فهرس الكتاب

الصفحة 1884 من 2431

الفقه

أولًا: المعنى اللغوي:

يدل أصل مادة (فقه) على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فقهت الحديث أفقهه، وكل علمٍ بشيءٍ فهو فقهٌ، ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالمٍ بالحلال والحرام: فقيهٌ 1.

والفقه: العلم في الدين، يقال: فقه الرجل يفقه فقهًا فهو فقيهٌ، وفقه يفقه فقهًا إذا فهم، وأفقهته: بينت له، والتفقه: تعلم الفقه 2.

والفقه: العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريا 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الجرجاني: الفقه: في الاصطلاح: «هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وقيل: هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم، وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل» 4، والفقه: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم 5.

وردت مادة (فقه) في القرآن الكريم (20) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 20 ... {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) } [طه:27 - 28]

وجاء الفقه في الاستعمال القرآني بمعناه في اللغة، وهو إدراك الشيء والعلم به 7.

العلم:

العلم لغةً:

نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلامة: النسابة، وهو من العلم 8، ويقال: «علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته» 9.

العلم اصطلاحًا:

عرفه الجرجاني: «العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ونقل عن الحكماء فقال: هو حصول صورة الشيء في العقل» 10.

الصلة بين العلم والفقه:

الفقه هو العلم، وهو العلم النافذ الذي يخترق العوائق لإدراك لب الدين 11.

الفهم:

الفهم لغة:

العلم بالشيء ومعرفته 12.

وفي لسان العرب: الفهم معرفتك الشيء، وهو حسن تصور المعنى 13.

الفهم اصطلاحًا:

هو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والقدرة على التفسير والشرح وإدراك المعلومات التي تعرض، أو إدراك ما يعنيه شخص بالقول أو بالعمل أو بالاستنباط 14.

الصلة بين الفهم والفقه:

الفقه والفهم بمعنى واحد 15.

الإدراك:

الإدراك لغةً:

أدرك المعنى بعقله: فهمه وتصوره عقله على الوجه الصحيح 16.

الإدراك اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «الإدراك: إحاطة الشيء بكماله» 17.

الصلة بين الإدراك والفقه:

الإدراك يكون من خلال الإحاطة بالشيء بكماله، ولا يشترط ذلك في الفقه.

الاستنباط:

الاستنباط لغةً:

كلمة تدل على استخراج شيء. واستنبطت الماء: استخرجته 18.

الاستنباط اصطلاحًا:

هو استخراج ما خفي من النص بطريق صحيح 19.

الصلة بين الاستنباط والفقه:

الاستنباط كالفقه يحتاج إلى فهم وتدبر، إلا أن الإستنباط فيه مبالغة وشدة عنه في الفقه.

الجهل:

الجهل لغة:

ضد العلم، والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير علم، وجهلت الشيء: إذا لم تعرفه 20.

الجهل اصطلاحًا:

«أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه» 21.

الصلة بين الجهل والفقه:

الجهل نقيض العلم أي عدم العلم بالشيء، وأما الفقه فيعني العلم به.

كثير من الناس يعاني من سقم الفهم للقضايا والأحداث والأشخاص، فيقع بسبب ذلك في أخطاء الحكم على الآخرين، أو التفسير للمواقف والأحداث، وإذا كان سوء الفهم سببًا في كثير من الأخطاء

والخلافات، فإن حسن الفهم، وصحته من أهم أسباب سلامة الموقف، والبعد عن الخلافات.

إن فهم ما يقول غيرنا ضروري لتحديد الموقف الصحيح منهم، وهذا يحتاج إلى عمق التفكير وصدق التأمل، وعدم التسرع في الحكم على الأشياء، وفي حياتنا اليومية مواقف محتدمة لا سبب لاحتدامها إلا سوء الفهم للموقف، أو الرأي، أو الكلمة، مع ما يصحب ذلك ويتبعه من سوء الظن، وعدم سلامة الصدر.

قال ابن القيم: «صحة الفهم وحسن القصد من اعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده بل ما اعطي عبد عطاء بعد الاسلام أفضل، ولا أجل منهما بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة.

وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية» 22.

قال الله تعالى: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) } [الأنبياء:79]

لن ينسى التاريخ الإنساني الدور القيادي العظيم والجهاد والتضحيات للرسل والأنبياء عليهم السلام، فلولاهم لكان الناس في حيرة وضلال، ونزاع مستمر واقتتال، ربما أدى إلى انقراض النوع البشري، وكان من فضل الله وإنعامه: أنه أعد هؤلاء الصفوة القادة إعدادا رائعا خاصا، ليكونوا أهلا للقيادة، وأسوة حسنة للبشرية، وأمدهم بنعم كثيرة، فضلا عن نعمة النبوة والرسالة، منها الحكم والقضاء بين الناس، والعلم والمعرفة السديدة، وعزة النفس وقوة الإرادة، ووسائل الكسب الشريف.

ومن هذه النعم على داود وسليمان عليهما السلام قضية الحكم في رعي راع زرع قوم، في جنح الليل، وكان الله عالما تام العلم بالقضاء والمقضي فيه، شاهدًا بما حكم به داود وسليمان، لا تخفى عليه خافية، وكان القضاء صادرا من الأب داوود، والابن سليمان، اللذين كان كل منهما ملكًا عدلًا، نبيًا، يحكم بالحق بين الناس.

واتجه كل من داوود وسليمان في حكمه وجهة معينة من النظر السديد، فإن داوود عليه السلام قضى بتملك الغنم لصاحب الزرع، وسليمان عليه السلام قضى بتسليم الغنم مدة عام إلى صاحب الحرث (الزرع) ينتفع بألبانها وأولادها وأصوافها، وتسليم الزرع للراعي، يستفيد مما تنتجه الأرض، ويتعهدها بالسقاية والخدمة، حتى يعود الزرع إلى ما كان عليه قبل الرعي، وكان قضاء سليمان أولى وأرفق وأحكم 23.

وقال الله تعالى: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46) } [الإسراء:45 - 46] .

يبين المولى عز وجل في هذه الآيات كيف حرم الكفار من نعمة الفهم بسبب كفرهم بالله، وعدم إيمانهم فبين سبحانه أنه يحمي نبيه صلى الله عليه وسلم من مشركي مكة الذين كانوا يؤذونه، في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد الحرام، ويريدون مد اليد إليه، فلا تخف أيها النبي، فإنك إذا قرأت القرآن على هؤلاء المشركين الذين لا يصدقون بالآخرة، جعلنا بينك وبينهم حجابًا مستورًا، أي حائلًا حاجزًا، يمنع قلوبهم من فهم القرآن وتدبر آياته، ومستورًا على أعين الخلق، فلا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب بقدرة الله وكفايته، وجعلنا على قلوبهم أغطية، بحيث لا يتسرب إليها فهم مدارك القرآن، ومعرفة أسراره وغاياته، وجعلنا في آذانهم ثقلًا، أو صمما يمنع من سماع الصوت، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفهم الله به، فعبر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من غطي قلبه، وصمت أذنه، والإضلال بسبب الضلال الذي سلكوه، وساروا في فلكه بغيًا وعنادًا 24.

وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } [المجادلة:11] .

لا شبهة أن للعالم منزلة عظيمة عند الله لا تكون لغيره، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر:9] .

ولذلك فإنه يقتدي بالعلم في كل أفعاله، ولا يقتدى بغير العالم؛ لأنه يعلم من كيفية الاحتراز عن الحرام والشبهات، ومحاسبة النفس مالا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية الخشوع والتذلل في العبادة مالا يعرفه غيره، ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها مالا يعرفه غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق مالا يتحفظ منه غيره 25.

عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيةٌ، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفةً أخرى، إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماءً ولا تنبت كلًا، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) 26.

قال الإمام البغوي: «فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل مثل العالم كمثل المطر، ومثل قلوب الناس فيه، كمثل الأرض في قبول الماء، فشبه من تحمل العلم والحديث، وتفقه فيه بالأرض الطيبة، أصابها المطر فتنبت، وانتفع بها الناس، وشبه من تحمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء، فيأخذه الناس، وينتفعون به، وشبه من لم يفهم، ولم يحمل بالقيعان التي لا تنبت، ولا تمسك الماء، فهو الذي لا خير فيه» 27.

قال ابن القيم: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما.

والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه، أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين أو أجرًا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله، كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من دبر إلى معرفة براءته وصدقه 28.

وكما توصل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بقوله للمرأة التي حملت كتاب حاطب ما أنكرته: (لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها) 29. إلى استخراج الكتاب منها 30.

وعن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن أبي طالبٍ: هل عندكم كتابٌ؟ قال: (لا، إلا كتاب الله، أو فهمٌ أعطيه رجلٌ مسلمٌ، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلمٌ بكافرٍ) 31.

وهنالك ضوابط يتحقق بها الفهم الصحيح، حينما يحرص عليها الإنسان سيكون قادرًا على الإفادة من هذه النعمة العظيمة في حياته، ومن تلك الضوابط:

-التريث وعدم الاستعجال في تفسير ما يسمع المرء، أو يقرأ من الأقوال.

-التأمل فيما سمع أو قرأ حتى يتمكن من الوصول إلى المعنى المراد.

-إعادة الاستماع، أو القراءة أكثر من مرة، حتى يتمكن الإنسان من الفهم الصحيح.

-استخدام ميزان (حسن الظن) و (سلامة الصدر) في الحكم على الأقوال والأفعال.

-مراقبة الله عز وجل والخوف منه، وهذا ضابط مهم يكتنف الضوابط الأخرى ويوجهها.

لقد نسب الله الفقه للقلوب في أكثر من آية، ليدلل على أن محل الفقه والفهم والتدبر هي القلوب، ومن هذه الآيات:

قال الله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) } [الأعراف:179] .

يبين المولى عز وجل في هذه الآية كيف أنه خلق النار-التي يعذب الله فيها من يستحق العذاب في الآخرة-كثيرًا من الجن والإنس، لهم قلوب لا يعقلون بها، فلا يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، ولهم أعين لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، ولهم آذان لا يسمعون بها آيات كتاب الله فيتفكروا فيها، هؤلاء كالبهائم التي لا تفقه ما يقال لها، ولا تفهم ما تبصره، ولا تعقل بقلوبها الخير والشر فتميز بينهما، بل هم أضل منها؛ لأن البهائم تبصر منافعها ومضارها وتتبع راعيها، وهم بخلاف ذلك، أولئك هم الغافلون عن الإيمان بالله وطاعته 32.

قال المراغي في تفسيره: «أي إنهم لا يفقهون بقلوبهم ما تزكو به أنفسهم من توحيد الله المبعد لها عن الخرافات والأوهام وعن الذلة والصغار، فإن من يعبد الله وحده تسمو نفسه بمعرفته فلا تذل بدعاء غيره ولا الخوف منه ولا الرجاء فيه والاتكال عليه، بل يطلب من الله ما يحتاج إليه، فإن كان مما أقدر الله عليه خلقه بإعلامهم بأسبابه وتمكينهم منها طلبه بسببه مع مراعاة سننه في خلقه، وإن لم يكن كذلك توجه إلى الله لهدايته إلى العلم بما لم يعلم من سببه وإقداره على ما يقدر عليه من وسائله أو تسخير من شاء من خلقه لمساعدته عليه كالأطباء لمداواة الأمراض، وأقوياء الأبدان لرفع الأثقال، والعلماء الراسخين للفتوى في المسائل العلمية وحل إشكال ما غمض من حقيقتها، ولا يتوجه في طلبه إلى غير ما يعرف البشر من الأسباب المطردة كالرقى والعزائم والتبخيرات وكرامات الصالحين من الأحياء والأموات والدعاء إليهم بما يعد من العبادات فالله يقول: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) } [الجن:18] .

ويقول: {بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) } [الأنعام:41] .

كما لا يفقهون بقلوبهم الحياة الروحية واللذات المعنوية الموصلة إلى السعادة الأبدية: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم:7] .

ولا يفقهون أن ترك الشرور والمنكرات والحرص على فعل الخيرات هو مناط السعادة في الدنيا والآخرة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتربية البدنية الصحيحة. ولا يفقهون سنن الله في الاجتماع وتأثير العقائد الدينية في جمع الكلمة وقوة الجماعة ولا سيما في عهد النبوات ورمن المعجزات، ولا يفقهون معنى الآيات الإلهية في الأنفس والآفاق ولا آياته التي يؤيد بها رسله من علمية وكونية وما أودعه منها كتابه» 33.

وقال الزمخشري في تفسيره: « {كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ} هم المطبوع على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم. وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسماعون ما يتلى عليهم من آيات الله سماع تدبر، كأنهم عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع الآذان، وجعلهم -لإعراقهم في الكفر وشدة شكائمهم فيه، وأنه لا يأتى منهم إلا أفعال أهل النار- مخلوقين للنار، دلالة على توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما يؤهلهم لدخول النار» 34.

وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن محل العلم هو القلب؛ لأنه تعالى نفى الفقه والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، مما يدل على أن محل الفهم والفقه هو القلب 35.

وقال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (3) } [المنافقون:3] .

يبين المولى عز وجل حال هؤلاء المنافقين الذين اتخذوا أيمانهم بالله ورسوله جنة، ثم كفروا بشكهم في ذلك وتكذيبهم به 36.

أي: ما نعي عليهم من مساوئهم بأنهم آمنوا أي ظاهرًا ثم كفروا أي سرًا فطبع على قلوبهم أي ختم عليها بما مرنوا عليه من التلون والتذبذب ورسوخ الهيئات المنكرة، فحجبوا عن الحق فهم لا يفقهون أي حقية الإيمان، وحكمة الرسالة والدين 37.

وقال الله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) } [الشعراء:88 - 89] .

تبين الآية أن الذي ينفع عند الله والذي ينجو به العبد من العقاب ويستحق جزيل الثواب يوم القيامة القلب السليم، ومعناه الذي سلم من الشرك والشك، ومحبة الشر، والإصرار على البدعة والذنوب ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله وهواه تابعًا لما جاء عن الله 38.

وعن النعمان بن بشيرٍ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغةً: إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) 39.

فيه أن العقل والفهم إنما هو في القلب وموطنه، وما في الرأس منه إنما هو عن القلب ومنه سببه 40.

وجاء في شرح هذا الحديث «فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه سليما، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه، صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوق للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.

وإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله، فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك، فإن كان الملك صالحا ًكانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم» 41.

إن مجالات الفقه متعددة ومتنوعة، ومن هذه المجالات:

أولًا: عظمة الله والإيمان به:

لا شك أن من أعظم مجالات الفهم والمعرفة التفكر في عظمة الله تعالى وتقديسه وتنزيهه عن كل ما لايليق به سبحانه، والإيمان به.

قال الله تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) } [الإسراء:44] .

ففي هذه الآية ينزه الله عز وجل نفسه عما وصفه به المشركون من خلال بيان أن السماوات السبع والأرض ومن فيهن من المؤمنين به من الملائكة والإنس والجن، يعظمون الله ويجلونه، وأنتم أيها المشركون مع إنعامه عليكم، وجميل أياديه عندكم، تفترون عليه بما تفترون، وأنه ما من شيء من خلقه إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ما عدا تسبيح من كان يسبح بمثل ألسنتكم.

ثم بين المولى عز وجل حلمه فهو لا يعجل بالعقوبة على خلقه، الذين يخالفون أمره، ويكفرون به، ولولا ذلك لعاجل هؤلاء المشركين الذين يدعون معه الآلهة والأنداد بالعقوبة فهو الحليم الغفور الذي يستر عليهم ذنوبهم، إذا هم تابوا منها بالعفو منه لهم 42.

وقال الله تعالى: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) } [البقرة:255] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت