أولًا: المعنى اللغوي:
تدور مادة (أ ن س) في اللغة حول معنيين رئيسين هما: الظهور والنسيان.
الأول: الظهور:
قال ابن فارسٍ: «الهمزة والنون والسين أصلٌ واحدٌ، وهو ظهور الشيء، وكل شيءٍ خالف طريقة التوحش. قالوا: الإنس خلاف الجن، وسموا لظهورهم. يقال: آنست الشيء، إذا رأيته، قال الله تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا} [النساء: 6] . والأنس: أنس الإنسان بالشيء إذا لم يستوحش منه» 1. فالإنسان: من الإنس خلاف الجن، أو من الأنس خلاف النفور، والإنسي منسوبٌ إلى الإنس، يقال ذلك لمن كثر أنسه، ولكل ما يؤنس به 2.
الثاني: النسيان:
أورد ابن منظور في لسان العرب عن ابن عباسٍ- رضي الله عنهما- أنه قال: «إنما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنه عهد إليه فنسي» 3.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر أبو البقاء الكفوي أن بعض الناس جعل الإنسان هو: المعنى القائم بالبدن، ولا مدخل للبدن في مسماه، وهو قول الأحناف والغزالي، وجعله آخرون الهيكل المحسوس، وهو قول جمهور المتكلمين 4.
وقد أورد الأشعري في (مقالات الإسلاميين) تسعة عشر قولًا في تعريف الإنسان 5، أرجحها القول الثالث، وذلك أن ماهية الإنسان وحقيقته لا تكون من دون جسدٍ وروحٍ، فالإنسان مجموع الروح والجسد، ولذا يسميه بعضهم حيٌ ناطقٌ أو حيوانٌ ناطقٌ، كما عرفه الجرجاني بقوله: الإنسان هو الحيوان الناطق 6.
وردت مادة (أنس) في القرآن (97) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 5 ... {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6]
الفعل المضارع ... 1 ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [:27]
اسم الفاعل ... 1 ... {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} [الأحزاب:53]
اسم ... 90 ... {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) } [الإنسان:2]
وجاء الإنسان في القرآن على ثلاثة أوجه 8:
الأول: آدم عليه السلام، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) } [المؤمنون:12] .
الثاني: جنس بني آدم، ومنه قوله تعالى: {يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) } [النازعات:35] .
الثالث: أحد أبناء آدم بعينه، ومنه قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) } [العلق:6] . أريد به: أبو جهل.
بنو آدم:
بنو آدم لغة:
بنو: أصلها: بنون، حذفت النون للإضافة، وهي جمع ابن، وتجمع أيضًا على أبناء 9.
وآدم: أبو البشر.
وأديم كل شيء: ظاهر جلده، وأدمة الأرض: وجهها، وقيل سمي آدم عليه السلام لأنه خلق من أدمة الأرض، وقيل: بل من أدمةٍ جعلت فيه 10.
بنو آدم اصطلاحًا:
هم الناس 11، وبنو أبي البشر 12.
الصلة بين الإنسان وبني آدم:
من الألفاظ التي يستعملها القرآن مرادفةً للفظ (الإنسان) لفظ (بني آدم) ، وقد ورد هذا اللفظ في القرآن الكريم سبع مراتٍ، ومن خلال القراءة المتأنية لهذه المواضع تبين أن هذه المواضع فيها تذكير بأن الإنسان له أصلٌ واحدٌ، وهو آدم عليه السلام، وفيها تذكيرٌ وإحالةٌ إلى الحيثيات الملابسة لقصة آدم عليه السلام، واستدعاء لأحداث تلك القصة وللمعاني المرتبطة بها.
الإنس:
الإنس لغة:
جماعة الناس، والجمع أناسٌ، وهم الأنس. تقول: رأيت بمكان كذا وكذا أنسًا كثيرًا، أي: ناسًا كثيرًا. والإنس: خلاف الجن، والإنس خلاف النفور، والإنسي منسوبٌ إلى الإنس. والإنس: البشر، الواحد إنسيٌ وأنسيٌ أيضًا، والجمع أناسي 13.
الإنس اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي، وهم: بنو آدم، سموا بذلك؛ لأنهم لا يعيشون بدون إيناسٍ، فهم يأنس بعضهم ببعضٍ، ويتحرك بعضهم إلى بعض 14.
وقيل: سمي بذلك؛ لظهوره، وإدراك البصر إياه، فيقال: آنست الشيء: إذا أبصرته، فهو بذلك ضد الجن.
الصلة بين الإنسان والإنس:
الإنسان في الاستعمال القرآني غير الإنس وإن كان بينهما ملحظٌ مشتركٌ من الأصل اللغوي لمادة (أ ن س) في دلالتها على نقيض التوحش، إلا أن لفظ (الإنس) يأتي دائمًا مع لفظ (الجن) على وجه التقابل، يطرد ذلك ولا يتخلف في كل الآيات التي ورد فيها ذكر (الإنس) وعددها ثماني عشرة آية 15، ومن خلال القراءة المتأنية لتلك الآيات تبين أن الإنسية تعني عدم التوحش، وهو المفهوم صراحةً من مقابلتها بالجن في دلالتها أصلًا على الخفاء الذي هو قرين التوحش، وبهذه الإنسية يتميز جنسنا عن أجناسٍ أخرى خفيةٍ مجهولةٍ لا تنتمي إلينا ولا تحيا حياتنا 16.
الناس:
الناس لغة:
اسمٌ للجمع من بني آدم، واحده: إنسانٌ من غير لفظه، قيل: أصله أناسٌ، فحذف فاؤه لما أدخل عليه الألف واللام، وقيل: قلب من نسي، وأصله إنسيان على إفعلان، وقيل: أصله من ناس ينوس إذا اضطرب.
والناس قد يذكر ويراد به الفضلاء دون غيرهم في تناوله اسم الناس تجوزًا، وذلك إذا اعتبر معنى الإنسانية، وهو وجود الفضل والذكر وسائر الأخلاق الحميدة والمعاني المختصة به، فإن كل شيءٍ عدم فعله المختص به لا يكاد يستحق اسمه 17.
قال الكفوي: الناس: هو اسم جمعٍ؛ ولذلك يستعمل في مقابلة الجنة: وهي جماعة الجن 18.
الناس اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الإنسان والناس:
لفظ الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف -كذلك- عن لفظ الناس، فقد ورد لفظ الناس في القرآن الكريم نحو مائتين وأربعين مرةً بدلالةٍ واضحةٍ على اسم الجنس لهذه السلالة الآدمية، أو هذا النوع من الكائنات في عمومه المطلق. قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) } [الحجرات: 13] 19.
البشر:
البشر لغة:
(بشر) الباء والشين والراء أصلٌ واحد: ظهور الشيء مع حسنٍ وجمال، فالبشرة ظاهر جلد الإنسان، والبشر: الإنسان.
البشر اصطلاحًا:
والبشر: هم الخلق، يقع على الأنثى والذكر والواحد والاثنين والجمع 20.
وإطلاق البشر على الإنسان اعتبارًا بظهور جلده من الشعر، بخلاف الحيوان الذي عليه نحو صوف أو شعر 21.
الصلة بين الإنسان والبشر:
الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف- كذلك- عن البشر، فاستقراء مواضع ورود (بشر) في القرآن كله، يؤذن بأن البشرية فيه هي هذه الآدمية المادية التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وفيها يلتقي بنو آدم جميعًا على وجه المماثلة التي هي أتم المشابهة. وبهذه الدلالة، ورد لفظ البشر، اسم جنس، في خمسةٍ وثلاثين موضعًا من القرآن الكريم، منها خمسة وعشرون موضعًا في بشرية الرسل والأنبياء، مع النص على المماثلة فيما هو من ظواهر البشرية وأعراضها المادية بينهم وبين سائر البشر. وقد تأتي الآيات في تقدير بشرية الرسل دون التصريح بلفظ المماثلة فيها لبشرية الناس جميعًا، لكن السياق فيها شاهد على هذه المماثلة وإن لم تذكر بلفظها نصًا 22. والبشر يقتضي حسن الهيئة؛ وذلك أنه مشتقٌ من البشارة وهي حسن الهيئة، ولذلك استعمل في سياقاتٍ دالة على القدرة والإعجاز، في تخليق بشر ظاهر الهيئة من الماء أو الطين 23.
الأنام:
الأنام لغةً:
الأنام هم ما على ظهر الأرض من جميع الخلق، ويجوز في الشعر: الأنيم 24.
الأنام اصطلاحًا:
هم الجن والإنس 25.
الصلة بين الإنسان والأنام:
الإنسان في الاستعمال القرآني يختلف عن الأنام، فقد ورد لفظ الأنام في القرآن الكريم في موضعٍ واحدٍ، وذلك في قول الله عز وجل: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) } [الرحمن: 10] .
ونلحظ من خلال السياق العام للسورة الكريمة أن اللفظ يشمل الثقلين الإنس والجن على الراجح؛ لأن الخطاب في سورة الرحمن لهما 26.
إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأوجد الموجودات لغايةٍ يريدها، وحكمةٍ يعلمها، ولم يخلقهم سدًى، ولم يتركهم هملًا. قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) } [المؤمنون:115] .
وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى في كتابه الكريم تلك الغاية وهي متمثلة في أمرين: أحدهما: تحقيق العبودية لله عز وجل. والثاني: تحقيق عمارة الأرض. وفي المطلبين الآتيين تفصيلٌ لهذين الأمرين.
أولًا: تحقيق العبودية:
لعل الغاية الأسمى التي خلق لأجلها الإنسان هي تحقيق العبودية لله تعالى بجميع أنواعها. وذلك مصداقًا لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .
وتلك غايةٌ عظيمةٌ ساميةٌ عليها مدار سعادة الإنسان. قال الإمام النووي رحمه الله: «وهذا تصريحٌ بأنهم خلقوا للعبادة، فحق عليهم الاعتناء بما خلقوا له والإعراض عن حظوظ الدنيا بالزهادة، فإنها دار نفادٍ لا محل إخلادٍ، ومركب عبورٍ لا منزل حبورٍ» 27.
وأهل الإيمان يوقنون في قرارة أنفسهم بذلك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «إن الله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته والإنابة إليه ومحبته والإخلاص له» 28.
لكن ما معنى العبودية؟ وما حقيقتها؟
العبادة لغةً: معناها: الانقياد والذل والخضوع 29.
قال الأزهري: «العبادة: الطاعة مع الخضوع. ويقال: طريقٌ معبدٌ إذا كان مذللا بكثرة الوطء» 30.وقال الراغب: «العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى؛ ولهذا قال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء:23] » 31.
والمعنى الاصطلاحي للعبادة، لا يخرج عن المعنى اللغوي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «العبادة هي اسمٌ جامعٌ لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة» 32.
ويضيف أيضًا: «وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة له، والمرضية له، التي خلق الخلق لها؛ كما قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] » 33.
وهذا تعريفٌ شاملٌ للعبادة بكل أنواعها وحالاتها. فالعبودية مفهومٌ شاملٌ لكل عملٍ إنساني صالحٍ يقصد به وجه الله في هذه الحياة.
قال الله عز وجل: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) } [الأنعام: 162] . وتحقيق العبادة يقتضي أن يجعل الإنسان حياته وسائر أفعاله وتصرفاته وعلاقاته مع الناس وفق المناهج التي وضعتها الشريعة الإسلامية.
وحقيقة العبادة: «هي استسلام القلب والجوارح لله حبًا وخضوعًا له، وخوفًا من عقابه، لا شريك له في شيءٍ من ذلك ألبته، فهو المستحق للعبادة وحده دون ما سواه» 34.
وجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى خاتمهم- كانت دعوتهم أساسها تحقيق العبودية لله عز وجل.
قال الله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] .
وقال سبحانه: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17) } [العنكبوت: 16 - 17] .
وقال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [الأعراف: 65] .
وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [الأعراف: 73] .
وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ} [الأعراف: 85] .
وكذلك قال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام فيما أخبر الله عنه: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) } [آل عمران: 51] .
والعبودية لرب العالمين غاية كمال المتقين، فقد جعل الله سبحانه وتعالى العبودية وصف أكمل خلقه، وأقربهم إليه، وأعلاهم منزلة لديه في أشرف مقاماته، فقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) } [الإسراء: 1] .
وبها افتتح عيسى عليه الصلاة والسلام كلامه وهو في المهد فقال تعالى: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) } [مريم: 30] .
يقول شارح الطحاوية رحمه الله: «واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقًا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته» 35.
ثانيًا: عمارة الأرض:
لاشك أن الغاية الأساسية من وجود الإنسان هي تحقيق العبودية لله تعالى، إذ يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) } [الذاريات: 56] .
ومع هذا فليست الغاية من الخلق محصورةً فقط على العبادة كما ظن كثيرٌ من الناس، حيث إن الآية لم يقصد منها الاقتصار على أداء الشعائر التعبدية فحسب، ولكن الله عز وجل هيأ الإنسان لأمرٍ آخر لا يتعارض مع تحقيق العبودية، ألا وهو عمارة الأرض واستخلافه.
فالله سبحانه وتعالى استخلف البشر في الأرض بقصد عمارة الكون وإنمائه واستغلال كنوزه وثرواته.
قال صالح عليه السلام مخاطبًا قومه: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .
لكن ما معنى الاستعمار؟ وما حقيقته؟
الاستعمار لغةً: طلب التعمير والسعي لتحقيق العمران 36.
يقول الراغب الأصفهاني: «العمارة نقيض الخراب، يقال: عمر أرضه يعمرها عمارةً، قال تعالى: {وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة:19] . ويقال: عمرته فعمر فهو معمورٌ. قال: {وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9] .
{وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) } [الطور:4] .
وأعمرته الأرض واستعمرته: إذا فوضت إليه العمارة، قال: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] » 37.
والمعنى الاصطلاحي للاستعمار لا يختلف عن معناه اللغوي، فيراد به: طلب التعمير والسعي لتحقيق العمران، ويراد به كذلك: التمكين والتسلط، كما هو واضحٌ من قوله سبحانه: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) } [الأعراف: 10] . وقوله عز شأنه: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] .
وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية: 13] .
وقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} [البقرة: 22] . {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) } [طه: 53] .
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) } [الملك: 15] 38.
والمقصود بعمارة الأرض: «جعلها عامرةً غير خلاءٍ وذلك بالبناء والغرس والزرع» 39.
ويعد إعمار الكون ضرورة من ضرورات الحياة الإنسانية، فلا بد للإنسان من أن يكتشف ويخترع من أجل تذليل العقبات التي تعترض طريقه، وتحول بينه وبين تحقيق ما يطمح إليه من سبل العيش الآمن والحياة الكريمة. قال ابن عاشور عند تفسير قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل: 88] .
قال: «وهذا استدعاءٌ لأهل العلم والحكمة لتتوجه أنظارهم إلى ما في الكون من دقائق الحكمة، وبديع الصنعة. وهذا من العلم الذي أودع في القرآن ليكون معجزةً من الجانب العلمي يدركها أهل العلم، كما كان معجزةً للبلغاء من جانبه النظمي» 40.
وذكر الألوسي أن معنى قوله سبحانه: {وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61] .
أي: جعلكم عمارها وسكانها فالاستفعال بمعنى الإفعال، يقال: أعمرته الأرض واستعمرته إذا جعلته عامرها وفوضت إليه عمارتها. وذكر معنى آخر، وهو أنه أمركم بعمارة ما تحتاجون إليه من بناء مساكن، وحفر أنهار، وغرس أشجار، وغير ذلك، فالسين للطلب.
واستدل بالآية على أن عمارة الأرض واجبة لهذا الطلب». فلا تستقيم حياة الإنسان بدونها.
ولا يقصد هنا؛ أن تكون عمارة الأرض بالعلم المادي فقط، فلو كانت عمارة الأرض بالحضارة والتمدن والعلوم الدنيوية هي المقصود بحسن العمل، لما أرسل الله الرسل في التاريخ البشري أصلًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى قد أثبت تميز الأمم أصلًا في عمارة الأرض وعمق علمها بالدنيا؛ كما قال تعالى عن الأمم السابقة:
{كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا} [الروم:9] .
وقال عن علمهم المدني {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الروم:7] . فالمقصود من عمارة الأرض تحكيم شريعة الله تعالى في أرضه؛ كما قال تعالى: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41] .
والقرآن الكريم يربط بين عمارة الأرض والأخذ بهدي الأنبياء- عليهم السلام-، كما أن البعد عن هذا الهدي السماوي يجلب فيما يجلب التعاسة والحروب، وسقوط الحضارة.
يقول تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112) } [النحل:112] .
خلق الإنسان
يعد خلق الإنسان آيةً من آيات الله عز وجل العظيمة، خصوصًا إذا علمنا أن عملية الخلق هذه قد مرت بمراحل عديدةٍ وأطوار مختلفة.
قال تعالى: {وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) } [نوح: 14] .
ومن الواضح أنه قبل عملية الخلق هذه، قد أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن فيه الإنسان شيئًا مذكورًا، فأوجده الله بعد أن لم يكن موجودًا، كما في قوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) } [الإنسان: 1] .
وقوله عز وجل: {أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) } [مريم: 67] 41.
وقد خلق الله عز وجل الإنسان على أربعة أوجهٍ:
الأول: خلق آدم عليه السلام من غير ذكرٍ ولا أنثى.
الثاني: خلق حواء من ذكرٍ بلا أنثى.
الثالث: خلق المسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام من أنثى بلا ذكر.
الرابع: خلق سائر البشر من ذكر وأنثى.
أولًا: خلق آدم عليه السلام:
أخبر الحق سبحانه وتعالى عن خلق آدم عليه السلام في مواضع عديدة من القرآن الكريم، وكذلك ورد الحديث عن خلق آدم في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن خلال الآيات القرآنية الكريمة وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم في خلق آدم عليه السلام يمكن أن نقول بأن «خلق آدم عليه السلام مر في ثلاثة أطوارٍ رئيسةٍ هي: