والظاهر أن الملك لما علم أنه سائرٌ بهم إلى عدوٍ كثير العدد، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم، فقال لهم: إنكم ستمرون على نهرٍ، وهو نهر الأردن، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني، ورخص لهم في غرفةٍ يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش، فإن السير في الحرب يعطش الجيش، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشًا وشهوةً، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم؛ لأن المحارب إذا شرب ماءً كثيرًا بعد التعب، انحلت عراه ومال إلى الراحة، وأثقله الماء 158.
امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك، فقال: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} فهو عاص ولا يتبعنا؛ لعدم صبره وثباته ولمعصيته {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ} أي: لم يشرب منه فإنه مني {إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ} فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه 159.
ومن بديع إيجاز القرآن: أن يحذف الشيء ويأتي في السياق بما يدل عليه، كما وصف الذين لم يشربوا بالإيمان مرة وباعتقاد لقاء الله تعالى مرة أخرى، فأعلمنا أن هذا الإيمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد وترك الشرب، وسبب الشجاعة والإقدام على لقاء العدو الذي يفوقهم عددًا 160.
إذن فقد جعل الله الأنهار سببًا للابتلاء، فابتلى بني إسرائيل بالنهر وعدم الشرب منه، اختبارًا لطاعتهم وثباتهم وهو أعلم.
ثانيًا: ابتلاء الله لفرعون بجريان الأنهار من تحت قصوره:
الابتلاء سنة ربانية جارية إلى يوم القيامة، وهي سنة ثابتة من سنن الدعوات، وعلامة من علامات الصدق، والسير في الاتجاه الصحيح نحو تحقيق الأهداف، وكيف لا؟! والتاريخ يؤيد هذه الحقيقة، والقرآن يؤكدها {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31) } [محمد: 31] .
ولقد خلق الله الإنسان في هذه الحياة ليختبره ويبتليه، وجعل حياته في هذه الدنيا حياة كد وكدح وكبد، فقال سبحانه موضحًا هذه المعاني: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك: 1 - 2] .
ومن مظاهر سنة الابتلاء: ابتلاء الله لفرعون بجريان الأنهار من تحت قصوره، وقد تحدثت بعض آيات القرآن الكريم عن هذا النوع من الابتلاءات، قال تعالى: {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) } [الزخرف: 51] .
يقول تعالى مخبرًا عن فرعون وتمرده وعتوه وكفره وعناده، أنه جمع قومه فنادى فيهم متبجحًا مفتخرًا بملك مصر وتصرفه فيها أليس لي ملك مصر {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} أي: أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك، يعني: وموسى وأتباعه فقراء ضعفاء 161.
{مِنْ تَحْتِي} أي: من تحت قصري. {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} أعميتم عن مشاهدة ذلك.162 {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ} قيل: لما رأى تلك الآيات، وهي الآيات التسع التي ذكرها في سورة الإسراء وغيرها، استجاب الله بعد تكذيبه بها دعاء موسى، وهو المشار إليه قبل هذه الآية في قوله تعالى: {فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) } [الزخرف: 50] .
خاف ميل القوم إلى موسى، فجمعهم ونادى بصوته فيما بينهم أو أمر مناديًا ينادي بقوله: يا قوم أليس لي ملك مصر؟ لا ينازعني فيه أحدٌ ولا يخالفني مخالفٌ {وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} أي: من تحت قصري، والمراد: أنهار النيل.
وقال قتادة: المعنى: تجري بين يدي.
وقال الحسن: تجري بأمري، أي: تجري تحت أمري 163.
لما رأى الملأ من قوم فرعون الآيات تترى عليهم، وسخط ربك حالَا بهم: قال: {يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ} [الزخرف:49] ، قيل: هو خطاب تعظيم عندهم {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ} من النبوة لئن كشفت عنا العذاب الذي نزل بنا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل، وإننا لمهتدون إلى الصواب، وإلى الحق الذي تدعو إليه، فلما كشفنا عنهم العذاب، فاجأوا الكشف عنهم بأنهم ينكثون العهود وينقضون المواثيق.
هذا ما كان من أمر القوم وخاصة الملأ منهم، أما فرعون ملك مصر فها هي ذي أعماله: ونادى فرعون في قومه بأن جمعهم في مكان واحد كالسوق مثلًا، أو جمع أشرافهم وهم بلغوا عنه فكأنه نادى فيهم جميعا، فماذا قال؟ قال: يا قوم أليس لي ملك مصر؟ استفهام المراد منه التقرير، أي: قروا بما تعرفونه من أنى ملك مصر.
وهذه الأنهار-فروع نهر النيل-تجرى من تحتي، وتسير بأمرى، وأنا صاحب التصرف في كل ما ينتج عن جريها من مزروعات وغيرها. وعلى أنها كانت تجرى من تحت قصره، {أَفَلَا تُبْصِرُونَ} تلك الحقائق؟ بل تبصرون أني أنا خير من هذا الذي هو فقير وضعيف 164.
ومن المعلوم أن التاريخ تحكمه سنن الله الكونية، ومن لم يفقه هذه السنن لا يفقه التاريخ، إذن فالتاريخ ليس أحداثًا تتعاقب، بقدر ما هو أسباب تنتج عنها نتائج بإذن ربها، حينئذ ندرك طرفًا من مقصود الآيات التي تتحدث عن هلاك فرعون وجنوده غرقًا، بعد أن شق الله سبحانه وتعالى البحر لموسى ومن معه من المؤمنين، فبين الله سبحانه وتعالى وقيعتهم المأساوية حيث أغرقوا جميعَا فتركوا ديارهم، وما تزخر به من أسباب الرفاهية والسعادة.
قال تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) } [الأعراف: 136]
وكان إغراقهم انتقامًا من الله لذاته لأنهم جحدوا انفراد الله بالإلهية، أو جحدوا إلاهيته أصلًا، وانتقامًا أيضًا لبني إسرائيل؛ لأن فرعون وقومه ظلموا بني إسرائيل وأذلوهم واستعبدوهم باطلًا.
والإغراق: الإلقاء في الماء المستبحر الذي يغمر الملقى فلا يترك له تنفسًا، وهو بيانٌ للانتقام وتفصيلٌ لمجمله، فيكون المعنى: فأردنا الانتقام منهم فأغرقناهم، واليم: البحر والنهر العظيم، والمراد به هنا بحر القلزم، المسمى في التوراة بحر سوف، وهو البحر الأحمر. وقد أطلق (اليم) على نهر النيل في قوله تعالى: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ} [طه: 39] .
وقوله: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص 7] .
فالتعريف في قوله: اليم هنا تعريف العهد الذهني عند علماء المعاني المعروف بتعريف الجنس عند النحاة؛ إذ ليس في العبرة اهتمامٌ ببحرٍ مخصوصٍ ولكن بفردٍ من هذا النوع 165.
ومن هنا بعدما اقتحم فرعون بفرسه الطريق الذي شقه الله لموسى في البحر، ولما خرج موسى بقومه إلى الشاطئ الشرقي أطبق الله البحر على فرعون وجنوده فكانوا من المغرقين، لقد ذهب كل هذا مع غمضة عين، وهو الآن كالريشة في بحر متلاطم، لقد خلع من فكرة عظمة الملك وترفع السلطان، ونسي كل العز الذي رآه بهذه اللحظات الحالكة، كأنه لم يعش بين الرياشي وفاخر الأثاث، والإحاطة بالأتباع والجنود لحظة واحدة، إنه رهين الحالة القاتلة رهين الغرق، ضعف ما بعده ضعف، فعاد سريعًا إلى ما خبأته الذاكرة من دعوة موسى وأنها الحق، لكنه كان قد عاند وكابر، والآن حصص الحق، وينبغي أن تظهر الحقيقة وألا تضيع في خضم العناد فصرخ بأعلى صوته {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] .
الآن أيها الطاغية .. أيها الفرعون .. ولو قلتها قبل ذلك لكان لك شأن آخر، {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) } [يونس: 91] .
الآن وبعد سنين طويلة من الصد والجدال، والتكبر والغطرسة والتقتيل والصلب تعلنها، وقد اعترفت بالضعف الإنساني، وأنه لا حول لك ولا قوة، وأن الله جلت قدرته هو القوي الخالق هو المعبود بحق، ثم كان الفصل من الله {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) } [يونس: 92] .
وطفت جثة فرعون فوق الماء، وجرفتها الأمواج نحو الساحل، ورأى المستضعفون جثة فرعون وهو ذليل صاغر، هذا في الدنيا، وفي الآخرة النار والعذاب الأليم {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) } [هود: 98] .
فهو الزعيم عليهم حين كان ملكًا، وسيكون زعيمهم يرد بهم النار يوم القيامة، فتعسًا لهذا الزعيم وتعسًا لأتباعه المضلين .. وهكذا مصير أتباع كل زعيم ضال 166.
الواقع أن أي نوعٍ من العقوبة فيه آيةٌ على القدرة، وفيه تنكيلٌ بمن وقع بهم، ولكن تخصيص كل أمةٍ بما وقع عليها يثير تساؤلًا، ولعل مما يشير إليه القرآن إشارةً خفيفةً هو الآتي.
أما فرعون، فقد كان يقول: {أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي} [الزخرف: 51] .
فلما كان يتطاول بها جعل الله هلاكه فيها، أي: في جنسها 167.
وفي هذا يتبين لنا أن الله ابتلى فرعون بابتلاءات عدة، والتي كان منها جريان الأنهار من تحت قصوره، لكنه لم ينجح في كل هذه الابتلاءات، وقدر الله أن يكون بلاؤه بالوسيلة التي كان يتكبر بها {وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) } [الزخرف: 51] .
ثالثًا: ابتلاء الله للأمم الهالكة بالأنهار:
إن سنة الله لا تحابي أحدًا، وليس لفردٍ ولا لمجتمعٍ حصانةٌ ذاتيةٌ، وحين تقصر أمةٌ في توقي أسباب المصائب العامة، فإن عليها أن تتقبل نتيجة التقصير، والسعيد من اتعظ بغيره، والغافل من غفل عن نفسه حتى وعظ به غيره، وليست أمةٌ بمنأى عن العذاب إذا عقدت أسبابه، ولا في مأمنٍ من العقاب إن سلكت سبيله وفتحت للذنب أبوابه، ولذلك أكثر الله تعالى من وعظ هذه الأمة بمصارع الأمم الغابرة، وحذر الآمنين من مكره الذين لا يقدرون الله حق قدره، ولا يقفون عند نهيه وأمره.
قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [الروم: 41] .
ومن مظاهر الابتلاء التي لها صلة بالأنهار في القرآن الكريم: ابتلاء الله للأمم الهالكة بهذه الأنهار.
قال الله تعالى في كتابه الكريم: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) } [الأنعام: 6] .
قال الشوكاني: القرن يطلق على أهل كل عصرٍ، سموا بذلك لاقترانهم، أي: ألم يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار كم أهلكنا من قبلهم من الأمم الموجودة في عصرٍ بعد عصرٍ لتكذيبهم أنبياءهم. وقيل: القرن مدةٌ من الزمان. وهي ستون عامًا أو سبعون أو ثمانون أو مائةٌ على اختلاف الأقوال، ... مكن له في الأرض: جعل له مكانًا فيها، ومكنه في الأرض: أثبته فيها، ... أي: مكناهم تمكينًا لم نمكنه لكم، والمعنى: أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار وقوة الأبدان وقد أهلكناهم جميعًا. فإهلاككم -وأنتم دونهم- بالأولى.
قوله: {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} يريد المطر الكثير، والمدرار: صيغة مبالغةٍ تدل على الكثرة، وجريان الأنهار من تحتهم معناه: من تحت أشجارهم ومنازلهم، أي: أن الله وسع عليهم النعم بعد التمكين لهم في الأرض فكفروها، فأهلكهم الله بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم، أي: من بعد إهلاكهم قرنًا آخرين فصاروا بدلًا من الهالكين، وفي هذا بيانٌ لكمال قدرته سبحانه وقوة سلطانه وأنه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء 168.
قال تعالى واعظًا للمشركين المعاندين ومحذرًا لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي ما حل بأشباههم ونظرائهم، من القرون السالفة الذين كانوا أشد منهم قوةً، وأكثر جمعًا وأكثر أموالًا وأولادًا واستغلالًا للأرض، وعمارةً لها، فقال: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} أي: من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه العريض والسعة والجنود، ولهذا قال: {وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} أي: شيئًا بعد شيءٍ {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} أي: أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض، أي: استدراجًا وإملاءً لهم {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: بخطاياهم، وسيئاتهم التي اجترحوها 169.
{وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} أي: من تحت أمكنتهم، والمراد أنهم: أصحاب البساتين والقصور والمنتزهات 170.
قال القرطبي: والمعنى: وسعنا عليهم النعم فكفروها. {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} أي: بكفرهم فالذنوب سبب الانتقام وزوال النعم. {وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} أي: أوجدنا، فليحذر هؤلاء من الإهلاك أيضًا 171.
أي: وسخرنا لهم الأنهار وهي مجاري المياه الفائضة وهديناهم إلى الاستمتاع بها بجعلها تجري دائمًا من تحت مساكنهم التي يبنونها على ضفافه، أو في الجنات والحدائق التي تتفجر خلالها، فيتمتعون بالنظر إلى جمالها، وبسائر ضروب الانتفاع من أمواهها.
{فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} أي: فكان عاقبة أمرهم لما كفروا بتلك النعم وكذبوا الرسل أن أهلكنا كل قرنٍ منهم بسبب ذنوبهم التي كانوا يقترفونها. {وَأَنْشَأْنَا} أي: أوجدنا من بعد الهالكين من كلٍ منهم قرنًا آخرين يعمرون البلاد ويكونون أجدر بشكر نعم الله عليهم فيها 172.
قال الرازي: «اعلم أنه تعالى رتب أحوال هؤلاء الكفار على ثلاث مراتب:
فالمرتبة الأولى: كونهم معرضين عن التأمل في الدلائل: والتفكر في البينات.
والمرتبة الثانية: كونهم مكذبين بها، وهذه المرتبة أزيد مما قبلها؛ لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذبًا به، بل يكون غافلًا عنه غير متعرض له فإذا صار مكذبًا به فقد زاد على الأعراض.
والمرتبة الثالثة: ونهم مستهزئين بها؛ لأن المكذب بالشيء قد لا يبلغ تكذيبه به إلى حد الاستهزاء، فإذا بلغ إلى هذا الحد فقد بلغ الغاية القصوى في الإنكار فبين تعالى أن أولئك الكفار وصلوا إلى هذه المراتب الثلاثة على هذا الترتيب 173.
وقد وصف الله أولئك المهلكين بسبب اجتراحهم للسيئات بصفات ثلاث لم تتوفر للمشركين المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم.
وصفهم أولًا بأنهم كانوا أوسع سلطانًا، وأكثر عمرانًا، وأعظم استقرارًا، كما يفيده قوله تعالى {مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ} .
قال صاحب الكشاف: «والمعنى: لم نعط أهل مكة نحو ما أعطينا قوم عاد وثمود وغيرهم من البسطة في الأجسام، والسعة في الأموال، والاستظهار بأسباب الدنيا» 174.
ووصفهم-ثانيًا- بأنهم كانوا أرغد عيشًا، وأسعد حالًا، وأهنأ بالًا، يدل على ذلك قوله تعالى:
{وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا} أي: أنزلنا عليهم المطر النافع بغزارة وكثرة، وعبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها.
ووصفهم-ثالثًا- بأنهم كانوا منعمين بالمياه الكثيرة التى يسيرون مجاريها كما يشاءون، فيبنون مساكنهم على ضفافها. ويتمتعون بالنظر إلى مناظرها الجميلة، كما يرشد إليه قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ} أي: صيرنا الأنهار تجري من تحت مساكنهم.
ولكن ماذا كانت عاقبة هؤلاء المنعمين بتلك النعم الوفيرة التي لم تتيسر لأهل مكة؛ كانت عاقبتهم-كما أخبر القرآن عنهم- {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ} أي: فكفروا بنعمة الله وجحدوا فأهلكناهم بسبب ذلك؛ إذ الذنوب سبب الانتقام وزوال النعم 175.
إنها حقيقة ينساها البشر-إلا من عصم الله-وعندئذ ينحرفون عن عهد الله وعن شرط الاستخلاف؛ ويمضون على غير سنة الله؛ ولا يتبين لهم في أول الطريق عواقب هذا الانحراف، ويقع الفساد رويدًا رويدًا، وهم ينزلقون ولا يشعرون، حتى يستوفي الكتاب أجله؛ ويحق وعد الله، ثم تختلف أشكال النهاية: مرة يأخذهم الله بعذاب الاستئصال-بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم كما وقع لكثير من الأقوام، ومرة يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات كما حدث كذلك لأقوامومرة يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض؛ فيعذب بعضهم بعضًا، ويدمر بعضهم بعضًا، ويؤذي بعضهم بعضًا، ولا يعود بعضهم يأمن بعضًا؛ فتضعف شوكتهم في النهاية؛ ويسلط الله عليهم عبادًا له-طائعين أو عصاة-يخضدون شوكتهم، ويقتلعونهم مما مكنوا فيه؛ ثم يستخلف الله العباد الجدد ليبتليهم بما مكنهم.
وهكذا تمضي دورة السنة، السعيد من وعى أنها السنة، ومن وعى أنه الابتلاء؛ فعمل بعهد الله فيما استخلف فيه، والشقي من غفل عن هذه الحقيقة، وظن أنه أوتيها بعلمه، أو أوتيها بحيلته، أو أوتيها جزافًا بلا تدبير! 176
المقصود باللمسات الإعجازية في الأنهار: ما يدركه ويتوصل إليه العلماء المتخصصون من حقائق خاصة بالأنهار، وقد ألمح القرآن الكريم إليها سابقًا.
اللمسة الأولى:
في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53) } [الفرقان: 53] .
قال الإمام الطبري: «يقول تعالى ذكره: والله الذي خلط البحرين، فأمرج أحدهما في الآخر، وأفاضه فيه. وأصل المرج الخلط، ثم يقال للتخلية: مرج؛ لأن الرجل إذا خلى الشيء حتى اختلط بغيره، فكأنه قد مرجه.
وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في معنى قوله، دون القول الذي قاله من قال: معناه: إنه جعل بينهما حاجزًا من الأرض أو من اليبس؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر في أول الآية أنه مرج البحرين، والمرج: هو الخلط في كلام العرب على ما بينت قبل، فلو كان البرزخ الذي بين العذب الفرات من البحرين، والملح الأجاج أرضًا أو يبسًا لم يكن هناك مرج للبحرين، وقد أخبر جل ثناؤه أنه مرجهما، وإنما عرفنا قدرته بحجزه هذا الملح الأجاج عن إفساد هذا العذب الفرات، مع اختلاط كل واحد منهما بصاحبه. فأما إذا كان كل واحد منهما في حيز عن حيز صاحبه، فليس هناك مرج، ولا هناك من الأعجوبة ما ينبه عليه أهل الجهل به من الناس، ويذكرون به، وإن كان كل ما ابتدعه ربنا عجيبًا، وفيه أعظم العبر والمواعظ والحجج البوالغ 177.
أي: وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان البحر العذب وهي الأنهار السارحة على وجه الأرض والبحر الملح وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد، {وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا} أي: حاجزًا يحجز من اختلاط أحدهما بالآخر فتذهب المنفعة المقصودة منها {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} أي: حاجزًا حصينًا 178.
هذا عذبٌ فراتٌ بالغ العذوبة، وهذا ملحٌ أجاجٌ بالغ الملوحة والمرارة، وجعل بينهما برزخًا حائلًا، {وَحِجْرًا مَحْجُورًا} أي: وسترًا مستورًا يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر 179.
الحقيقة العلمية التي لها صلة بالآية: