبنائهن، قال عليه السلام: (خير نساء ركبن الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولده في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده) 46.
وجاء لنا القرآن الكريم مصورًا مشهد خوف الأم على وليدها، في أم موسى عليه السلام، عندما خافت عليه من أن يلحقه الأذى من فرعون، يقول الشعراوي: «فمن من النساء تقبل إن خافت على ولدها أن تلقيه في اليم؟ من ترضى أن تنجيه من موت مظنون إلى موت محقق؟ وقد جعل الحق سبحانه عاطفة الأمومة تتلاشى أمام وارد الرحمن الذي أتاها، والذي لا يؤثر فيه وارد الشيطان» 47.
يقول المولى جل جلاله في محكم كتابه العزيز: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) } [القصص:7 - 13] .
وانظر كيف يصور القرآن الكريم فؤاد أم موسى ومشاعرها وأحاسيسها، بعد أن نفذت أمر ربها {وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا} ، يقول البيضاوي: «وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا صفرًا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون، كقوله تعالى: (وأفئدتهم هواء) أي خلاء لا عقول فيها» 48.
{إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} «أي: إن كادت من شدة وجدها وحزنها وأسفها لتظهر أنه ذهب لها ولد، وتخبر بحالها، لولا أن الله ثبتها وصبرها» 49.
ولقد دفعت عاطفة الرحمة والحنان وشدة الوجد في فؤاد أم موسى، أن ترسل ابنتها لتقص أثر ابنها، فبصرت به عن بعد وهم يبحثون عن مرضعة له، بعد أن رفض الرضاع من أي امرأة غير أمه، كان وعد الله عز وجل بإرجاعه إلى أمه، {وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} .